يٌشيرالمفكر والمستشرق الأميركي المعروف برنارد لويس في أغلب كتبه وأطروحاته الدارّسة للشرق الأوسط الإسلامي إلى الحالة الفريدة لتركيا مٌشيداً ب"علمانيتها" المطبقة منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة على النسق الأتاتوركي المعروف ذاك.
والأرجح أن لويس وهو في غمرة إعجابه وإنبهاره بالنموذج التركي المٌعلمّن يرى نصف الحقيقة ويقفز فوق نصفها الآخر، و"القفز" هنا عن سابق إصرار وترصد وهو مضمر سابقاً كما لايخفى على لبيب، لإقتناع لويس أن تركيا/الدولة إستطاعت "ضبضبة" الإسلام السياسي (أوالذي كان سائداً في فترة الخلافة العثمانية على الأقل) وحصره في إطار مدني وهوامشي لايرتقي، لابل ولايطمح، للخروج إلى حالة صيرورة وبلورة مشروع حكم أو "إدارة" يٌعيد النظر في بنائية الدولة التركية الحديثة أو يٌحدث في تركيبتها الإنقلاب الكامل. ولويس أمام إهتمامه الثابت بتركيا ودروها "الرائد" في الحفاظ على إستقرار ودمقرطة الشرق العربي والإسلامي كما يقول دائماُ، لاينسى أن يٌصنفها معّ إسرائيل( الدولة الدينية هنا) ويعتبرهما الإنموذجين الديمقراطيين الوحيدين في المنطقة، وينادي دائماً بقيام تحالف إستراتيجي وثيق بينهما: على قاعدة الإشتراك في القيم الديمقراطية والخوف من المحيط التوتاليتاري!.
والحال، إن" تركيا الحديثة" والقائمة على فكرة التشدد القومي والعلماني لاتشكل الإنموذج الأفضل الذي ينادي به لويس وغيره من الإستراتيجيين الغربيين الكبار، وذلك لسبب بسيط وهو أن تركيا دولة مضطربة وقائمة على بنائية مهزوزة تعتمد الإتاتوركية الإنكارية/الشمولية والضيقة الأفق منهجاً مٌسييراً لها، يجعل من كل "علامة خطر" يتهدد هذا "المنهج" سبباً كافياً لحدوث إنقلاب عسكري يقوم به الجيش( حامي الجمهورية: أتاتوركيتها وعلمانيتها..) كل ما إستشعرّ هذا الأخير الخطر على "قيم" الدولة الحديثة، الأمر الذي أصبحّت فيه تركيا تشهد إنقلاباً عسكرياً كل فترة 10 سنوات. حيث كان آخرها إنقلاب إيلول العسكري 1980 والإنقلاب الأبيض عام 1997 الذي أودى بالحكومة الإسلامية(المنتخبةّّ!) التي كان يترأسها السيد نجم الدين أربكان...
والواقع يقول: إن تركيا وبعد مرور ثمانين سنة على تأسيسها تعاني من مشاكل بنيوية كبيرة ومستفحلة تشكل عائقاً، لابل وضرباً من ضروب خداع الذات، أمام القول بريادتها ودورها الكبير في المنطقة ومن ثمّ تسويقها "إنموذجاً ديمقراطياً" و"مسطرة" تغيير، يٌخطط أن تقتدى بها كل دول المنطقة: عندما تدار عجلة التغيير والدمقرطة الأميركية والغربية لإدخال الدول المتخلفة فيها،عنوة طبعاً...
