قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كانت ليلة غريبة، ومرعبة في الوقت ذاته، تلك التي هبطت فيها طائرة الهيلوكوبتر، لأول مرة بعد غربة السنين الطويلة، على "سطح" وطني، تقلني ومجموعة من الخبراء المتعاقدين، لتنفيذ مشاريع تهدف لإعادة الإعمار والبناء. لم أشاهد طيلة إقامتي في الغربة، كمية من الظلام الدامس، كالتي شاهدتها ليلة هبطت خلالها طائرتنا، في حقل بري، يلفه السواد والسكون المريب. خفف أزيز محرك الطائرة العملاقة من وطأة الوحشة والترقب، التي إستقبلتنا بها بقعة من محافظة الأنبار لا تبعد كثيراً عن مدينة الفلوجة "المحررة"، ولا يعلم موضع هبوطنا بالضبط سوى الله وقائد الطائرة. إلى ذلك، قد يعجز المرء عن وصف الأجهزة والمعدات الوقائية الحديثة، والكثيرة، التي "لف" بها قائد الطائرة أجسادنا في أثناء الطيران. كنا ننزّ عرقاً ورعباً، خشية المجهول في هذه الديرة. الخوف من حصول ما حصل للقادمين أمثالنا من وراء الحدود، لغرض التعمير والبناء، كما نقرأ ونسمع ونشاهد في وسائل الإعلام، كل يوم.

أما "مدرج المطار" فكان أرضاً خالية، إلا من الرمل والحصو والظلام، وبعض الأدغال العالية، التي إستغلت جفاف الأرض، ومنعت أية نبتة مفيدة من الحياة. كان طاقم الطائرة، يرتدي البدلات العسكرية الداكنة، ويحمل النواظير الليلية علىخوذه، لغرض رؤية ما لانراه. فتح باب الطائرة الخلفي، وطلب إلينا أن نغادرها من خلاله. عمّ الهدوء الفضاء الدامس، ولم أتبين موضع قدمي وأنا أخطو خطوتي، في بحر الظلام والمجهول. وطأت جزمتي كومة نبات متيبس، فأحدث ذلك قرقعة واضحة، مزقت جدار السكون الداكن. على مقربة من الطائرة رأيت في الأفق جسماً، توضح فيما بعد أنه الباص المخصص لنقلنا إلى معسكرنا. لم أعرف من شدة الظلام شكل الباص أو موديله أو نوعه. ولقد تعهدت القوات المتعددة الجنسيات، بحماية المدنيين المتعاقدين مع شركات ومؤسسات أمريكية أو حليفة، وتقديم كافة الخدمات لهم، طالما هم وافقوا على الإلتحاق بهذه المهمة الشاقة والخطرة، والعمل في هذه المنطقة "الحمراء". سار بنا ذلك الباص على طريق ترابي كثير التعرجات والإنعطافات، وخال من الإضاءة والعلامات المرورية. وكنا نمر بأشجار متباعدة متشحة بالظلمة. كانت تلك الأشجار تحدق بنا بحزن ولامبالاة. ولا أدري لماذا قرأت في صمتها البائس، علامات الإستغراب من مجيئنا إلى هذه البقعة الخربة والقاحلة من أرض العراق، التي هجرها أهلها المغلوبون على أمرهم، وتركوها ساحة للصراع بين خصوم أجانب، قدموا إليهم لتصفية الحسابات، من وراء الحدود.

قطع الباص مسافة عشرة أميال، دون أن يستخدم السائق خلالها مصابيح النور. وأوضح لنا أحد أفراد المارينز الأمريكي، المكلف بحراستنا الشخصية، أننا أصبحنا على مقربة بضعة أميال من مدينة الفلوجة ذاتالسمعة الدولية!. بهر أبصارنا ما شاهدناه في سمائها من ضياء، يوحي بالحياة الليلية للمدن، وصخبها، وكثرة المحلات التجارية والأسواق. وفي أول الأمر، بدا لي ذلك وكأنه لغز. لم أفهم ذلك في الحال. كيف يقولون أن الفلوجة "مدينة مغلقة ومحاصرة"؟. لكن حيرتي لم تدم طويلاً!. فسرعان ما هز السماء المنيرة صوت إنفجار رهيب!. ثم تلته فرقعة القذائف، وأزيز الطائرات، وصخب الإنفجارات الهائلة، المصحوبة بهالة كبيرة من الضياء الشديد الذي أحال ليل الفلوجة "المحررة" إلى نهار! ولدى الإستفسار من مرافق البعثة نيبالي الجنسية عن الأمر، وكان يتكلم العربية إلى جانب إنجليزيته، ذات اللكنة الهندية المعهودة، أخبرنا بكلام متعثر قائلاً: "هذه القوات المتعددة الجنسيات تهجم على مواقع المجاهدين في الفلوجة!". وقلت في نفسي، كيف تدعي الفضائيات العربية إذن أنها محررة وصامدة، والناس فيها يمارسون حياتهم اليومية بحالة إعتيادية؟ وهل هذه هي الحالة الأمنية الملائمة لتنفيذ مشروع الشركة؟. كيف يمكننا إنشاء مختبرات لتعليم الكومبيوتر، وورش تأهيل النساء، ومراكز تعليم الكبار، ورياض أطفال ومدارس ومكتبات وغيرها من النشاطات العائدة لمشروعنا، التي تستلزم بالأساس قدراً وافياً من الأمن والإستقرار؟!. عادت إلى ذهني كلمات ولدي التي قالها لي، حينما كنت أخطط لرحلتي هذه. لقد حذرني من مغبة السفر إلى العراق حالياً لأنه محفوف بالأخطار. شعرت لبضع ثوان بالضعف والحيرة وقليل من الندم. حقاً كانت معنوياتي في شيكاغو أعلى منها الآن!. كنت مفعماً بحب الوطن والحنين إليه، ولو كانت معنوياتي عند توقيع العقد مثلما هي الساعة، لما صعدت درج الطائرة لأبدأ رحلتي الطويلة الخطرة إلى الفلوجة!.

