جاءوا بالصوت وليس بكاتم الصوت والسوط والرصاص والسجن والتهديد ليحاسبوا البرابرة وتاريخهم العفن

هي ليست بدعاية انتخابية لأن الانتخابات انتهت اليوم وكي لا تعاقبنا المفوضية مثلما ادعت زوراً وبهتاناً ضد اتحاد الشعب ولم تتدع ضد من استغل الاسماء والمناصب الحكومية ووو... الخ ، وليس من باب المنابزة ووضع الاطراف في كفة للمحاسبة او للانتقاد واتحاد الشعب في كفة أخرى، ولكن من أجل عمرٍ طويل وتجربة غير قليلة وضعت ثقلي زاصبعي وثقتي في المكان المناسب الذي يجب ان يختاره كل الذين يحبون ان تكون للنساء العراقيات مكانة بارزة في سماء العراق ويحترمون حقوقهن المشروعة ويصرخون بصوت واحد انتهى عهد الجواري ولن يعود بعد تلك الحقب السوداء وجميع الذين يرون في الطفولة مستقبل زاهر وسعيد، مستقبل من أجل الامومة والطفولة وتخليصهما من كل ما يشوه حقيقتهما واكثرية من يرون ان الكادحين من جميع الفئات ، شغيلة الفكر واليد هم الذين كانوا البناة الحقيقيين ليس للعراق فحسب وانما العالم كله وهم الذين سيشيدون العراق وعلى اكتافهم سيكون وزره الشديد، وهم الذين سيحمونه ويحمون تجربته الديمقراطية ويقيمون دولة القانون، الدولة الديمقراطية التعددية الفدرالية التي تحترم البشر وتقر بحقهم الطبيعي في الانتماء والاختيار وان يكون دستور البلاد خاضعاً لارادة الشعب وليس مجموعة صغيرة منه.

من اجل ذلك ومن اجل ابوعليوي الفلاح الشيوعي ومئات الشهداء المناضلين ومن اجل الابطال المجهولين الذين كانوا وما زالوا يسجلون مآثرهم البطولية بكل تضحية ونكران ذات لا من أجل مكسب شخصي او وظيفة او مال او جاه الا جاه العزة والشرف والتضحية في سبيل خدمة وطنهم وشعبهم.

من اجل هذا وكل ذاك سافرت ( 24) ساعة للتسجيل و للانتخاب ، سافرت انا وعائلتي الكبيرة نسبياً لكي ننتخب اتحاد الشعب بتاريخها وحاضرها ومستقبلها وبرنامجها الانتخابي ولا نتأخر عنها.. الــ( 12) الاولى كانت للتسجيل غير متعبة ، بشمس مشرقة كشمس تموز العراق وجوّ بهيج تملؤه الفرحة والتفاؤل بالغد السعيد وعندما وصلنا الى المكان كانت علامات الفرح والسرور سيدا الموقف ، فكأن الناس قد خرجوا من قمقم طال امده ( 35 ) عاماً ليسجلوا احتجاجاً مضاداً لكل الذين يريدون بالعراق واهله الشر والجريمة، التدمير والخراب والدكتاتورية، سنوات من العتمة والشك والنميمة والخوف من الحاضر والمستقبل ثم يرى الانسان نفسه حراً طليقاً كطائر يغرد كيف ما يري وبأي نغمة يشتهي ويحط على وكره او على اي غصن من عشرات الغصون المنتشرة في الغابة الجميلة.. سجلنا وكأنا وقعنا على شيء فريد قادم لا يمكن معرفة كنهه لكنه يبشر بالحب والسلام والامان للجميع.

بعد عودتنا انتظرنا اسبوعاً بحاله ونحن نتحرق ليوم الحساب، اسميه الحساب وانا كل ثقة بأن جميع الذين كانوا ينتظرونه يحسبونه عقاباً للماضي التعيس الذي حكم فيه غلاة الطغاة، الذين لا أصل لهم ولا دين ولا قومية ولا ينتمون للبشر عامة، حساب ليوم العقاي كنا نحتفظ به لأنفسنا منذ سنين طويلة، ليس الحساب والعقاب بالسيف ولا الفلقة ولا الرصاص ولا القضبان الحديدية ولا الامن ولا المخابرات ولا الاجهزة الحزبية ولا ولا عيون البصاصين الحقراء.. انما الحساب بالصوت.. تعلمنا ان صوتنا هو السيف البتار الذي سوف يقاصص القتلة ويريهم حجمهم الطبيعي الذي يعرفونه جيداً ولهذا اختاروا الارهاب والقتل والتهديد " كل من يذهب ليدلي بصوته فهو هدفا للقتل والتفجير " هكذا اعلنوها صريحة.. لماذا لا يحتكمون للصوت كي يروا كم هم على ضلالة وكم هم منبوذين؟ كي يعرف ويخسأ من قال " جميع العراقيين بعثين وان لم ينتموا "

