قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

-1-

الانتخابات بين الشرعية والتبعية

ليس للإعلام العربي هذه الأيام من شغل شاغل غير الكلام عن شرعية أو عدم شرعية الانتخابات العراقية القادمة في نهاية يناير 2005 كجزء من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546 . والسبب في ذلك أن مستقبل الديمقراطية في العالم العربي مرتبط الى حد كبير بما سينتج عن هذه الانتخابات. كما أن مستقبل العراق الديمقراطي يتوقف على هذه الانتخابات التي سينتج عنها اختيار 275 عضوا في جمعية وطنية انتقالية، وهي المجلس التشريعي الذي ستناط به مهمة اختيار مجلس رئاسي يتألف من رئيس جديد ونائبي رئيس، وصياغة دستور جديد للبلاد. وسيختار المجلس المذكور رئيس الوزراء الذي سيشكل وزارة تحظى بموافقة غالبية اعضاء الجمعية الوطنية . فالإعلام العربي يكتب المقالات ويستضيف المحللين السياسيين ويذيع المقابلات، وكلها تدور حول سؤال واحد وهو: هل الانتخابات العراقية القادمة شرعية أو تبعية؟

وفي الواقع فإن مجمل الإعلام العربي توصل إلى نتيجة أن الانتخابات القادمة ستكون غير شرعية رغم تسجيل أكثر من 14 مليون ناخب عراقي أنفسهم حتى الآن ، ورغم أن هناك 19 ألف مرشح لمقاعد الجمعية الوطنية. و 10 آلاف مراقب من كافة أنحاء العالم. كما سيكون بامكان المغتربين العراقيين في 14 بلداً التصويت، في حين حُرم أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني في الشتات والمخيمات خارج فلسطين من التصويت، ورغم ذلك اعتُبرت الانتخابات الفلسطينية شرعية بشهادة الأمم المتحدة. وبنى الإعلام العربي العتيد كون الانتخابات العراقية غير شرعية على الأسباب التالية:
1- أن الانتخابات تجرى تحت حراب الاحتلال أو تحت سيوف الاحتلال. والإعلام العربي يستعمل بوجه خاص هذه العبارات السياسية الرومانسية بالذات لتهييج العواطف وليس لترسية العقول.
2- أن الانتخابات تجرى في وسط شعبي غير آمن. فالشارع العراقي شارع فلتان، ولا ضمان لتوفر الأمن أثناء الانتخابات.
3- أن الانتخابات سوف تجري دون مشاركة السنة فيها والتي اعلنت أكثر من مرة عن عدم مشاركتها في هذه الانتخابات.
4- أن رئيس الحكومة المؤقتة أياد علاوي أعلن بان محافظتين أو أكثر، ربما لن تجري فيها الانتخابات لصعوبة الوضع الأمني.
5- أن الشيعة والأكراد هم وحدهم الذي سيُمثلون في المجلس التشريعي القادم المؤلف من 275 نائباً.
6- أن العراق كله دائرة انتخابية واحدة كما هو الحال في اسرائيل، وبذا فإن هذه الانتخابات انتخابات على الموضة اليهودية والطراز الصهيوني المرفوض.

-2-

ما معنى شرعية الانتخابات؟

وبذا، فسوف تكون هذه الانتخابات انتخابات تبعية امريكية – بريطانية، ولن تكون انتخابات شرعية عراقية شفافة.
فهل هذا صحيح؟
وما معنى شرعية الانتخابات هنا؟
معنى شرعية الانتخابات، أن لا يحول بين أي مواطن وبين صندوق الاقتراع أي حائل من قبل الجهة المشرفة على سير الانتخابات، سواء بالسجن أو بالقمع أو بالإكراه أو بالتزوير أو بالمال. وتصبح الانتخابات غير شرعية، عندما يحول بين فئة من الناخبين وبين صناديق الاقتراع، ويمنعوا من ممارسة حقهم في الانتخاب. أما إذا امتنعت فئة سياسية أو حزبية أو إثنية أو دينية بكامل حريتها عن الاشتراك في الانتخابات لأسباب تخصها، فهذا شأنها، وهي حرة في قرارها، ولكن هذا لا يعني هنا أن الانتخابات غير شرعية. وإلا سوف تمتنع أي فئة أو حزب عن الاشتراك في أي انتخابات، لكي تتهم هذه الانتخابات بأنها غير شرعية.

