قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

نظرت صباح اليوم إلى وجهي في المرآة، فهالني ما أنا عليه من هزال!. صحيح أن وزني لم يتجاوز 155 باون طيلة مدة إقامتي في الولايات المتحدة، لكنني قد حافظت على ذلك الوزن منذ عشرة أعوام. ولو أنني إمتلكت هنا ميزاناً لوزنت نفسي كل يوم. إنني متأكد أن وزني قد إنخفض، عشرة باونات على الأقل. ومنذ مجيئي إلى المجمع السكني للخبراء، الكائن في داخل معسكر المارينز، وأنا أرتاد المطعم الوحيد المخصص لإطعامنا في هذا المكان المحصور. ويسمى المطعم باللغة العسكرية للمارينز: "جاو روم"، ويقع على مقربة من مكتبي. يفتح الجاو هذا ثلاث مرات في اليوم، أما أنا فأرتاده مرة أو مرتين في أحسن الأحوال. كنت أتمنى أن تطول مدة عملي خارج المجمع لكي أتحاشى وجبة من وجباته!. كانت وجباته تصد نفسي كل مرة، وأنا أشاهد نفس الأصناف الباهتة من الطعام، الذي تميز بإنعدام اللون والطعم والرائحة، ناهيك عن النكهة، التي تعد صفة دخيلة على قاموس الجاو!

يبدأ النهار في ذلك "المطعم" الكئيب، بوجبة الفطور، التي تتضمن كتلة صفراء مزرقة يسمونها "البيض المطروق"، تذوقته مرة، وتبت عن تذوقه، حفاظاً على صحتي، وسلامة ذوقي من الهلاك. وهناك البيض المسلوق، الذي إذا أكلته، "وقفت" اللقمة ببلعومي، فلا تنزل إلا بعد شرب نصف لتر من الحليب، عندها أكون قد شبعت، وسددت نفسي لمدة تتجاوز موعد تقديم الوجبة الثانية، أي الغداء. أما البطاطس المسلوقة، فلا أدري لماذا يحضرونها بهذه الطريقة المقرفة. ثم هناك الطبق التقليدي اليومي المحتوي على شوربة الحنطة، التي تقدم عادة لمرضى الأمعاء. كنت "أتجرعها" بعد خلطها بكمية وفيرة من "السيروب" للتحلية. أما وجبة الغداء ، التي كثيراً ما تخلفت عن تناولها، بسبب إنشغالي في المشروع، ويا لحسن الصدف. في تلك الوجبة تقدم الكرات الصلدة المؤلفة من لحم البقر، المعتق قبل الطبخ لشهور، وبعد الطبخ لأيام!. أما وجبة العشاء فهي، ببساطة، ما تبقى من وجبة الغداء، لا أكثر ولا أقل. وأحياناً تحلى أفواهنا بأشياء، يطلقون عليها في مفرداتهم: "كيك أو كوكي". فإذا كان مثلاً "كيك الجبن"، وهو من ألذ أنواع الكيك في الولايات المتحدة، يلزم آكله أن يشرب نصف لتر من الحليب المطعم، بالموز أو الكاكاو كي يسهل بلعه! أما الكوكي المتيبس، فهو، على الأغلب، من بقايا أرزاق حرب الخليج الأولى!

