لقد كان قدر الكويت منذ أن ظهرت على مسرح السياسة الإقليمية والدولية هو خوض التحديات الشرسة والظروف الصعبة سواءا كانت طبيعية أم سياسية، وولادة الكويت الحديثة لم تكن سهلة وسلسة وميسرة، بل مرت بمخاضات صعبة كانت الأساس والمدماك الفاصل لشحذ العقيدة الوطنية والإرتباط بهذه الأرض التي تجمع فيها الآباء و الأجداد قبل أن يظهر البترول أو حتى يعلم بوجوده أحد، فالكويت القديمة بتراثها العربي الموروث وبتواصل أهلها مع الجزيرة العربية منبع العروبة كانت قد دشنت قاعدة الإنطلاق من خلال الإتجاه شرقا صوب البحر ( الخليج العربي) وتلمس الرزق والعطاء والعمل التجاري وإقامة العلاقات الوثيقة مع دول العالم المتحضر، وبقدر ماكان البحر معطاءا بقدر ماكان قاسيا وبقدر ماكانت العزيمة الكويتية لاتعرف الكلل والملل وهي تصارع الظروف الصعبة وتتابع ولادة الشرق الأوسط من رحم الحرب الكونية وتحاول بناء وتشكيل المجتمع الحداثي، وتشق طريقها الخاص وسط مخاضات الصراعات العنيفة والزلازل السياسية التي أنجبت كيانات بينما إضمحلت أخرى، وإذا كانت سلطنة بني عثمان قد فرضت سطوتها على العراق والشام وأجزاء من الجزيرة العربية،فإن الكويت ظلت على مسافة من تلك الهيمنة وبمنأى عن تأثيراتها المباشرة رغم أن الجندرمة الأتراك لايبعدون كثيرا عن تخوم الكويت الشمالية في ولاية البصرة العثمانية، وإذا كانت ترتيبات مؤتمر ( العقير ) عام 1922 وخطوات توحيد الجزيرة العربية التي قام بها الملك الراحل عبد العزيز آل سعودوإستكملها عام 1932 قد أنتجت وضعا سياسيا جديدا في الخليج العربي، فإن الكويت ظلت في قلب أخطار ومخاطر غير منظورة حاولت أن تلتهم ذلك الكيان الذي قدر له أن يكون بوابة ذات دور تاريخي للعديد من المتغيرات التاريخية الفاصلة في محيطها الإقليمي.

فمن الكويت ماغيرها إنطلق في بداية القرن الماضي الأمير الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مع جماعة من أنصاره ليعيد حكم أجداده على نجد وليقتحم الرياض في عام 1901 وبمعونة مباشرة من حاكم الكويت التاريخي والشهير الشيخ ( مبارك الصباح ) الكبير والذي كان أحد اللاعبين الأساسيين في تشكيل تاريخ المنطقة في مرحلة أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ( 1896 / 1915 )، فكانت وحدة الجزيرة العربية من خلال البوابة الكويتية، وهي نفس المفارقة التاريخية التي تكررت في أوائل القرن الحادي والعشرين ولكن شمالا هذه المرة وحيث كانت دولةالكويت بوابة التغيير الكبير في العراق والعالم العربي عبر مشاركتها اللوجستية الفاعلة في تحرير العراق من حكم القتلة البعثيين البائدين وتأسيس العراق الحر الجديد الديمقراطي المسالم والذي دخل مع الإنتخابات الأخيرة حلبةالديمقراطية وتحدياتها المباشرة، وهكذا كان الدور التاريخي والستراتيجي الكويتي ثريا ومعطاءا رغم تقلبات الزمان وإنقلاب التحالفات، ولكن الكويت لم تتغير بل ظلت تمارس دورها التنويري الرائد في المنطقة، وكانت طلائع الفكر القومي العربي تنطلق من الكويت التي شهدت حراكا سياسيا مكثفا بسبب زيادة وعي الشباب الكويتي وتلهفه لمواكبة روح العصر في ظل العقد المبرم بين الحاكم والمحكوم والذي وفر للشعب الكويتي سقفا عاليا جدا للحرية وبشكل رائد وغير مسبوق في المنطقة الخليجية والعربية، ففي الخمسينيات وقفت الكويت مع أشقاؤها العرب ولم تبخل بالمساعدة رغم شحة الإمكانيات وقتذاك، وبعد تطور ونمو الدخل الوطني أبت النفوس الكويتية الكريمة إلا أن تقتسم الخير مع أمتها و محيطها، فكانت عونا لايستهان به لأشقاؤها الخليجيات في بداية إنطلاقة مسيرة الإستقلال، كما كانت سندا وظهيرا للقضايا العربية ولم تستطع ( الهوجة ) التي قام بها اللواء عبد الكريم قاسم في العراق عام 1961 بدعوته الفوضوية لضم الكويت للعراق بدعاوي تاريخية واهية، إلا أن ترسخ عروبة الكويت وتعزيز إنتمائها القومي، فقاسم كان يبحث عما يشغل العراقيين بعد فشل إنقلاب 14تموز 1958 في الوصول بالعراق لبر الأمان، وكانت أزمة مؤسفة زرعت أحقادا وشكوكا، وسممت مسيرة العلاقات بين الشعبين الشقيقين الجارين وإستثمر عناصرها وإفرازاتها الفاشيون البعثيون فيما بعد بأساليبهم الخبيثة التي قفزت على كثير من الحقائق، وشوهت العديد من المعطيات.

