على هامش المؤتمر الدولي لمحاربته بالرياض
لا أريد أن أبدو كما لو كنت مغرداً خارج السرب، ولكني حين تأملت قضية الإرهاب، سألت نفسي : لماذا بدونا للعالم كما لو كنا عنواناً على الإرهاب؟. نعم أنا على علمٍ بالإستراتيجية أو المنهج النعامي، والتي تتلخص في دس الرأس في الرمال تحاشياً لمواجهة الموقف الحرج الذي تتعرض له النعامة.
ولكن هل هذا الأسلوب السليم والصحيح لمواجهة المواقف الحرجة، والتصدي للتحديات التي تواجهنا؟!.
هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا.
الإتجاه الصحيح
لقد قامت المملكة منذ توحيدها على يدي الملك عبدالعزيز ( رحمه الله ) على النهج الإسلامي والشريعة الغراء، فهي الأرض التي اختصها الله ببيته العتيق وجعلها مهبطاً للوحي وأرسل خاتم الأنبياء من بين أبنائها وكرمَّها وفضلها على سائر الأرض.
والإسلام دين يقوم على المحبة بين البشر ويدعو إلى فضائل الأخلاق.
إذن فأين الخلل طالما هذه هي الأُسس؟.
هذا ما يجب أن يتجه إليه تفكيرنا.
نعم.
الإرهاب ليس في أصلنا. ولا هو من ديننا. ولكن أين الخطأ، طالما صرنا عنواناً عليه؟.
هذا هو السؤال الذي حاولت الإجابة عليه.
من زاوية مبدئية فإن الإرهاب مُدانٌ مُدان.
وأصغر طفل يمكن أن يدينه، وقد قلت هذا من قبل، إلا أن استئصاله فأمر آخر.
وتكمن المشكلة في أننا نتعامل معه كمشكلة أمنية مع علمنا التام بأن الجانب الأمني في التعامل مع هذه الظاهرة مهم وحيوي وضروري، إلا أننا يجب أن ننتبه إلى الجوانب الأخرى، والتى لا تقل أهمية عن الجانب الأمني في مسألة الإرهاب.
نعم.
كلنا ندين الإرهاب ونشجبه، ولكن هل تكفي هذه الإدانة في محاربة ظاهرة بمثل هذه الخطورة؟.
أظن، لا عاقلٌ يقر هذا ويقوله.
إذن ما هو الطريق الصحيح لمحاربة ظاهرة بمثل هذه الخطورة؟.
هذا ما اجتهدت وحاولت الإجابة عليه بشفافية.
وإذا كنت الآن أعكف على كتابة مؤلف بهذا الشأن فإنني أعتقد أننا يجب أن نركز أبصارنا على منابع الإرهاب الحقيقية حتى نستطيع استئصاله من جذوره.. وإلا فإننا نحرث في البحر.
هذا هو الطريق الصحيح والاتجاه السليم.
ماذا نسمي هذا؟
أذكر الآن مثلاً.
واحدةً من هذه الزوايا، تناولتها أكثر من مرة، وهي مشكلة الفيروسات الفكرية التي تخترق عقول شبابنا، من خلال الفهم الخاطئ للتدين.والآن أمامنا قصة تتناقلها وكالات الأنباء خبراً.
والقصة تتلخص باختصار في أن رجلاً كويتياً كان قد طلق زوجته ذهب ليؤدي فريضة الحج، وفور عودته بعد آداء الفريضة ذهب إلى مطلقته وأخذ أبنائه منها، ثم قام بربط طفلته أسماء (13سنة) بحبل ووجه وجهها صوب القبلة ثم أقدم على نحرها، وبرر جريمته بأنه كان ينتقم لشرفه، إلا أن الطب الشرعي أثبت عذرية ابنته !!.
فماذا نسمي مثل هذا السلوك؟.
