قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

رغم استمرار التهديدات بعرقلة العملية الانتخابية في العراق من قبل اطراف سياسية واخرى دينية، ورغم رهان القوى المعارضة للانتخابات على تردي الاوضاع الامنية، لكن يبدو غالبية الشعب مع خيار المشاركة الفاعلة مهما كان حجم التداعيات ودرجة خطورتها، فالانتخابات باتت خيارا مفضلا لمواجهة عدة تحديات في مقدمتها الاحتلال والمقاومة. وبالتالي فان الانتخابات وصلت نقطة اللاعودة بعد فشل جميع محاولات التأجيل، ودخولها مرحلة جديدة تجلت في اقبال المرشحين على الشعب لكسب اكبر عدد من الاصوات، وليس ثمة استثناء، بما في ذلك الاطراف السنية التي راحت تستنجد بعراقي الخارج لضمان اكبر نسبة ممكنة من مقاعد البرلمان، وتدعو علنا لخوض الانتخابات.
ومع وعي الشعب باهمية الانتخابات ودورها التاريخي في تحديد مستقبل البلاد لكن الناخب العراقي ما زال يعاني في اختيار المرشح الافضل، ولا يستطيع تمييز ايا من البرامج يتماهى مع تطلعاته واهدافه، لانه واقع تحت تأثير اجواء اعلامية محمومة، مارست فيها بعض الاطراف السياسية اساليب منافيه لقوانين الدعاية الانتخابية، وراحت تشتري اصوات الناخبين في مقابل مبالغ سخية، كما راحت اطراف اخرى تمارس ارهابا عقيديا (ان صح التعبير) من خلال توظيف الرموز الدينية والفتاوى الشرعية، واطراف ثالثة اخذت تعزف على وتر طائفي واخر قومي او قبلي . وكلها اساليب تؤثر بشكل كامل في توجيه عقلية الناخب وتضعه على مسار تتقدم فيه الولاءات المذهبية والعنصرية على الاهداف الوطنية والانسانية الكبرى.
ليس المشكلة في اعتلاء اللوائح الانتخابية صور رجال الدين والعلماء، وانما المشكلة ان يتحول الرمز الديني الى سلطة فوقية توجه وعي الناخب لصالح قائمة على حساب القوائم الانتخابية الاخرى. فانه اسلوب خطر يهدد مستقبل العراق وشعبه، اسلوب ينطوي على قدر كبير من الخداع والتضليل، ويشل ارادة الناخب ليعيد ترتيب اولوياته بشكل تتماهي فيه مع اتجاه القائمة المفترضة. بل ان القضايا الكبرى التي تهم المواطن كالاستقلال والحرية والديمقراطية ورفض الاستبداد الديني والسياسي باتت مهددة بعد ان كانت ممكنة لو ترك الناخب ونفسه في ترتيب اولوياته، ونجح في اختيار البرنامج الانتخابي الذي يحقق له اهدافه وطموحاته. بل حتى لو كانت القائمة المنتخبة تتماهي مع الاهداف الاساسية للناخب العراقي فايضا هي لا تمثل ارادته بشكل كامل، لانها لم تكن ارادة انتخابية حرة وليس لها مصداقية كافية على مستوى التنافس الحر الديمقراطي، وانما جاءت تحت تأثير خطاب ايديولوجي.
العراق اليوم يمر بمرحلة تاريخية، يريد الشعب ان يبرهن خلالها للعالم اجمع صحة رهاناته، ويبدد التهم والشكوك المحيطة به، وكل ممارسة لاقانونية تراكم جملة شكوك جديدة تزيد في محنته واتهامه. كما ان الفتاوى الشرعية في دعم هذه القائمة او تلك تتحول في ظل التنافس الانتخابي الى ارهاب ديني يطيح بارادة الشعب ويشل فاعليته، ويتحول التنافس السلمي في العملية الانتخابية الى احكام شرعية تكفر هذا الطرف وتلغي ذاك. والحقيقة لم تصدر فتوى شرعية من اي من المراجع في وجوب انتخاب قائمة معينة، وليس هناك تصريح مباشر في دعم أي من المرشحين، غير ان برامج الدعاية الانتخابية وظفت الرموز الدينية واشاعت فتاوى واحكاما شرعية من اجل كسب الانتخابات والاطاحه بالاطراف المنافسه، بل راحت بعض الاطراف تمارس العنف والتهديد لتحجيم فاعلية القوى السياسية المنافسة. وليست هناك قائمة انتخابية متهمة مطلقا، وانما هناك جهات منضوية تحت هذه القائمة او تلك، تأسست ونمت في اطار العنف، لذا هي لا تفهم غير العنف اداة في العمل السياسي، فمن الطبيع ان تلجأ لمثل هذه الاعمال، وبالتالي فان ممارساتها الارهابية تنعكس للاسف على جميع القائمة بما فيها اطراف عرفت باصالتها وتاريخها واخلاصها وحنكتها السياسي. وللاسف ايضا ان التنافس الانتخابي لا يفرق بين مفردات القائمة الواحدة وانما يعمم حكمه على الجميع باعتبارها فرصه لتحجم تاثير الند السياسي، فتخسر الجهات الاصيلة سمعتها وحيثيتها حتى مع فوزها بالانتخابات.
ولما لم يصدر عن مكاتب المرجعيات مايردع تلك الادعاءات، ولم يصدر عن الدوائر الحكومية أي روادع قانونية، لذا تنتقل المهمه الى الخطاب الاعلامي المسوؤل كي يمارس دوره في توعية الشعب ويوفر له فرصة لتحديد اولوياته وانتخاب البرنامج الذي يلبي طموحاته.
وايضا ليس خطأ المطالبة بالحقوق القومية بل والدينية ايضا، لكن الخطر ان تصادر الاهداف الوطنية لصالح اهادف مذهبية او عنصرية، وتعلو على ارادة الوطن ارادات ثانوية يمكن لها ان تتحقق في ظل اجواء ديمقراطية حرة، وقد لعب هذا النمط من التوجهات دورا سلبيا في توجيه حركة الانتخابات باتجاه الاهدف الطائفية والقومية وبات الفرد لا يهتم بمصالحه الوطنية قدر اهتمامه بمصالحه المذهبية والعنصرية.
من هنا باتت مسؤولية الاعلام توعية الناخب باتجاه تحديد اولوياته، رأفة به وحرصا على مستقبله، فقد يتفاجئ الشعب بعد الانتخابات على تشكيلة برلمانية تفرط بسيادته، ولا تفي بشيء من وعودها تجاه الشعب والوطن. او تشرع له انظمة وقوانين تصادر حرايته وارادته، فيعود تحت نير الاستبداد لكن بشكل مشرعن وقانوني، وحينئذٍ لايمكنه الاعتراض او التمرد، لانها جاءت لتمثل ارداته.