لقد كانت الإنطلاقة الدستورية الكويتية عامي 1961 / 1962 بمثابة لطمة مؤلمة وموجعة لأنظمة الإستبداد والفوضى وحيث إستطاعت الكويت أن تشق طريقها وترسم معالم كيانها الحر المؤسس على قواعد دستورية ثابتة وعلى الرضا والتواصل بين الحاكم والمحكوم، فليس هنالك من موانع عشائرية أو طائفية أو إجتماعية تمنع التواصل بين المواطن الكويتي وأعلى مسؤول قيادي في الدولة، وكان المفهوم الكويتي للمواطنة راقيا وشفافا وهو يدور ضمن إطار مفهوم: (كل مواطن خفير)، وهو ماحقق نسبة عالية ومتميزة من الثقة والحوار البناء.

دولة الكويت من الدول القليلة في العالم التي لم تضطهد مواطنيها لأسباب سياسية أو تمنع حرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريا، والكويت هي الدولة العربية الوحيدة التي لم تمارس تطبيق حكم الإعدام بشمولية وإستهتارفحتى من تعاون من الكويتيين مع الغزاة البعثيين وهم قلة نادرة لم يتم تنفيذ حكم الإعدام بحقهم لأن للدماء حرمة ومسؤولية كبيرة في مفهوم السلطة الكويتية، إذ تبقى الرحمة أساس العدل، نعم حصلت بعض التوترات العنيفة بين السلطة ومعارضيها ولكنها لم تصل لحد كسر العظم، رغم الظروف الإقليمية والدولية الصعبة، ورغم تداخل العديد من الملفات السياسية والطائفية،فالكويت كانت تتعرض في الثمانينيات لأوضاع توتر صعبة في ظل الصراعات الدموية والشرسة الدائرة في محيطها، وكانت أصوات وأصداء مدافع حرب الخليج الأولى يتردد صداها في الكويت، وكانت الظروف حساسة ودقيقة، فالكويت كانت وحسب تعبير وزير الخارجية وقتها ورئيس الوزراء حاليا الشيخ صباح الأحمد الجابر أشبه بالبيضة وسط عمالقة يتطاحنون حتى الموت !!، ومع ذلك لم تفقد السياسة الكويتية توازنها وظلت حريصة على محاولة تهدئة الموقف والوصول للمنطقة لبر الأمان، وحتى بعد التصعيد العسكري ولجوء نظام صدام البائد منتصف الثمانينيات لخطة قصف منصات وناقلات البترول الإيرانية في الخليج العربي حاولت الكويت الإبتعاد عن التدويل وإدخال الأساطيل الغربية للمنطقة، ولكن لاحياة لمن تنادي، فقد كان النظام البعثي مخلب قط للمصالح الغربية، فلجأت الكويت في النهايةإلى ماليس منه بد.

لقد كانت الديمقراطية والحياة البرلمانية وحق الشعب في التعبير والمشاركة واحدة من أهم هموم ومتبنيات السياسة الكويتية وإنشغالاتها، وكان النظام الإرهابي الصدامي البائد في العراق بعد أن وفرت له مداخلات الحرب الإيرانية مدخلا للتعامل والتواجد الإعلامي والسياسي المؤثر في الساحة الكويتية يتصور واهما وعن طريق الإبتزاز أو العنطزة أنه سيتمكن من الهيمنة على القرار الكويتي وإلى حد إلتهام الكويت في قراءة خاطئة لحقيقة الإتجاهات الوطنية الكويتية أو المزاج الكويتي العام، فالكويتيون قد يختلفون ويتباينون في مواقفهم ولكنهم لايختلفون إطلاقا في الدفاع عن حريتهم ووطنهم بشراسة قد لايتصورها البعض، فتصور صدام واهما إن عنترياته وشقاواته و(سفارته) الإرهابية ووكلائه وعملائه السابقين في الساحة الكويتية يستطيعون أن يوفرون له مدخلا لإبتلاع الكويت وهو هدف نظامه المركزي، ولكنه فوجيء بالحقيقة القاتلة التي إرتدت عليه وعلى نظامه وحزبه وبالا، ففوجيء صدام بحجم الرفض والكراهية الشعبية الكويتية له ولنظامه المجرم، فإنتهت مغامرة الغزو الغاشم بفشل رهيب وكارثي يؤشر على مدى غباء وأوهام الفاشية البعثية المتوحشة التي إرتكبت من الجرائم بحق الشعب العربي الكويتي مايندى له جبين كل إنسان حر وشريف، ولقد تمكن الكويتيون من الصمود والتشبث بوطنهم وبشرعيتهم الدستورية التي قادت معهم ومن أرض الحرمين الشريفين ملحمة الصمود والأمل والتحرير، لتبقى الكويت في أعياد فبراير التحررية بمثابة شعاع الأمل المستقبلي لأجيال قادمة ستقطف حصاد البناء والتنمية والتطوير و مواجهة التيارات الظلامية المتوحشة السوداء التي تحاول مصادرة حرية الوطن والمواطن.... وكل فبراير.. والكويت وأحرار العالم بألف خير.

[email protected]