أقرأ كثيرا لعباقرة الصحافة العربية يتحدثون عن الإصلاح، لأن الحديث عن الإصلاح أصبح موضة عامى 2004 و 2005، وقد قررت أن أكتب مرة أخرى عن موضوع الإصلاح فى عام 2005، بعد أن كتبت عنه مرة واحدة فى عام 2004، وكما نقول فى مصر "التكرار يعلم الشطار" وفى قول آخر "التكرار يعلم الحمار" !!

الكل كما ذكرت يتحدث عن الإصلاح، ولا نرى أى خطوات جادة فى هذا الطريق، وكما تقول العرب المستعربة : "أسمع طنينا و لاأرى طحينا"، وأحدث موضة فى الحديث عن الإصلاح هو أن كثيرا من عباقرة الكلام العربان طلعوا علينا بفتوى سياسية فحواها يقول : "الإصلاح يجب أن يأتى من الداخل، ويجب ألا يمس بالثوابت "، موضوع الإصلاح من الداخل كتبت عنه فى العام الماضى وقلت أنه من المستحيل على الشخص الذى هو أساس الفساد أن يتولى الإصلاح ويقول لطبيبه :"والنبى يادكتور إدينى حقنة إصلاح، بس خللى بالك تكون من الداخل"!!.

وموضوع اليوم أكثر طرافة فى الحقيقة وهو شعار "عدم المساس بالثوابت".

وبما أننى رجل موضوعى قررت العودة للإصول لمحاولة معرفة معنى كلمة (الثوابت)، خوفا من أن يكون هناك معنى آخر للكلمة (من ورانا) ولم أعرفه نظرا لغيابى الطويل عن المنطقة العربية، لذلك فتحت الإنترنت (وربنا يخللي لنا عمنا الإنترنت الذى جعل كل المعلومات سهلة ومتاحة لقوم يفقهون ولا يفقهون). ووجدت مواقع كثيرة بها القواميس العربية، وأنا اعرف أن أفضلها هو "القاموس المحيط"، وبعدين القاموس المحيط أسم فخم. وفى القاموس المحيط كتبت تحت (البحث) كلمة (ثوابت)، ففوجئت أن نتيجة البحث (صفر)، لذلك إستنتجت أن كلمة ثوابت كلمة غير عربية، لأنها غير موجودة فى (القاموس المحيط) والمفروض فيه أنه (محيط) بكل شئ، فغيرت كلمة البحث وكتبت (ثابت)، فجاء الفرج ووجدت ما يلى:

ثَبَتَ ثَباتاً وثُبوتاً، فهو ثابِتٌ وثَبيتٌ وثَبْتٌ، وأثْبَتَه وثَبَّتَه‏
والمُثْبَتُ، كمُكْرَمٍ‏:‏ الرَّحْلُ المَشْدود به، ومَنْ لا حَراكَ به منَ المَرَضِ، وبكسر الباءِ‏:‏ الذي ثَقُل فلم يَبْرَحِ الفراشَ‏.‏
وداءٌ ثُباتٌ، بالضم‏:‏ مُعْجِزٌ عن الحَركةِ‏.‏

لذلك خلصت بأن كلمة ثبات هى عكس الحركة، وتذكرت الآن فقط عندما كنت فى خدمة الجيش المصرى، كان الشاويش (عطية) يصرخ فينا دائما ويقول (ثابت يا عسكرى منك...له.. ولا حركة)، وكان مزاج عند الشاويش ( عطية) أن يتركنا واقفين فى وضع (الثبات) بالساعات، وكنا نعتقد وقتها عندما كنا شبابا (أغر لا يفقه شيئا) أنه يقوم بعقابنا على ذنب إقترفناه أو لم نقترفه (وبلغة الجيش المصرى أنه يقوم بتكديرنا)، ولكننى الآن فقط عرفت أن الشاويش عطية (مساه الله بكل خير) كان غرضه شريف ألا وهو (الحفاظ على الثوابت) ويكون غاية مزاجه هو أن يرانا واقفين مثل ألواح (اللطزانة الخشبية) لانتحرك! وبعيدا عن ثوابت الشاويش (عطية) بالله عليكم تعالوا نرى ما هى الثوابت العربية والتى (نتفشخر) بها على باقى العالم والتى لا يصح أن يمسها الإصلاح بأى سوء لا قدر الله:

أولا: الحاكم والزعيم والملك والأمير والخليفة والإمام : كلها على رأس قائمة الثوابت العربية الأصيلة والتى لا يجوز أن يمسها الإصلاح بأى سوء، الشئ الوحيد الذى يستطيع أن يمس تلك الثوابت هو (عزرائيل) وهو الأداة الوحيدة لتداول السلطة.

