قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كيف نلحق الهزيمة بالإرهاب في العراق؟ نعم، هذا هو السؤال الذي يدور في بال كل إنسان شريف. لن استغرب من تفشي الإرهاب الذي يشنه التحالف البعثي-الزرقاوي في العراق بوحشية وعشوائية لا نظير لهما حيث ارتكاب الجرائم الفظيعة في المناطق المزدحمة لقتل وجرح أكبر عدد من الناس الأبرياء دون أي تمييز بين الضحايا، سواءً كانوا من رجال الشرطة والحرس الوطني أو مدنيين، من النساء والأطفال وغيرهم. ويقدر المسؤولون عدد المسلحين الإرهابيين بحدود 20 ألفاً كأعلى تقدير.

أسباب تفشي الإرهاب
والسؤال هو لماذا لا يستطيع ما يقارب ربع مليون عسكري (مجموع قوات الشرطة والحرس الوطني والقوات متعددة الجنسيات) من إلحاق الهزيمة السريعة بالإرهابيين؟ وإلى متى سيستمر هؤلاء في نشر القتل والرعب بين المواطنين ومنع الحياة الطبيعية وشل السلطة ومنع إعادة إعمار العراق؟
في رأيي هناك ثلاثة أسباب رئيسية لتفشي الإرهاب في العراق:
السبب الأول، أن عملية مواجهة الإرهاب تختلف كلياً عن الحرب بين جيشين متحاربين. ففي الحرب الكلاسيكية، كل قوة عسكرية تحارب عدواً مرئياً وأهدافاً معروفة ومقررة سلفاً. لذلك استطاعت قوات الحلفاء بقيادة أمريكا إلحاق الهزيمة بجيش صدام حسين وإسقاط نظامه وأصنامه بثلاثة أسابيع، بينما في حالة مواجهة الإرهاب، عجزت هذه القوات لأنها تحارب عدواً غير مرئي ومفخخ يتغلغل بين الناس كانتحاري أو يسوق سيارة مفخخة أو يزرع ألغاماً في الطرق تحت جنح الظلام، أو قطاع طرق..الخ

