اختار عرب المزايدة الطعن في الانتخابات العراقية من عدة أبواب، مؤكدين إجمالا على عدد من النقاط يزعمون أنها كافية للقول بأن هذه الاستحقاقات لم تكن شرعية، وأن ما ستفرزه من مؤسسات لن يحظى بمباركة وموافقة الأطراف التي اختارت المقاطعة أو المقاومة (الإرهاب) وسيلة للتعامل مع الساحة السياسية وعموم القضية الوطنية العراقية.
لقد ذكر هؤلاء العرب الطاعنون في الانتخابات جملة من المؤاخذات، يمكن ترتيبها كالتالي:
•أن هذه الانتخابات قد جرت في ظل الاحتلال.
•أن هذه الانتخابات قد جرت لمصلحة الاحتلال.
•أن هذه الانتخابات قد جرت في ظل ظروف أمنية خطيرة.
•أن هذه الانتخابات قد جرت والشعب محروم من مرافق الماء والكهرباء.
•أن هذه الانتخابات قد جرت في ظل مقاطعة قوى سياسية كبيرة، خصوصا في أوساط العرب السنة.
وقبل الرد على هذه الاتهامات، أرى من الضروري في البدء تعداد مميزات الانتخابات العراقية، قياسا بسائر الانتخابات التي أجريت في العالم العربي، والتي بالمقدور تسطيرها كالآتي:
•أنه لم يحرم أي حزب أو حركة أو فئة أو جماعة من حق الترشح لهذه الانتخابات، حيث سمح بالمشاركة لكافة الأطياف والتوجهات السياسية والفكرية، الاسلامية واليسارية والليبرالية والقومية والعشائرية والعربية والكردية والآشورية والتركمانية والشيعية والسنية والمسيحية واليزيدية والصائبة، فكل من أراد المنافسة وشكل قائمة وعبر عن رغبته في المساهمة فتحت له الأبواب ونال حقوقا وظروفا متساوية مع غيره من المرشحين.
•أنه لم يحرم أي مواطن عراقي من حقه في الانتخاب، فكل من بادر إلى تسجيل إسمه في القوائم الانتخابية، وكل من بادر أيام الانتخاب، سواء داخل العراق أو خارجه، إلى التوجه إلى مكاتب الاقتراع، مارس حقه بكل حرية، دون خوف من ضغط أو بطش أو ملاحقة.
•أن عدد القوائم المشاركة في الانتخابات العراقية قد حققت رقما قياسيا من حيث العدد والتنوع السياسي، لم يسبق لأي انتخابات في أي دولة عربية أن عرفت مثله.
•أن الانتخابات قد جرت تحت الإشراف الكامل للجنة مستقلة، جرى تشكيلها من شخصيات تمثل مختلف الحساسيات السياسية والدينية والطائفية والعرقية، وأن العملية الانتخابية قد تمت بمختلف مراحلها التحضيرية والتنفيذية والنهائية على أيدي أعضاء هذه اللجنة المستقلة، وأن أي طرف لم يتدخل في عمل هذه اللجنة بحسب ما أكده رئيسها وسائر أعضائها، وكذا آلاف المراقبين المحليين والدوليين الذين واكبوا العرس العراقي، فضلا عن عشرات المسؤولين في الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى.
•أن نتائج الانتخابات – التي لم تعلن بعد بشكل رسمي- لم تأت في صالح قائمة رئيس الجمهورية أو قائمة رئيس الوزراء، وأن مقاعد الجمعية الوطنية العراقية ومجالس المحافظات ستوزع على ما لا يقل عن ثلاثين تشكيل حزبي وسياسي، وهو ما لم يحصل يوما في أي انتخابات عربية، هذا بالإضافة إلى ما ستقود إليه الخارطة السياسية المنبثقة عن الانتخابات من تنافس جدي حول المناصب القيادية في الدولة العراقية، وفي مقدمتها منصبا رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية.
ولكي تكون الرؤية واضحة، بين البيعة التي كان يمارسها العراقيون أيام كانوا رعايا زمن الحكم البائد، والانتخابات التي مارسوها قبل أيام باعتبارهم مواطنين، لا مناص من التذكير بمواصفات العملية الانتخابية خلال الحقبة الصدامية الكريهة، وهي كما يلي:
•لم يشارك في هذه الانتخابات طوال ما يزيد عن ربع قرن غير حزب واحد، هو حزب البعث، وغير مرشح واحد للرئاسة هو الأخ القائد المهيب الركن...إلخ.