كانت الساعة الثانية عشر في منتصف الليل عندما تحركنا نريد الوصول في الساعة المحددة الى المكان، حسبناها.. ست ساعات وساعة في الطريق عند ذلك سنكون في السابعة تماماً امام مركز الانتخاب في يتوبوري / السويد ، عندما تحركنا كانت السماء تنث مطراً خفيفاً قالت عنه زوجتي " بشائر خير هو المطر " كان كمقطعاً شعرياً جميلاً ، هو المطر يسقط من المزاريب كشلالات إذا انهمر، اذن الذي سيحملنا الى مركز الانتخاب هو الماء حياة الموجودات على الارض، بعد ثلاث ساعات تراجعت حبات الماء قليلاً قليلاً لتشكل قطعاً قطنية بيضاء راحت تصطدم بزجاج السيارة التي كانت تنهب الارض للوصول ثم بدأ الثلج ينهمر قال ابني " والثلج.. ماذا ؟ " ردت عليه أختي " البياض علامة عافية وتفاؤل" ومع هذا وعلى الرغم من اشتداد البياض الناصح وتراكمه على زجاج السيارة وعلى الارض والاشجار والتلال والبيوت في المدن التي كنا نمر عليها والريح الباردة فقد وصلنا الى المكان بفضل تصميم الجميع قبل الوقت بساعة وكان ذلك عبارة عن تزكية لمقولتين " بشائر خيرٍ هو المطر .. البياض علامة خير وتفاؤل". انتظرنا بهدوء ودون ضجة كان الناس يتجمعون يهمسون ويضحكون يسلم بعضهم على بعض..لا تميزهم عن بعضهم الا باللغة وباللهجة، كلهم عراقيون منحدرون من بلد الحضارة الاول جاءوا بالصوت وليس بكاتم الصوت والسوط والرصاص والسجن والتعذيب والتهديد والرعب والخوف ليحاسبوا البرابرة وتاريخهم العفن، بالصوت وليس بغيره ممكن تغيير العالم اذا كانت الارادة واحدة والموقف من الظلم والعدالة واحد..

في تمام السابعة كنا اول الداخلين تقريباً ثم وضعنا اصابعنا في الحبر المقدس وبعلامة الصح على قائمة الشعب، اتحاد الشعب.. عندما كانت اصابعي تضع العلامة لا اعرف كيف راودتني ذكرى ابو عليوي وسؤاله قبل 13 سنة، ذلك الانسان المناضل البسيط الذي قضى نحبه وعينيه على العراق، ذلك الانسان الذي سجل على شريط مسجل كلمته لابنه وابنته وعندما سألته " لماذا؟ " قال وهو يشير الى الكاسيت" هذا تاريخ مو مزور اخاف اموت خليهم يعرفون ابوهم كان شيوعي مو غير شي وخاطر يعرفون البعثيين هم السبب في حرمانهم مني " هل كان يتوقع هذا اليوم فاراد ان يصوت له بالقول والمادة لكي يعرف الحقيقة ليس اولاده فقط انما كل من تعز عليه قضية الحرية والديمقراطية والاخاء.
تذكرت في صيف 1982 عندما كنا معاً في عين الخضراء في ريف دمشق وكان خياله يعبر الحدود وشجنه في قمة عاطفته الانسانية فسألني " ابو آزاد رحم على والديك اشوكت نرجع للعراق؟ " تفاجأت بالحقيقة فقلت وانا اشعر بالشجن ايضاً وبدون اية استنتاجات " بعد دورة أو دورتين " ضحك ثم شتم الدورات وغنى " يلي طعم المستحه من اعيونكم ويلي ويلي.. يلي شوكي يذوب بين ارموشكم ويلي ويلي " واردف " لا ادّخلها بالفلسفة والتحليلات مو شبعت منهة كلي نرجع لو منرجع " جمعت حينها نفسي وقلت له بصوت عالي " نرجع حتماً حتى نعطي شريطك لاولادنا وحتى يعرفون احنا طلعنا مو للسياحة اوللونسه بس السبب هم البعثيين بالعراق " في ذلك ضحك وضحكنا ورجعنا لأغنية ويلي ويلي..
عندما عدنا كان الجميع يغني ويصفق على طريقته وهو فرح لم يفكر احد منهم بالفطور الا بعد ساعتين وكنت وعلى ما اعتقد بان الجميع يشعر انهم قد حاسبوا الانذال بالصوت والموقف لينالوا حقهم الذي غبن طويلاً..

كل الحسابات وكل النسب التي وضعت من قبل اخصائيين وعلماء والجرائد والمراكز المختصة والعديد من المواقع اللاكترونية عن حصول القوائم للاصوات لا تعادل ولا تطغي على الحقيقة.. ان سبعين عاماً من النضال البطولي كانت تقول للعراقيين عرباً وكرداً وتركماناً واشوريون، مسلمين ومسيحيين ويهود وصابئة ويزيديون وغيرهم ان صوتكم هو الرصاصة التي ستخمد جثة الطاغوت الى الابد وبصوتك القادم ستمنعهم من التلاعب بحقوقكم وتردع كل اصناف الدكتاتوريات القومية والدينية والعنصرية الفاشية. وهذا هو اليوم الذي كان موعوداً على الرغم من جميع الحقب السوداء المظلمة يطل على الجميع وجثة المومياء الطاغية في مكانها الطبيعي الذي تستحقه وجميع الذين يرون في الارهاب والعنف اسلوباً لتغيير الحقيقة بدلاً من الصوت الحاسم.

[email protected]