السبب الثاني هو سهولة ارتكاب الإرهاب في العراق. فهناك فريقان من الإرهابيين، البعثييون، وهم يشكلون القسم الأكبر، ومعظمهم ذو خبرة واسعة في الجريمة حيث كانوا في القوات الخاصة والحرس الجمهوري وفدائيي صدام والمغاوير وفرق الأمن وشرطة النجدة...الخ وكل هؤلاء دخلوا دورات مكثفة للتدريب على هذه الأعمال ومارسوها خلال حكمهم الطويل. كذلك حزب البعث رغم تلقيه ضربات قوية إلا إنه بقي محافظاً على كيانه بعد تخلصه من الترهل، لذا فيمتاز الآن بالرشاقة والطاعة والانضباط وسرعة الحركة وبيده المليارات من الأموال التي سرقوها وملايين الأطنان من الأسلحة والذخيرة التي استحوذوا عليها وحتى عندهم ورشات ومعامل سرية، ثابتة ومتنقلة وأوكاراً وغيرها. لذلك فهم يمتلكون زمام المبادرة وتوقيت ساعة الحركة وتحديد الأهداف والمكان والزمان حسب ما يناسبهم. أما الجانب الحكومي، فالشرطة والحرس الوطني أغلبهم من المستجدين إضافة إلى اختراق صفوفهم من قبل البعثيين، فلحد الآن تم طرد أكثر من ثلاثين ألف منهم بعد أن اكتشف تواطئهم مع الإرهابيين. وإذا ألقي القبض على الإرهابي البعثي، فلا خوف عليه، إذ ليس هناك تعذيب ويمكنه أن يمتنع عن إعطاء أية معلومة وحتى عن الإدلاء باسمه ويبقى في الاعتقال لفترة قصيرة، مكرماً معززاً ثم يطلق سراحه كبطل ليعود إلى صفوف رفاقه ويواصل الإرهاب.
أما الإرهابيون الإسلاميون الوافدون من الخارج، فمعظمهم من الشباب المحرومين من حياة تستحق أن تعاش وخضعوا لعملية غسيل الدماغ من قبل شيوخ المساجد وفقهاء الموت، وأرسلوهم إلى العراق يملؤهم الحماس للموت السريع، فيعبئ نفسه بالمتفجرات ويندس في مكان مزدحم ويفجر نفسه وما هي إلا جزء من الثانية حتى يجد نفسه في الجنة بين أحضان 72 حورية!! هكذا زرعوا في عقله المشوش. وإن لم يمت فسيقيم عدة أيام في ضيافة الحكومة العراقية في معتقل أكثر راحة من واقعه المؤلم ثم يطلق سراحه ليجرب حضه ثانية في الدخول إلى الجنة الموعودة!
السبب الثالث لتفشي الإرهاب في العراق هو رخاوة وتساهل السلطات العراقية وقوات متعددة الجنسيات في معاقبة الإرهابيين الذين تم إلقاء القبض عليهم. فلحد الآن لم نسمع بمحاكمة الإرهابيين ولا بإصدار أحكام بحقهم أو تنفيذ حكم الإعدام بأي منهم. فالحكومة الانتقالية الحالية تحرص على علاقتها مع منظمات حقوق الإنسان الغربية التي تحولت إلى منظمات الدفاع عن حقوق الإرهابيين، أكثر من حرصها على أمن الشعب وسلامته.
ولكن رغم حرصها على سمعتها من تهمة التجاوز على حقوق الإنسان، فالحكومة العراقية والقوات متعددة الجنسيات هي متهمة بهذا التجاوز على أي حال، وحتى دون استخدام العنف الكافي ضد الإرهابيين. إذ نسمع بين حين وآخر عن أعمال لا إنسانية يقوم بها عدد من جنود التحالف ضد المعتقلين كما حصل في سجن (أبو غريب) قبل فترة وما قام به ثلاثة من الجنود البريطانيين في البصرة من أعمال مهينة ضد بعض اللصوص المعتقلين من الذين تم إلقاء القبض عليهم إثناء الفرهود. ولا نعلم، هل القيام بهذه الأعمال المهينة ونشر الصور عنها في الإعلام بهذه الكثافة كان مؤامرة وعن قصد من جهات معادية للإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية بغية إحراجهما وإعاقة العملية الديمقراطية في العراق، أم هي إجراءات فردية لا علاقة لها بالسياسة؟ إلا إن بعض المحللين الغربيين يعتقدون أن هذه الأعمال وما رافقها من حملات إعلامية واسعة قدمت خدمات كبرى للجهات المعادية للديمقراطية في العراق وحرضت الشباب العرب على الانخراط في الأعمال الإرهابية، كما أعطت ذخيرة حية للجهات التي وقفت ضد الحرب على صدام حسين وتعمل الآن على إجهاض العملية الديمقراطية في العراق بصورة خاصة والمنطقة بصورة عامة.

مخاطر التساهل مع الإرهاب
أعتقد جازماً أنه لو استمرت الحكومة الحالية والحكومات القادمة على التعامل مع الإرهاب وعصابات الجريمة بهذا التساهل فمصير العراق، مثل كولومبيا وربما مثل أفغانستان أيام حكم الطالبان، سيصبح مرتعاً خصباً لتفريخ الإرهاب وانتشاره كما خطط له قادة منظمة القاعدة الإرهابية. كذلك ممكن أن يتحول العراق إلى بؤرة لتفشي الجريمة المنظمة كحرفة، فسيتدفق عليه المجرمون من عصابات الخطف والمافيا من كل أنحاء العالم، ليقوموا بخطف رجال الأعمال والمهنيين من العراقيين والأجانب، كمهنة رابحة ومضمونة للثراء السريع، وعندها سنقرأ على العراق السلام. وفعلاً بدت بوادر هذا الشبكات في طور التكوين، فالأنباء المروعة تفيد عن عصابات من سواق نقل المسافرين، عراقيين وأردنيين وسوريين، يبيعون المسافرين وخاصة الأجانب والعراقيين من حملة الجوازات الأجنبية، على قطاع الطرق، وكل بسعر، أرخص رأس بمائة دولار!! وقد يصل إلى آلاف الدولارات في حالة الإدلاء على مقاول غربي، فقد أصبح بيع المسافرين على الإرهابيين وقطاع الطريق تجارة رائجة في العراق.

