إستمعت الى الخطاب الهام الذى ألقاه الرئيس الأمريكى جورج بوش عن حالة الإتحاد، وهو أشبه بخطاب العرش الذى تلقيه ملكة بريطانيا فى بداية الدورة البرلمانية فى كل عام، وبالرغم من أن الخطاب إنصب أساسا على الأحوال الداخلية فى أمريكا. إلا أن نجاح الإقبال على الإنتخابات العراقية أعطى الفرصة للرئيس لكى يتحدث عن الديموقراطية والحرية فى الشرق الأوسط، وقد إنتقد بعنف سوريا وإيران ثم وجه نداء إلى كل من مصر والسعودية لقيادة المنطقة فى طريق الحرية والديموقراطية، وقال بالنص فى هذا المجال:
"إن حكومة السعودية تستطيع إثبات قيادتها فى المنطقة عن طريق إعطاء فرصة أكبر لشعبها فى تحديد مستقبله، وإن دولة مصر العظيمة ذات الكبرياء قد مهدت الطريق الى السلام فى الشرق الأوسط، تستطيع الآن أن تمهد الطريق نحو الديموقراطية فى الشرق الأوسط"
وإليكم النص الحرفى لهذا الجزء باللغة الإنجليزية :

“The government of Saudi Arabia can demonstrate its leadership in the region by expanding the role of its people in determining their future. And the great and proud nation of Egypt, which showed the way toward peace in the Middle East, can now show the way toward democracy in the Middle East.”

وأنصح الأخوة القراء بقراءة النص الكامل على موقع البيت الأبيض :
http://www.whitehouse.gov/news/releases/2005/02/20050202-11.html

ولقد ذكر بوش كلمة الحرية 20 مرة فى خطابه، وذكر كلمة الديموقراطية 18 مرة، والرجل واخد الموضوع جد جدا، وإشارته الى السعودية ومصر أن الدور عليهم بعد سوريا وإيران، لذلك أشار إليهما بإعتبارهما القوى المهمة فى الشرق الأوسط، وفى نفس الوقت هما أهم أصدقاء فى المنطقة لأمريكا بعد إسرائيل، لذلك فهو يقول لهم بعد التهديد الخفى لسوريا وإيران "الكلام ليكى ياجارة".
وفى الحقيقة أن دعوة بوش هى دعوة صادقة ليس لأنه مغرم بسواد عيون مصر أو مغرم بتاريخ ومجد مصر وعظمة مصر، ولكنه يفعل هذا لمصلحة أمريكا أولا وثانيا وثالثا، ولا غبار فى هذا لأن كل رئيس يجب أن يفعل ما يمليه على ضميره لما فيه مصلحة بلده ويجب أن يضع مصلحه بلده أولا وأخيرا قبل مصلحته ومجده الشخصى وقبل مصلحة أى دولة أخرى مهما صغرت أو كبرت.

وأنا من المؤمنين بأن الحرية والديموقراطية هما مطلب إنسانى أساسى، وهما ليسا منحة من بوش أو من أى رئيس آخر،" لقد خلق الله الناس أحرارا ومتساويين"، وأى شخص أو تنظيم أو نظام يسلب هذا الحق من مواطنيه إنما يعتدى على ما منحه الله لكل إنسان، وأنا أيضا مؤمن بأن الحصول على الديموقراطية والحرية لن يأتى على طبق من فضة أو حتى طبق بلاستيك!!، وبدلا من الحصول على هذا الحق بالعنف أو بالغزو الخارجى أو بالضغط الخارجى، لماذا لا يتم الإتفاق على جدول زمنى لتحقيق هذا الهدف، حتى لو أخذ هذا سنوات وسنوات، ولكن المهم أن نبدأ من سنة أولى ديموقراطية.
.....

وأنا بصفتى مهندسا ومديرا للمشروعات فلدى خبرة متواضعة فى وضع البرامج الزمنية لتنفيذ المشروعات، لذلك أتطوع بوضع برنامج زمنى لمشروع بناء صرح الديموقراطية كالتالى:

سنة أولى ديموقراطية: مثل أى مشروع لبناء بناية ما، يجب عمل مخططات ورسومات ومواصفات لصرح الديموقراطية، وهذا يتم بإستشارة كل القوى السياسية فى الحكم وخارج الحكم، ولا مانع من الإستعانة بخبرات أجنبية، مثلما نستعين بالخبراء الأجانب فى كل مجال من: هندسة الى طب الى تدريب الكورة وحتى بدأنا نستعين بالخبراء الأجانب فى الرقص الشرقى وفوانيس رمضان والفول المدمس.