وفي صبيحة اليوم التالي، قمت مرعوباً من سريري، في المجمع السكني الكائن داخل المعسكر، بعد أن إقتلعني من سباتي العميق صوت رهيب، سببه إنفجار قذيفة هاون أو صاروخ، سقط قرب الخيمة التي كنا ننام فيها. وإرتفعت أصوات من المعسكر تحذرنا من خطر الهجوم الإرهابي، وتدعونا إلى اللوذ بالملاجئ القريبة من الخيم. وما هي إلا دقائق قليلة، حتى وجدت نفسي أقبع في ملجأ حصين، جنباً إلى جنب، مع زملائي من فريق الخبراء، ومن أفراد المارينز، المكلفين بحمايتنا. سمعت أحد هم، وهو يكلم خبيراً أمريكياً في علوم الحاسبات قائلاً: "إنها قذيفة هاون أطلقها المجاهدون بإتجاه المعسكر. هذا الأمر أصبح إعتيادياً ويومياً. ففي كل مرة نسمع فيها صوت المؤذن، من المسجد، وهو يدعو الناس للصلاة، لابد أن يطلقوا علينا عدة قذائف صاروخية. ربما كان الإمام حريصاً على تذكيرهم بأداء واجبهم الجهادي، أي مهاجمتنا بقذائف الهاون!". وبدأ الإثنان يقهقهان بنبرة مسترخية ساخرة، قطعها عليهما صوت إنفجار ثان، بدا لي أقرب إلينا من سابقه!. لاحظ المارينز، قلقاً في وجه صاحبه الذي كان يتحدث إليه، مثلما لاحظه في وجوهنا جميعاً، فأراد تلطيف الجو، وأرددف قائلاً: "أما الجانب الغريب في الأمر، أن هؤلاء المجاهدين الملثمين ليسوا دقيقين، في إصابتهم للهدف. فلطالما سقطت قذائفهم على بناية، أو مدرسة، أو منزل، وقتلت جميع من فيها". وبعد لحظات صمت، حيث كنا نفكر بما قاله صاحبنا، عاد إلى الكلام الموجه إلينا قائلاً: "أرجو إنتباهكم إلى ما سوف تسمعونه بعد لحظات، من أصوات قد تصم آذانكم. إنها مدفعيتنا الميدانية الثقيلة، وهي ترد عليهم، بعد أن رصد الرادار مواقعهم بصورة أوتوماتيكية". وبالفعل، لم تمض سوى هنيهات، حتى سمعنا بعدها دوياً رهيباً لصاروخ إنطلق من قاعدته، مارقاً فوق رؤوسنا، ليلاحق المجاهدين. وتوالت القذائف الصاروخية، المحملة بالموت والدمار. كانت حوالي خمس قذائف. مرت ساعات بعد ذلك، لم أذق خلالها الطعام أو الراحة، أو حتى النوم!. ولحسن الحظ إن الخوف، يأتي فعله في الإنسان أول الأمر فقط، حيث تصبح بعد ذلك كل المخاطر حالات إستثنائية، لايعيرها الذهن أي إهتمام يذكر!. ومنذ ذلك اليوم تعرضنا لمختلف أنواع الصواريخ والهاونات، وإنفجار عبوات الطريق الناسفة، لكننا تعودنا عليها، وأصبح ذلك الحال من سمات حياتنا اليومية العادية، كالعمل والطعام والنوم والإسترخاء!.