يحضر الطعام في مكان آمن في العراق من قبل طباخين هنود، وينقل إلى المجمع لتحميته وتقديمه إلينا. ولطالما كنت أحقد بسبب الطعام على مسؤول "الجاو" مرتين: الأولى عندما يقع بصري على الطعام، والثانية عندما أنتهي من تناول الوجبة. فلا طعماً ولا شكلاً يوحيان بإثارة الشهية، ولا يمكن لأحد أن يبتلع تلك "المادة" المعبوث بها في القدور الهندية، بشكل غريب، دون أن يصيبه، سوء الهضم حتى موعد تناول الوجبة القادمة، على الأقل!. كنت أسأل زملائي على الدوام: "هل تجدون في هذا الطعام أي طعم؟"، فيأتيني جوابهم على الفور: "كلا! إنه طعام لملء المعدة، ليس إلا". إزاء هذه الحالة الغذائية المزرية، التي عشتها منذ وصلت الفلوجة بعد سقوط النظام، أصبح من الضروري ان أفعل شيئاً "لاتقليدياً"، لكي أنقذ جسدي من الضمور، وأخفف من عملية تجفيف معدتي وأمعائي، وأخلص ذوقي من خطر الإفساد. وعثرت أخيراً على ذلك الحل الثوري!. ففي أثناء مسحنا لضواحي الفلوجة لغرض تنفيذ المشروع، وبعد أن تعرضنا لوابل من الألغام وقنابل الهاون، التي أطلقها علينا المجاهدون، شاءت الصدف أن يقع نظري، على راع عراقي، يهش على بضعة من أغنامه بعصاه. سلمت عليه، وسألته عن ثمن خروف "هرفي" رأيته ضمن القطيع. أجابني بكل إحترام قائلاً: "سبعون ألف"، وكان يعني بالدينار العراقي، فقلت: "وبالدولار؟" فأجابني بعد دقائق من إجراء العمليات الحسابية، التي كان يتقنها أفضل مني: "خمسون دولاراً". أعطيته سبعين دولاراً، لغرض إرضائه ومساعدته، ووضعت الخروف الفتي، في عربة الهامفي المصفحة، التي كنا نحتمي بها من غدر المجاهدين. ضحك مني زملائي، الذين لم يفهموا قصدي من شراء هذا الحيوان، ونحن في وضع عسكري. "لماذا تدعي إذن إنك لا تحبذ تربية الحيوانات الأليفة كالكلاب والقطط؟"، كان هذا سؤال المارينز ميللر، الذي ظن خطأ، أنني إشتريت الخروف لأربيه، كما يفعل الناس في أمريكا، حيث يربون في منازلهم كل أنواع الحيوانات.

إن الذي يجعلني، وبعض زملائي العراقيين، نعجب بالمواطنين الأمريكان، هو كونهم "بسطاء" ومباشرين. ولايؤمنون بنظريات المؤامرة، مثلما نفعل نحن! فهم يصدقون كل ما نخبرهم به، وإن كان مستحيلاً!. وفي بعض الأحيان، ولغرض المزاح "يلعب" بهم أحد الخبراء العراقيين، مثل المهندس جورج، أو المقاول كاكه خورشيد، أو المترجمة سميرة، أو غيرهم، ويخبرونهم بأشياء لا يصدقها العقل، فيصدقونهم، غير مدركين أنهم قد "لعبوا" من قبل زملائهم العراقيين. ولايفقهون الحقيقة إلا بعد أن نبدأ بالضحك!. وهكذا فالخروف الذي إبتعته من الراعي الفلوجي، هو من المقتنيات التي سوف أصطحبها معي إلى شيكاغو، لغرض "التربية" المنزلية. تماماً كما يربون هم، الكلاب والقطط، والأفاعي والسلاحف، والقردة وغيرها في بلادهم!. وفي العصر، سألت زميلي كاكه خورشيد، إن كان يستطيع ذبح الخروف، لنحضر منه وجبة مشويات فاخرة لعشاء الفريق. وهكذا، كانت مظاهرة حقيقية في أثناء الذبح، وفيما بعد ذلك، أثناء عملية شواء اللحم الطازج على نار الحطب، الذي جمعناه من هنا وهناك، حيث تكثر في هذه الأنحاء، الأغصان المتيبسة المقطوعة، من الأشجار بسبب الإهمال، والحصار الطويل، ثم الحرب. في البداية، إعتذر مني بعض المارينز والمتعاقدين الأجانب، لأنهم سوف لن يشاركونا في وجبة مشويات الخروف، ويفضلون تناول عشائهم في "الجاو". "إنني لم أجرب أكل لحم الخروف طيلة حياتي، وأخشى من أن أصاب بالمغص بعد تناوله!"، قالها المارينز شيفر. وتبعه المقاول سميث فإعتذر هو الآخر. أما المارينز ويفر، فقد إختفى من المشهد كلياً، لأنه خجول، ولم يجد في نفسه، الشجاعة الكافية، لكي يعتذر مني، والعراقيين الآخرين، عن أكل هذا النوع من الطعام "الغريب". ولم نحاول نحن العراقيين، أن نثنيهم عن عزمهم، وكنا نضحك في داخلنا. كنا واثقين من النتيجة!. إستكملت عملية "الشوي" أي الباربكيو، كما يسمونها في الولايات المتحدة، وحضرت سميرة "الزلاطة" على الطريقة العراقية، وقدمنا المشويات، مع أرغفة الخبز العراقي اللذيذ. ومن الجدير بالذكر، أن العديد من الخبراء الأجانب وأفراد المارينز، كانوا يأتون إلى مكان الباربكيو، منجذبين بحاسة شم الشواء. وبعد أن يقتربوا ويروا منظر المشويات ، يقولون عبارة إطراء مؤدبة، فنستوقفهم للطعام!. ولم يرفض دعوتنا أحد منهم!. وفي الأخير أصبح عدد الحضور، يزيد علىالعشرين شخصاً!. ولم يقلقنا ذلك، لأن الطعام كان وفيراً ويكفي الجميع. كان البعض منهم، لا يعرف كيف يأكل هذه الوجبة. أخذت بيدي اليمنى قطعة خبز ووضعت فيها، شيئاً من اللحم المشوي، مع قليل من "الزلاطة"، وناولتها إلى أحد المارينز.