إشعال فتنة طائفية
فحزب البعث الذي يقود الإرهاب بالتحالف مع جماعة الزرقاوي يعمل باستماتة وبمنتهى الشراسة على إشعال حرب طائفية كوسيلة لعودتهم للحكم أو تحويل العراق إلى خرائب وأنقاض وفقد مبدأ شمشون (علي وعلى أعدائي، وليكن من بعدي الطوفان). لذلك يرتكبون القتل العشوائي ضد الشيعة وتفجير المساجد والحسينيات الشيعية من أجل إشعال نار الفتنة الطائفية. وهؤلاء أنفسهم قاموا باغتيال عدد من أئمة المساجد السنية على أمل إثارة السنة ضد الشيعة. وقد عيَّر الزرقاوي السنة لعدم استجابتهم لدعواته بالتحرك ضد الشيعة وقال أنه سيدعو النساء للحرب نيابة عنهم!! وفي آخر رسالة نسبت إلى الزرقاوي يعبر فيها عن أمله في إثارة السنة، حيث يقول: "وإذا ما أفلحنا في جرهم (الشيعة) إلى حرب طائفية فإن هذا سيوقظ السنة النائمين الذين يخشون من الدمار والموت على أيدي هؤلاء الصابئة".
فالزرقاويون القاعديون يأتون بالإنتحاريين من الخارج. والبعثيون يجهزونهم بالمال والمأوى والمتفجرات ونقلهم إلى الأهداف لتفجير أنفسهم وقتل الأبرياء. وهذه حرب طائفية غير معلنة من جانب واحد موجهة ضد الشيعة بالذات يشنها البعثيون والقاعدون ويصدرون بياناتهم باسم الزرقاوي. وبالتأكيد فليس أبناء الطائفة السنية العراقية هم المسؤولون عن هذه الأعمال الوحشية ضد الشيعة، وإنما يرتكبها السلفيون الوافدون والبعثيون باسم السنة في العراق لإشعال نار الفتنة والسنة منهم براء.
ولحد الآن تغلب صوت العقل عند رجال الدين وخطباء المساجد من السنة والشيعة في التأكيد على أبناء طوائفهم بضبط النفس والالتزام بالحكمة والعمل على إطفاء نار الفتنة التي يريد إشعالها ضدهم أعداء العراق. لذلك، فإني أضيف صوتي إلى الأصوات الخيرة التي حذرت الحكومة العراقية والقوات الأجنبية بخطورة الموقف المتأزم وأحذر من مغبة أي تساهل إزاء الإرهاب، فالعاقبة ستكون وخيمة جداً وسيكون هناك الهولوكوست العراقي على أيدي البعثيين وحلفائهم السلفيين من أنصار القاعدة وقد أعذر من أنذر.

مقترحات (ما العمل؟):
1- يجب على الحكومة العراقية استلام المسؤولية الكاملة عن الإرهابيين وجماعات الجريمة المنظمة من المعتقلين منهم لمحاسبتهم، ومشاركة قوات التحالف في حراسة المعتقلات، كإجراء احترازي ضد تسلل بعض البعثيين في القائمين بحراسة السجون والمعتقلات واحتمال قيامهم بتسهيل إطلاق سراحهم منها كما حصل عدة مرات. وقد أفادت الأنباء اليوم (22/1/2005) أن الجيش الأميركي يعتقل 7500 من المسلحين والمتعاونين معهم بينهم 334 أجنبيا. يجب تسليم هؤلاء إلى الحكومة العراقية لمحاكمتهم واستخدامهم كرهائن في ردع الإرهاب.
2-على المسؤولين العراقيين، مواجهة المجرمين بمنتهى الحزم والتعجيل في محاكمة المعتقلين منهم واستخدام كل الوسائل المشروعة الممكنة وفق الظروف الشاذة التي تمر بها البلاد، للحصول على المعلومات منهم عن مخططات الإرهابيين وتنظيماتهم ومصادر تمويلهم وتجنيدهم والجهات التي تدعمهم وفضحهم جميعاً وإصدار الحكم بأشد العقوبات ضدهم.
3- كلما قام الإرهابيون بعملية إرهابية ضد أبناء شعبنا، يجب على الحكومة الرد عليهم بالمثل وذلك بإعدام عدد من السجناء الإرهابيين الذين صدر بحقهم حكم الإعدام وفي نفس اليوم وعدد مساو لعدد الضحايا في تلك العملية الإرهابية، وإعلان أسمائهم وجنسياتهم والتشهير بهم وبمن يقف وراءهم.

لقد اقترحنا هذه الإجراءات مراراً وتكراراً ولكنها وقعت على أذن صماء، ونعيدها الآن عسى أن تنفع الذكرى وقبل فوات الأوان.. فالعراق يعيش الآن حالة كارثة لم يعشها في أي وقت من تاريخه المدون. وأي إهمال أو تساهل مع الإرهابيين سيجعل من العراق بلداً غير قابل للسكن ومرتعاً لتفريخ الإرهاب وتصديره إلى العالم وعندها ستتحقق نبوءة صدام حسين إن (الذي يحكم العراق من بعده سيستلمه خرائب بلا بشر).