ثانيا: الفساد والرشوة : ومن عبقرية (الثوابت) العربية أنها أطلقت أسماء دلع على الرشوة، وكل هذا يتوقف على البلد التى ترتكب فيه جريمة الرشوة.
وأسماء الدلع على سبيل المثال لا الحصر: هدية (ده النبى قبل الهدية)، حلوان، الحلاوة، حق الشاى (مرة سمعت عن واحد أخد مليون دولار حق الشاى، أصله بيحب الشاى بعنف، لدرجة إنه أخذ المليون دولار وإشترى مزرعة شاى فى سيريلانكا)!!، إكرامية، عمولة، علشان السجاير، وأحيانا علشان الشاى والسجاير معا ( ودى لما تكون خبطة جامدة)، علشان المدام والأولاد، وأنا فى الحقيقة لا أعرف كل اللهجات العربية وأرجو من القراء الأعزاء تزويدى بالمعلومات الإضافية عن أسماء دلع أخرى للرشوة لضمها إلى الثوابت العربية الأصيلة.
وأظرف أسم دلع للرشوة هو ما هو أطلقه قريب لى أيام عبد الناصر، فمن كان من ضمن الشعارات العظيمة أيام عبد الناصر كان شعار (الدفع الثورى)، وكان قريبى هذا يذهب إلى أى مصلحة حكومية لقضاء أى أمر سواء إستخراج بطاقة شخصية أو شهادة وفاة أو تسجيل عقار، فكان يدخل على الموظفين هاتفا :"النهاردة عندكم (دفع) ثورى" فيبتسم الموظف الذى سوف يتلقى ، الرشوة "الثورية"، فيهتف قريبى"يعيش (الدفع) الثورى" ويتوجه الى الموظف (الثورى) والذى كان يقضى أموره فى لمح البصر بفضل (الدفع) الثورى.

ثالثا: المحسوبية والواسطة وتخطى الدور: من منا لم يعان من أن يقطع عليه شخص دوره فى طابور أو دوره فى عبور إشارة مرور، ومن منا لم يستخدم الواسطة أو المحسوبية لكى يقفز فوق أشخاص آخرين أحق منه بوظيفة أو بسكن حكومى أو سفرية إلى الخارج، ومن منا لم يعان من ظلم وقع عليه نتيجة المحسوبية والواسطة، ولو كان لك قريب أو صديق فى منصب سلطوى كبير أو صغير وقصدته لإستغلال معرفتك به لقضاء حاجة ورفض أن يعطيك أكثر من حقك كمواطن عادى، فسوف تخرج من مكتبه لاعنا (سنسفيل) جدوده (لا تسألنى عن معنى كلمة "سنسفيل") ولاعنا اليوم الذى عرفته وتقول عنه :"ده راجل نذل مالوش خير فى أهله، واللى مالوش خير فى أهله مالوش خير فى حد". وهذه من الثوابت العربية الأصيلة التى يجب المحافظة عليها لأنها تحافظ على وحدة القبيلة.

رابعا : الطغيان: الطغيان كان ولا يزال من ثوابت التاريخ العربى منذ نهاية عهد الخلفاء الراشدين بإستثناء ومضات بسيطة، إلا أنه وعلى مدى ألف وأربعمائة عاما كان الطغيان فى الحكم هو الأساس والعدل والكرامة للمواطن العادى هو الإستثناء، حتى مفهوم المواطن الكريم الآمن كان و لايزال غير مفهوم، وأصبح هذا المواطن عبدا وخادما لحاكمه، بدلا من أن يكون الحاكم فى خدمة المواطن.

خامسا: إضطهاد الأقليات: الأقليات مضطهدة فى بعض بقاع العالم، وكلما إرتفعت وأرتقت الأمم كلما أعطت للأقلية من مواطنيها ليس فقط حقوق المواطنة كاملة ولكن تعطيهم حقوق المواطنة وفوقها (بوسة) حتى تساعدهم على نسيان أنهم أقلية، اما فى البلاد التعيسة والمتخلفة فإنهم لا تفوتهم أى مناسبة لتذكيرهم بأحوالهم التعيسة لمجرد أنهم أقلية، وفى بعض الأحيان يقعون تحت ضغوط هائلة لكى يطفقشوا من البلد ويتركوا ديارهم وأهلهم، لأى أى إنسان لديه كرامة لا يقبل أن يعامل على أنه مواطن من الدرجة الثانية لأى سبب كان سواء بسبب ديانته أو لون جلده أو جنسه، ويصل الأمر فى كثير من الأحيان إلى إرتكاب جرائم قتل وإعتداء وحرق دور عبادة وخطف، وهذا أصبح من الثوابت فى معظم بلادنا العربية نراه: فى مصر والعراق وسوريا والسودان والجزائر والسعودية وغيرها، نجد إضطهادا للمسيحيين والأكراد والشيعة والسود، فهل هذه من الثوابت التى نحرص عليها؟

والحقيقة أن الثوابت العربية التى يتباكى عليها معارضو الإصلاح (من الباطن) تتطلب كتابا بذاته ولا يكفيها مقال واحد. وكلمة أخيرة (إصلاح) تعنى معالجة المعطوب وتحريك الثابت، وإلا نكون نفذنا أوامر الشاويش (عطية) : (ثابت يا عسكرى منك.. له.. ولا حركة).

[email protected]