•لم يشارك في هذه الانتخابات غير من نال تزكية حزب الأخ القائد، سواء كان ناخبا أو منتخبا، فالمشاركة وسام لا يناله غير الشرفاء من فدائيي صدام وسائر المواطنين الصالحين ومن سار على دربهم بإحسان إلى يوم الدين.
•لقد كانت نتائج هذه الانتخابات محسومة سلفا لصالح الأخ القائد المفدى رئيسا للجمهورية مدى الحياة، بنسبة ابتدأت ب99% وانتهت بمائة كاملة غير منقوصة، أما مرشحو الحزب القائد فنتائجهم لا تقل حسما وإقناعا، ما بين التسعين والمائة.
•وأما وجود مراقبين مستقلين أو مبعوثين دوليين فمسألة خارج حدود النظر، ذلك أن العملية الانتخابية مسألة سيادية لا يجوز التدخل فيها، والكلمة الأولى والأخيرة للشعب العراقي (ما شاء الله)، ممثلا في قائد مسيرته البطولية وحزبه العتيد بطبيعة الحال.
•فيما تضطلع أجهزة وزارة الداخلية الهمامة، غير التابعة أبدا لسلطة الأخ القائد، والبعيدة مطلقا عن أي تأثير لأعضاء حزبه السعيد، بالإشراف على الانتخابات من الألف إلى الياء، وكذلك فرز النتائج بكل شفافية، والاختتام بالإعلان عن فوز القائمة الإلهية بالنسبة المائوية التي تليق بمقامها المقدس وطبيعتها العلوية.
فإذا ما وصل المتحدث إلى مسألة الرد على مؤخذات المزايدين من أنصار الملا الزرقاوي وبقايا أنصار القائد الركن المهيب، فإنه سيكون بالمقدور قول ما يلي:
1-إن إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال، قد جاء جراء تصميم القوى السياسية الوطنية العراقية على العملية الانتخابية، باعتبارها خير وسيلة لإفراز قيادية شعبية شرعية قادرة على مواجهة التحديات المطروحة على البلاد، وفي مقدمتها تحدي إنهاء حالة الاحتلال. خلاصة القول، أن الانتخابات كانت مطلبا وطنيا عراقيا، لا مطلبا احتلاليا، إذ ليس من طبيعة الاحتلال أن يحرص على العملية الانتخابية، ناهيك عن أن تقود هذه الانتخابات إلى صعود أحزاب وحركات لم تكن مصنفة يوما –عند عاقل أو نزيه- على أنها نصيرة للولايات المتحدة الأمريكية.
2-إن توجه ما يزيد عن ثمانية ملايين ناخب عراقي إلى صناديق الاقتراع، وتحديهم همجية العصابات الإرهابية ( من زرقاوية وبعثية)، يثبت أن العملية الانتخابية كانت عملية وطنية عراقية صرفة، إذ بمقدور الولايات المتحدة أن تجند عشرة أو عشرين أو مائة ألف على أقصى تقدير، لكنه ليس بمقدورها تجنيد شعب بأكمله، يتوجه طوعا وحبا إلى صناديق الانتخاب، متحديا الموت الأزرق والأسود. إن القول بأن الانتخابات كانت مخططا أمريكيا، ليس سوى استهانة بالشعب العراقي، وبأشواقه وطموحاته في بناء دولة ديمقراطية، تنهي مأساته الحمراء التي عاشها طيلة عقود مريرة من حكم حزب البعث وقائده الاستثنائي.
3-إن الظروف الأمنية الخطيرة لا يمكن أن تكون مبررا لإلغاء أو تأجيل الانتخابات، لأن ذلك كان سيعني تحقيق أهداف العصابات الإجرامية، ومنحها نصرا معنويا كبيرا، كانت ستستغله لتوسيع رقعة الدم والإطاحة برؤوس المزيد من الأبرياء المساكين. هذا بالإضافة إلى أن هذه التحديات الأمنية، كانت تستوجب قيادة ذات تفويض شعبي قوي لمواجهتها، ولم يكن ذلك متاحا إلا عبر المضي قدما في إجراء العملية الانتخابية. وفي هذا السياق دائما، فإنه لطالما تحجج صدام حسين، وسواه من الطغاة والديكتاتوريين العرب، بالظروف الأمنية والحروب الخارجية، لتعطيل الاستحقاقات الانتخابية، ولقد كان ضروريا على القيادات العراقية الجديدة السعي إلى تكريس عادات وتقاليد سياسية جديدة، مخالفة لما اعتاد عليه المواطنون من قبل، ومن ذلك العمل على تنظيم الانتخابات في موعدها مهما يكن حجم التحديات، لأن ذلك وحده سيمنح مبدأ السيادة الشعبية مصداقية وقدسية.