سنة ثانية ديموقراطية: نبدأ بناء صرح الديموقراطية بوضع أساس الديموقراطية، وأساس أى ديموقراطية هو"الدستور"، وما دمنا نبدأ فى بناء بناية جديدة فلا بد أن تبدأ تلك البناية بوضع أساس جديد ودستور جديد. والدستور الجديد يجب أن يوضع لمئات السنين لأنه "الأساس"، وليس من السهل تعديل الأساس على مقاس أو مزاج الحاكم أو أنظمة الحكم المختلفة، وحتى الدستور يجب ألا يتطرق إلى أيدولوجيات أو إلى أديان، لأن بلد مثل مصر على سبيل المثال كانت تدين بديانة آمون الفرعونية ثم إنتقلت إلى المسيحية ثم إنتقلت إلى الإسلام، وأصبح المذهب الشيعى هو المذهب الدينى السائد فى مصر فى عهد الفاطميين، وبعد إنتهاء عهد الفاطميين أصبحت بمصر تدين بالمذهب السنى، وأيضا تحولت مصر من الإقتصاد الحر إلى الإشتراكية ثم إلى الإنقتاح الإشتراكى ‘ ومن رأسمالية الدولة الى الخصخصة !!
الأيدولوجيات الإقتصادية والعقائدية تتغير بإستمرار، فمثلا الدستور الفرنسى لا ينص على أن (فرنسا) دولة مسيحية لأن فى هذا إهمال لأتباع الأديان الأخرى وماذا سيحدث لو أصبح عدد مسلمى فرنسا بعد مائة سنة مساو لعدد مسيحيوها؟ فموضوع فرنسا (مسيحية) هو موضوع غير وارد، ثم أن( فرنسا) لن تدخل النار أو الجنة لكونها مسيحية لأن الدولة ليست (شخص) يموت ويحيا ويدخل الجنة والنار، ويجب ألا يكون الدستور عرضة لتغييرات كثيرة، ونأخذ بلدا مثل مصر أيضا، كان هناك دستور أيام العهد الملكى (دستور سنة 1923)، ثم دستور أيام العهد الناصرى، وكان دستورا إشتراكيا، ثم جاء السادات وعمل دستورا خليطا ما بين الإشتراكية والرأسمالية، ثم عدله قبل وفاته لكى يسمح للرئيس للبقاء فى الحكم لمدد غير محددة، بعد أن كان الدستور ينص على تحديد فترة حكم الرئيس بفترتين فقط، وهذا تلاعب لا يجوز بأهم أساس لصرح الديموقراطية، ألا وهو تداول السلطة، والتلاعب بالدستور يهدم الديموقراطية من جذورها.