-3-

أربعة أسباب لشرعية الانتخابات
دعونا نرد على كل النقاط السابقة لنثبت بالوقائع وبالمقارنة بأن الانتخابات العراقية ستكون انتخابات شرعية أكثر من شرعيتها في أي بلد عربي آخر، رغم كل ما يقال عنها، ورغم كل التحفظات عليها، وذلك من خلال الردود التالية:
1- نعم، إن الانتخابات العراقية ستجري وهناك قوات أجنبية موجودة على أرض العراق ، فماذا يهم؟ فقد جرت الانتخابات الفلسطينية بالأمس تحت حراب الاحتلال. وكانت أكثر شفافية وصدقية من الانتخابات التي جرت في بعض البلدان العربية المحتلة من قبل جيش عربي منذ أكثر من ربع قرن. ولم يكن للمحتل الأجنبي قوائم انتخابية يفرضها فرضاً على البلد المحتل. في حين أن المحتل العربي كان يفرض وما زال يفرض قوائم انتخابية معينة لكي يصل إلى مجلس النواب مطبلوه ومزمروه وأعوانه. وقبل فلسطين جرت انتخابات "تحت حراب الاحتلال" في اليابان والمانيا وكوريا الجنوبية وجنوب افريقيا وأفغانستان وغيرها وكانت انتخابات شفافة ونزيهة أكثر شفافية وأكثر نزاهة من أي انتخابات عربية جرت على أنغام دفوف الاستقلال وليس تحت سيوف الاحتلال. فالاحتلال ما لم يكن
"قومياً عربياً وأخوياً"، وما لم يكن إرهابياً أصولياً من قبل الأصولية الإرهابية القومية والدينية كما هو الحال في العراق الآن، فلا أثر له على سير الانتخابات التشريعية أو الرئاسية.
2- الأمن في العراق موجود وقائم. ومناطق الشيعة والأكراد وجزء كبير من مناطق السُنَّة آمنة. والعراقيون السُنّيون ما عدا فقهاء سفك الدماء وفلول البعثيين وبقايا سدنة معابد صدام المنهارة متحمسون للانتخابات رغم التهديد والوعيد بالقتل والسحل الذي يلقونه من عناصر الاحتلال الأصولي الإرهابي.
3- وفيما لو لم تشارك السُنَّة في هذه الانتخابات فما يضير الانتخابات العراقية؟ إن السُنَّة العرب يشكلون 20 بالمائة فقط من سكان العراق، مع العلم أن هذه النسبة لن تقاطع كلها الانتخابات. ويكفي أن يصوّت من هؤلاء نسبة 30 بالمائة فقط. ومن سيقاطع الانتخابات هم فئة الإرهابيين المسلحين القوميين والدينيين وفقهاء سفك الدماء فقط، وهؤلاء في ظننا لا يتجاوزا نسبة خمسة بالمائة من الشعب العراقي. فماذا يهُم؟ فليشربوا دجلة ومن بعده الفرات. فقد سبق وامتنعت أحزاب قومية ودينية في العالم العربي عن المشاركة في الانتخابات سابقاً ولاحقاً، وكان آخرها الجماعات الأصولية المسلحة في فلسطين (حماس والجهاد والإسلامي) والتي يقال إنها تشكل 30 بالمائة من الشعب الفلسطيني. كذلك لم يقترع في الانتخابات الفلسطينيون خارج فلسطين (فلسطينيو الشتات والمخيمات) والذين هم ضعف عدد الفلسطينيين في الداخل، ورغم كل هذا اعتُبرت الانتخابات الفلسطينية الرئاسية الأخيرة شرعية باعتراف الأمم المتحدة وكل دول العالم، رغم اعتراض "حماس" عليها، واعتبارها غير شرعية، واعتبار محمود عباس غير مفوّض من الشعب الفلسطيني.
4- إن الشيعة والأكراد وبقية الطوائف الأخرى لن يكونوا هم وحدهم نواب الشعب العراقي. فسيكون السُنَّة معهم، ولكن ليست سُنَّة بقايا سدنة معابد صدام وسُنَّة فقهاء سفك الدماء وسُنَّة الأصولية الإرهابية من قومية ودينية. فالدول العربية وبعض الحكام العرب حريصون على تمثيل السُنَّة في المجلس الوطني العراقي العتيد القادم، وسوف لن يكون السُنَّة الشرفاء بمثل هذا الغباء والجهل وقصر البصر وسوء التقدير، ويفوتوا على أنفسهم فرصة الاشتراك والتمثيل في أول مجلس وطني حر ديمقراطي وشفاف في تاريخ العراق، بل في تاريخ العرب كله منذ 1400 عام حتى الآن.