4-إن الزعم بأن هذه الانتخابات قد جرت والعراقيون محرومون من الماء والكهرباء، زعم سخيف ومنافق، فالكل يعلم أن مؤسسات الدولة العراقية الجديدة، لم تخلد إلى الراحة يوما منذ سقوط الصنم، وهي تواجه إرهابا أعمى يستهدف المدنيين والبنى التحتية، ناهيك عن استهدافه أجهزة الدولة الأمنية ومرافقها الأساسية، وليس للمرء إلا أن يتساءل عن الكيفية التي يقترحها الزاعمون، لتزويد المواطنين بالماء والكهرباء، في حين ما فتئت عصابات الزرقاوي وفلول البعثيين تستهدف مجمعات ومضخات المياه ومحطات توليد الكهرباء. إن توفير الخدمات العامة رهين توفر ظروف تسمح بأن تقوم مرافق الدولة وأجهزتها بواجباتها، ولا يظنن أن الحكومة العراقية المؤقتة المنبثقة عن انتخابات 30 يناير، ستتأخر عن آداء واجباتها في توفير الراحة لمواطنيها، متى ما تمكنت من إنهاء قضية الإرهاب وطرد الجماعات الإرهابية.
5-تبقى الإشارة إلى مسألة المقاطعين، حيث القول بأن المقاطعة هي حق تكفله الأنظمة الديمقراطية للمواطنين، تماما كما تكفل لهم حق المشاركة، ذلك أنه ليس ثمة مجال في ظل الأنظمة الديكتاتورية للتعبير عن مجرد الرغبة في المقاطعة، ناهيك عن ممارستها. فإذا ما اختارت القوى السياسية التي تزعم تمثيل السنة العرب، أن تقاطع الانتخابات، أو حتى العملية السياسية برمتها، فذلك من حقها، أما الأمر الذي ليس من حقها، فهو أن تزعم هذه القوى أنها الممثل الحقيقي للشعب العراقي، وأنها وحدها الوطنية وسواها خونة وعملاء، كما أنه ليس من حقها أبدا أن تعمل على أن تتحكم الأقلية في الأغلبية. ولقد أكد ممثلو القوى العراقية المشاركة في الانتخابات، أنهم متشبثون بترك الأبواب جميعا مفتوحة أمام الذين لم يشاركوا، للمساهمة في صياغة التوجهات الكبرى المقرر الاتفاق عليها في الأيام القادمة، وأنه لا رغبة لها في إقصاء أي طرف، أو في إحتكار السلطة، تلك العادة البائسة التي طالما وقفت وراء نشأة المأساة العراقية واستفحالها طيلة العقود الماضية.
وأخيرا فقد كنت أتمنى من الذين تحدثوا بسوء عن الانتخابات العراقية من غير العراقيين، خصوصا أؤلئك العاملين في دهاليز أنظمة ديكتاتورية مدلهمة، أن يوفروا جهودهم وبطولاتهم للبحث في مدى شرعية الانتخابات التي تجري في بلادهم، وما إذا كان من حقهم الانتخاب فيها، ناهيك عن الترشح لها والفوز بها. إن كثيرا من هؤلاء يزعمون للأسف الشديد جرأة وشجاعة نادرتين، إذا ما تعلق الأمر بالشأنين العراقي أو الفلسطيني، أما إذا ما تعلق الأمر بشؤون بلادهم الداخلية، فإنهم أجبن من أن يبدوا ملاحظة واحدة من بين ملاحظاتهم الكثيرة التي يبدونها اليوم حول الانتخابات العراقية..إن معارضة الاحتلال الأمريكي يسيرة، أما المستحيل لدى هؤلاء فمعارضة الاستبداد العربي..سلوك منافق سئمنا من الوقوف عليه.
كاتب وسياسي تونسي، مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي – لاهاي.















التعليقات