سنة ثالثة ديموقراطية: بعد وضع أساس صرح الديموقراطية، يأتى وضع الأعمدة التى سوف يقوم عليها هذا الصرح، وتلك هى المؤسسات الدستورية التى يقوم عليها هذا الصرح:
أول تلك المؤسسات: هى القوات المسلحة: والتى تحافظ على أمن وحدود البلاد وتحافظ وتحمى الدستور من أى متلاعب مهما علا شأنه.
المحكمة الدستورية العليا: هى أعلى سلطة فى البلد.
القضاء : القضاه يعنيون من قبل الشعب الممثل فى برلمانه، ويقالون فقط بأمر الشعب.
الشرطة: تأخذ أوامرها من النيابة لتنفيذ أوامر القضاء وأحكامه.
الأحزاب السياسة: أى شخص لديه فكرة معينة فى إدارة شئون البلاد وسياستها يجب تشجيعه على إنشاء حزب سياسى، ولندعه يعلن أفكاره للجميع (طالما فى نطاق القانون والأخلاق العامة) لذلك يجب إطلاق حرية تكوين الأحزاب، ولا يصح وضع أى قيد لعدد معين من الأعضاء أو مقر معين أو أى قيد آخر، سوى إحترام الدستور والعمل بموجب قوانين البلاد، ولامانع أن يتم تأسيس 3000 حزب، ففى النهاية لن تستمر إلا الأحزاب القوية والتى لها وجود فى الشارع، هل تصدقون أن هناك حزب شيوعى أمريكى وحزب نازى أمريكى وأحزاب لا حصر لها، ولكن لكل إحترامه بموجب القانون. ومن النكت المبكية التى نقرأها هى نكتة التهمة التى توجه أحيانا لبعض المنتمين الى حزب سياسى :"ولقد حاول المتهمون تشكيل تنظيم سياسى للإستيلاء على الحكم!!"، وهدف أى تنظيم سياسى فى الدنيا هو "الإستيلاء على الحكم"، ولكن الإستيلاء على الحكم أصبح تهمة بحيث أن حتى زعماء الأحزاب الشرعية حاليا يخاوفوا أن يطالبوا بالحكم، وأصبح كل أمانيهم أن يكون نظام الحكم الحالى راضيا عنهم، و"يسيبهم فى حالهم".
البرلمان : هو الممثل الحقيقى للشعب، لأننا لا نستطيع أن نضع 70 مليون مواطن فى قاعة واحدة لذلك يتم إنتخاب عدد من المواطنين بالإنتخاب الحر المباشر لكى يمثلوا هؤلاء المواطنين فى تلك القاعة. وقد يكون هؤلاء النواب أعضاء فى الأحزاب أو نواب مستقلون.
الحكومة: يتم إختيارها عن طريق ممثلى الشعب ونوابه، وهدفها هو تنفيذ سياسة الحزب الذى فاز بأغلبية الأصوات، وقد يكون هذا الحزب حزب إشتراكى أو شيوعى أو رأسمالى أو دينى أو يمينى أو يسارى، كل هذا لا يهم، المهم أن يكون قد تم إنتخابه فى إنتخابات حرة وأن يحترم تطبيق كل بنود الدستور.
الرئيس : يتم إنتخابه بالإنتخاب الحر المباشر لمدة محددة، ووظيفته مراقبة وحماية الدستور وحماية أمن وكرامة المواطن وأمن البلاد، ويجب أن يكون أول من يحرص على الفصل بين السلطات وعلى تداول السلطة فى مواعيدها المحددة.
أجهزة الإعلام: الإعلام أصبح سلطة رقابية تنافس السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويمكن لهذا الجهاز الخطير أن يكون ضمير الأمة ورقيبها وحارس على مصلحتها، لذلك يجب أن يكون هذا الجهاز الخطير غير تابع لأى من السلطات الرسمية، لذلك يجب إطلاق حرية إنشاء الصحف ودور النشر ومحطات الإذاعة والتليفزيون ومواقع الإنترنت، كل فى حدود الأخلاق العامة للبلد. ويكون هذا الجهاز هو الرقيب على نفسه ويجب أن يتحلى بالصدق فى عرض الحقيقية وبالموضوعية فى عرض الرأى والمحافظة على إستقلاله وإلا فقد مصداقيته.
وقد يستغرق بناء تلك المؤسسات والسلطات سنوات ولكن يجب البدء فورا فى ذلك.

سنة رابعة ديموقراطية : أثناء بناء أساس وأعمدة صرح الديموقراطية، يجب أن ننتبه إلى سكان هذا الصرح، وهم أبناء الشعب، لأن كل هذا الصرح من المفروض أننا نبنيه حرصا على راحة وكرامة السكان وعلى سعادتهم وعلى رفع مستوى معيشتهم، ويجب تجهيزهم حتى يستطيعوا المحافظة على هذا الصرح الذى يجرى بناؤه، ولا بد أن يتم وضع برامج تنمية بشرية وتنمية إقتصادية وإجتماعية، وأهم عناصر تلك التنمية هى : التعليم..التعليم..التعليم.

وقد يستغرق موضوع بناء صرح الديموقراطية سنوات طويلة وهى عملية مستمرة ومتطورة، والديموقراطية فى حد ذاتها ليست الهدف ولكنها مجرد وسيلة لتحقيق الحرية والعداالة والكرامة للمواطن العادى.

وأخيرا بطلوا العناد ده، هل لمجرد أن بوش طالب بتحقيق الديموقراطية أصبحت "رجس من عمل الشيطان"، بوش كلها أربع سنين وماشى ولكن ستبقى الديموقراطية كواحدة من أعلى القيم الحضارية والإنسانية والتى تحرص عليها الشعوب المتقدمة، والتى من أجلها وقف مئات الألوف من الشعب الأوكرانى فى شوارع (كييف) فى درجة حرارة تحت الصفر حتى أستطاع أن يحقق إرادته ويهزم الطاغية الذى أراد تزوير الإنتخابات وأراد إغتيال منافسه بالسم، ياجماعة صدقونى، عهد الطغاه إنتهى، ودعونا نبدأ حتى ولو بسنة أولى ديموقراطية.

[email protected]