والمتأمل لحال تركيا الآن، وهي تتعلق في فضاء اللاحل: ذلك المنهج الذي تجيده تركيا حقاً، سيجّد مقدار الخطأ الفادح الذي يقترفه كل من يٌجاهد في "جرجرة" تركيا إلى الحداثة وتقديمها إنموذجاً للتغيير أمام مرئى بقية الدول الشرق أوسطية. فتركيا دولة تمتلك مشاكل كثيرة وحقيقية مع دول جوارها: هناك مشاكل حدود ومياه وصراع أثنيات ومشاكل تأريخية ناجمة عن التورط في إقتراف مذابح جماعية بحق شعوب المنطقة( التي كانت زاخرة بالإثنيات والعقائد قبل قدوم العثمانيين الترك، حيث أفرغوها تماماً قتلاً وتهجيراً وتتريكاً، وهي المسائل التي مازال بعضها عالقاً للآن..) ونشاهد إن الأتراك لايجاهدون في حل أياً من تلك القضايا وهم منهمكون في الدخول إلى النادي الأوروبي( المسيحي: مثلما يتشدق بعض الساسة الأتراك متناسين طبعاً إن أجدادهم حولوا الأناضول وكردستان إلى ناد طوراني نقي، بعد إبادة شعوبها، بقوة البطش والسيف) بل ثمّة إصرار واضح على منهجية اللاحل وتثوير النقاط الخلافية وتعقيدها: القضية القبرصية، القضية الكردية،مجزرة الأرمن،الحدود مع اليونان، المياه وولاية إسكندرونة مع سورية( الدولة هنا وليسّ النظام) وأخيراً إفتعالها الأزمات اليومية المتكررة الهادفة للنيل من الكرد في جنوب كردستان( كردستان العراق) والتدخل في شؤونهم عبر توظيف بعض الحوادث والقضايا هنا وهناك.
فأين الإستقرار الذي تٌرمز تركيا عنواناً له والطاغي على الخطاب الغربي الرسمي ؟.
وهل سيتم بناء شرق أوسط ديمقراطي( الشرق الأوسط الكبير) على غرار النموذج التركي الشمولي والغارق في ممارسة العنف الممنهج ضد الدول الجارة وشرائح واسعة من مكونات الدولة التركية؟.
والحال، إن المعيار الأميركي يعتمد في الأساس على مبدأين إثنين يتم التعامل بهما مع الأنظمة في الشرق الأوسط وتوزيع الصفات الحميدة أو الشريرة عليها، وهما : أولاً: التحالف الإستراتيجي والعسكري مع أميركا وثانياً: إحتواء الحركات الإسلامية المعادية للغرب والداعية للصدام معه. وهذان المعياران لايزالان قائمين وساريي المفعول رغم المقولات والتصريحات الأميركية التي قالت بتغيّر النظرة وطرائق الكيل الأميركية للأمور بعد الحادي عشر من سبتمبر وإن "الولايات المتحدة ستعيد النظر في علاقاتها مع كل النظم التي تضطهد شعوبها وتسرق ثرواتها"؟.
تقديم تركيا وتسويقها(على صعيد تنظيري/إستراتيجي أو على الصعيد الرسمي) وتناسي حجم المشاكل والأهوال العالقة والتي مازلت تشكل السبب الرئيسي في حالة اللاإستقرار في منطقة الشرق الأوسط يجعل من "المصداقية الأميركية" في الحضيض. كما يجعل من الكرة/الأمل (في التغيير الديمقراطي أو لجم الكولونيالية التركية في أضعف الأيمان) في الملعب الأوروبي ، حيث تجتهد أوروبا حالياً وعبر محادثات الدخولية الطويلة الأجل لتغيير البنائية التركية رويداً رويداً والتأثير البنيوي فيها ـ تحت التلويح بعصا وقف المحادثات كل مرة ـ لدمقرطة المؤسسات التسييرية في الدولة التركية ودفع تركيا لحل جميع مشاكلها العالقة مع داخلها أو محيطها القريب والتخلص من الإنقياد للمؤسسة العسكرية وتدخلاتها في كل شاردة وواردة في الدولة...فهل تنجح أوروبا في ذلك؟.
الأرجح أن المحاولة الأوروبية هنا لازمة وضرورية وهي أفضل وأجدى بكثير ـوبما لايقاس ـ من التمجيد المجاني الذي يكيله أمثال السيد برنارد لويس ومن وراءه متخذي القرار في الإدارة الأميركية للديمقراطية التركية الكاذبة والتي تخفي ورائها وجهاً كولونيالياً قبيحاً، وذلك كله دون أن تكلف نفسها عناء الضغط عليها أو تشجيع المطاليب الديمقراطية فيها...
صحافي كردي مقيم في ألمانيا
[email protected]















التعليقات