لقد أكد خال الطفلة أن "أسماء" حصلت على جائزة حفظ القرآن. وأن والدتها المطلقة متدينة وتحمل جائزة الأم المثالية. وأكد المصدر أن الجاني ينتمي إلى الإسلاميين المتشددين الذين يحملون الأفكار التكفيرية. حيث أبدى خلال التحقيق معه تأييده للأفكار الجهادية وقال " الإسلاميون أفضل من الجميع وليسوا إرهابيين " كما جاء في صحيفة " الحياة " عدد يوم الجمعة 28 يناير (2005م) الموافق 18 ذو الحجة (1425هـ). مثل هذا السلوك الوحشي حين يتم باسم الإسلام فإنه يؤدي من ناحية إلى تشويه صورة الإسلام. هذا من ناحية، ولكنه من ناحية أخرى يقدم خدمة جليلة لأعداء الإسلام والمسلمين، ويتيح الفرصة للإساءة لدين الرحمة والسلام والتراحم.
نعم نقرأ في العديد من أجهزة الإعلام الغربية عن حوادث مثل هذه، حيث تقوم الأم بقتل أطفالها، أو يقوم الأب بذلك، إلا أن تلك الحوادث لا تتم تحت لافتة أو ذريعة الدين المسيحي والتدين، وإنما تتم وتؤخذ باعتبارها حالات مرضية فردية تخص الشخص نفسه، ومن ثم تتم دراسة " الحالة " بهذا الاعتبار، فقد يكمن السبب في ظروفه هو الأسرية، أو سبب خاص به مثل إدمان المخدرات والخمور. أما العامل الديني فيكون مستبعداً تماماً.
مبررات قد لا تكفي
قد تسألني : ما السبب في هذه الإستراتيجية التشخيصية؟
السبب ببساطة يكمن في أنه ما من دين في تاريخ البشرية يدعو إلى قتل الأبناء والأبرياء من الناس بغير الحق، وقد قررها الله سبحانه وتعالى واضحة في كتابه العزيز حين قال بأن من قتل نفساً بغير الحق فكأنما قتل الناس جميعاً، وبأن من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً. وما من دين يبيح رذائل الخلاق من سرقة وغدر وكذب وما إلى من الأخلاق المرذولة. إذن فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو : لماذا يفعل البعض ذلك وباسم خاتم الأديان؟. الأسباب، كما ذكرت من قبل لا يمكن حصرها في سبب واحد.
ولكن ألاحظ أن الدعاة وأجهزة الإعـلام يحصرونها في الجانب الأمني وحده، بينما يهملون العوامل الأخرى، وتكاد هي تكون الجوانب الأهم.
فهذا الأب الذي ينحر ابنته، وهي عذراء كما أثبت الطب الشرعي ومن حفظة القرآن، مثله مثل ساب يافع في العشرينات من عمره يقوم بتفخيخ نفسه ليحول جسده إلى قنبلة تفتك به، وتدمر من، وما حوله.
ثمة شئ من مثل هذه السلوكيات يكشف عن خلل أصاب فطرة الإنسان التي خلقه الله عليها.
من أين أتى ويأتي هذا الخلل؟
هذا ما يجب أن نبحث فيه لنجتث الإرهاب من جذوره.
فهناك أسباب سياسية تتمثل في هيمنة الخطاب الرسمي، وتغييب وقمع وتهميش الخطاب الأخرى، مما يدفع أصحاب هذه الخطابات إلى اللجوء إلى العنف والإرهاب لتعبر عن رأيها. ولا يقتصر هذا الأمر على الدول والمجتمعات العربية، طالما اتفق المؤتمرون في الرياض، وهم يمثلون أكثر من (60) دولة ومنظمة عالمية، على أن الإرهاب ظاهرة لا يختص بدين أو دولة أو عرق. وكما أن هناك غلاة بين المسلمين، فهناك غلاة بين كل الملل والنحل. فمن أين يأتي الغلو والتطرف في تأويل النصوص الدينية؟.
وهناك أسباب نفسية تنعكس سلوكياً في أعمالٍ إرهابية حيث يتحول الإنسان إلى قنبلة تفتك بصاحبها ومن هم حوله وتدمر ما في محيطها. ثم كم هو حجم الخسائر المادية / الاقتصادية لهذه الظاهرة؟. أليست كل هذه الأسئلة جديرة بالتفكير العميق؟!. هذا ما على كل صاحب فكر تأمله، ومحاولة إيجاد أجوبة عليه.
وإلا سوف نحرث في البحر.
أكاديمي وكاتب ســـعودي
E.MAIL : Dr_ binsabaan @hotmail.com















التعليقات