-4-
من هو الخبّاز أولاً؟

إن مشكلة العرب الكبرى الآن هي أنهم يهتمون بالصانع قبل الصناعة، وبالخبّاز قبل الخبز، وبالمؤلف قبل الكتابة. فمثلاً ، الديمقراطية مرفوضة لا طعناً فيها ولكن لأنها آتية من الغرب. والانتخابات محرّمة كما أفتى الشيخ السعودي فوزان الفوزان لأنها تقليد غربي وقال: " الانتخابات المعروفة اليوم ليست من نظام الإسلام، وتدخلها الفوضى والرغبات الشخصية وتدخلها المحاباة والأطماع ويحصل فيها فتن وسفك دماء ولا يتم بها المقصود، بل تصبح مجالا للمزايدات والبيع والشراء والدعايات الكاذبة" كما حرّم المشاركة في الانتخابات الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس والديار الفلسطينية في خطبة الجمعة بالمسجد الأقصى (7/1/2005) وقبل الانتخابات الرئاسية الفلسطينية بيومين. والعلمانية مرفوضة لا طعناً فيها ولكن لأنها آتية من الغرب. وتحرير أفغانستان والقضاء على طالبان والعربان الأفغان من الورعان مرفوض ومستنكر، لا كُرهاً في التحرير ولكن كُرها بأمريكا المحرِرَة. وتحرير العراق مرفوض ومستنكر و"مقاوَم" لا حباً بفرعون العراق ولكن كُرها بأمريكا. ولو قام بعثيو سوريا بانقلاب ضد بعثيي العراق وفرعونه لكان هذا برداً وسلاماً على قلوب العرب. واليوم يعيب الإعلام العربي على العراق أنه أخذ بالطريقة الإسرائيلية في الانتخابات واعتبر العراق دائرة انتخابية واحدة. فلمَ لا، وما هو العيب في ذلك؟ ثم أن نظام الا نتخابات هذا وهو نظام "التمثيل النسبي في دائرة واحدة" هو ما قررته الأمم المتحدة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات في أيار/مايو، 2004. وحتى لو لم يكن ذلك، فما العيب في أن نأخذ من اسرائيل ما هو مفيد لنا؟ ف الدولة العبرية لديها الشيء الكثير المفيد لنا، فلماذا لا نأخذ به؟ فاطلبوا العلم ولو في اسرائيل، وليس في الصين فقط! ولكن يبدو أننا أمة اصبح لديها مناعة صحية شديدة ضد الحداثة وضد التقدم وضد الجديد. والدليل أن اسرائيل على مرمى عصا منا وفي وسطنا، ورغم ذلك لم نقلدها في ديمقراطيتها، ولم نقلدها في تقدمها العلمي، ولم نقلدها في رفعة مستوى جامعاتها التي تضاهي الجامعات الأمريكية العريقة، ولم نقلدها في تقدمها الزراعي، ولم نقلدها في تقدمها الصناعي، ولم نقلدها في تقدمها الاجتماعي واقامة المجمعات التكافلية (الكيبوتز) ، ولم نقلدها في حرية المرأة والحرص على تعليمها، ولم نقلدها في قوتها العسكرية، ولم نقلدها في شفافية ونظافة واخلاص حكامها لدولتهم وشعبهم. ولكنا نظرنا إلى سلبياتها فقط، وأغفلنا ايجابياتها. وهذا هو حالنا مع باقي الأمم التي رفضنا التماهي معها والأخذ منها. والسبب في ذلك أن ضعفنا وخوفنا بلغ حداً أصبح معه أخذ القوة عن القوي زيادة في ضعفنا وخوفنا!

(تنشر بالتزامن مع "السياسة" الكويتية ، و "المدى" العراقية، و "الأحداث المغربية")

[email protected]