بدأت مجموعة الخبراء، وفريق المارينز المكلف بحمايتنا، بتناول الطعام العراقي، وكان الإستحسان بادياً على محياهم جميعاً. ألفيت نظري صوب المارينز، وهم يأكلون ما قدمنا إليهم بسعادة بادية، والإمتنان يشع من وجوههم. لا يتعدى عمر معظمهم الخامسة والعشرين، بدوا لي طيبين مؤدبين. لم أستطع أن أكوّن من أي منهم، صورة لمحتل ظالم، أو غاز متعنت، جاء إلى العراق لمجرد الإحتلال والتنكيل والقتل! الحق أنني لم أر في حياتي، فريقاً متحمساً لإعمار العراق، مثل فريق المارينز هذا!. لقد بارح هؤلاء الشبان بلادهم، تاركين فيها وراءهم، أحبتهم وعوائلهم، من أجل المشاركة في بناء البنية التحتية، لبلد خربته الحروب العبثية، والدكتاتورية البغيضة على مر العقود. ولم ألمح يوماً في تعابير وجوههم، سمة تجهم أو إكتئاب. هذا بالرغم من مواجهتهم اليومية، وفي كل ساعة، هاونات السلفيين، وألغام جيش محمد. في الختام شكرنا الجميع، على الطعام المشوي بالطريقة العراقية اللذيذة. سألت أحدهم: "هل الطعام العراقي الطازج أفضل من الجاو؟". أجاب قائلاً: "هذا طعام حقيقي أيها الصديق والجاو طعام محنط!". وإستمر الفريق في كيل المديح، والإطراء للمطبخ العراقي، ولمجموعة العراقيين أصحاب الدعوة. وكان منهم من أخبرني في اليوم التالي، أنه جاع بعد تناوله وجبة الخروف المشوي، بساعتين. بينما تغلق عادة شهيته، بعد تناول وجبة الجاو لساعات طويلة، مما يعني أن الأكل العراقي سهل الهضم وبالتالي فهو صحي. وكما هو طبع الأمريكان، وقف أحد المدعويين، وكان من المارينز، شكرنا كثيراً على الطعام، وعلى المبادرة الجيدة لدعوتهم، وسألني عن كلفة الوليمة، لكي يتشارك الجميع في تحملها!. لكننا كعراقيين، أبينا إلا أن تكون "العزيمة على حسابنا"!. لقد إشتهر المهندس جورج، بملاحظاته الذكية اللاذعة، فما كان منه في تلك الأمسية الطريفة، إلا المشاركة في تعليق سياسي ساخر، حيث قال: "غداً تذيع الفضائيات العربية خبر إستيلاء المارينزعلى قطيع من غنم الفلوجة!". ضحك جميع الحاضرين بشدة، لأنهم كانوا على دراية بالروايات الملفقة، التي تذيعها على الدوام، تلك الفضائيات، نكاية بالشعب العراقي، وتحريضاً ضد أمنه وإستقلاله، وتشويشاً على مسيرته الديمقراطية. أما أنا فلم أشاركهم الضحك!. لأن قلبي كان يعصره الألم، لحالة العراق اليوم. وتملكني شعور مفاجئ بالإحباط، واليأس والقنوط. كرهت من أعماق نفسي، جميع الأنظمة العربية والإسلامية، التي كانت تسند جلاد العراقيين. إحتقرت جميع الشعوب التي صفقت لباني المقابر الجماعية. جميع الدول، والأحزاب، والأفراد، والمنظمات، والبرلمانات التي قبضت من مسروقات نفط الشعب العراقي المحاصر!.

كاتب ومحلل سياسي مقيم في شيكاغو الفلوجة حاليا.