ظلت مسألة الصواريخ المضادة، التي كان المارينز يطلقونها بإتجاه المجاهدين، تشغل بالي. هل تجدي تلك العملية بالفعل؟ وهل ياترى سينتظر المخرب الذي أطلق قذيفة الهاون، بإتجاه المعسكر، حتى تهبط صواريخ المارينز على رأسه؟!. ولا أدري لماذا قفزت إلى مخيلتي فكرة سابقة، كانت كامنة في ذاكرتي منذ حرب تحرير الكويت عام 1990، حيث شاهدت بأم عيني، صواريخ صدام "الخلب"، وهي تنطلق بإتجاه إسرائيل، من بين الأحياء السكنية في بغداد. ولطالما خربت صواريخ التحالف المضادة، الواردة إلى العراق، البيوت والمدارس وبنايات البنية التحتية والملاجئ المدنية. وأكثر الظن، أن المجاهدين الملثمين يأتون بهاوناتهم الروسية، المصنعة للحرب العالمية الثانية، قرب الدور السكنية، ليطلقوها على القوات المتعددة الجنسيات، فيورطون أعداءهم في مهاجمة المدنيين. إذ لايوجد ضمان أكيد، أن قذائف الردع الأمريكية، لا تخطأ أهدافها، لتلحق الضرر بالأبرياء. وفي الكثير من الأحيان نسمع البعض من أهالي الفلوجة، وهو يقسم اليمين أن منزله أو محله التجاري أو سيارته قد دمرت بفعل القصف الأمريكي "العشوائي". في البداية ظننت أن المارينز يبالغون أو يحاولون إضعاف شأن الملثمين من أتباع الزرقاوي، حينما وصفوا هجماتهم المتكررة بالهاون بعدم الدقة. لكنني، وبعد إسبوع واحد فقط من وصولي، إطلعت على معلومات أكيدة، حصلت عليها من أناس محليين عديدين يعملون معنا في المشاريع، مفادها أن آلاف المنازل في الفلوجة، وأطرافها وضواحيها قد هدمتها قنابل المجاهدين الطائشة. وأن مئات المواطنين الأبرياء، قد لقوا حتفهم من جراء هجمات تخريبية غير دقيقة وعشوائية، قام بها المتمردون بقصد إيذاء القوات المتعددة الجنسيات، فأصابت المواطنين عن طريق الخطأ.

وقد حدثني مترجم محلي يعمل مع القوات الأمريكية، عن طبيعة المتمردين الذين تلقي قوات الأمن القبض عليهم متلبسين بزراعة عبوة ناسفة، أو قبل إطلاقهم قذيفة هاون. وقد دفعني حب الفضول إلى معرفة مستوياتهم التعليمية، وطبيعة أشغالهم أو مهنهم. ويالهول الصدمة مما إكتشفت!. لم يكن بين هؤلاء من زار المدرسة على الإطلاق! أو تلقى أي نوع من التدريب أو الثقافة، ناهيك عن العمل في ظل نظام صدام جندياً في الجيش أو شرطياً أو فرداً في دوائر الأمن أو المخابرات. فيما إقتصر تدريبهم وإعدادهم على "مهارات" القتل والإضطهاد والقمع والملاحقة . بعبارة أخرى، إن من يسمون أنفسهم بمجاهدي الفلوجة، ليسوا سوى مجموعة ممن "تقيأتهم" الأرض، كما يقول المثل العراقي!. ومع كل إحترامي لمهنة الرعي الشريفة، لايسعني إلا القول أن معظمهم كانوا، في حياتهم "المدنية" رعاة ماشية. هذا ما كانوا يدعونه، على الأقل. وأغلب الظن أنهم كانوا، ممن يمتهنون تهريب الأغنام. ومن اللصوص وقطاع الطرق والقتلة و"الأشقياء" الجهلة. وإذا كان هذا هو حالهم ومستواهم الثقافي، فكيف يمكنهم، ياترى، أن يتبينوا أموراً معقدة كالإحداثيات، ويحتسبوا حركة الرياح، وتأثير الجاذبية الأرضية على مسار القذيفة، ناهيك عن إتقان التعامل مع المواصفات التشغيلية والتقنية لمدفع هاون أو قاعدة إطلاق الصواريخ كاتيوشا. وكيف يتسنى لصواريخهم وقذائفهم أن تصيب أهدافها المرسوم بدقة وعناية؟. من دون أن تهوي على سطح البناية المجاورة، التي يسكنها عشرة أنفار من المدنيين الخائبين؟!. الضحايا الذين كتبت عليهم شرعة الجهاد الإرهابي، الموت والدمار، من دون أن ينسحب الإحتلال شبراً من موقعه على سطح الفلوجة!.

د. أسعد الخفاجي كاتب ومحلل سياسي مقيم في شيكاغو (الفلوجة حالياً)