نعم هو زلزال و ليس انفجار، فالذي حصل لا بد أن يوصف بالزلزال، و لا بد من تشكيل فرق طوارئ مهمتها مواجهة ارتدادات هذا الزلزال الذي ضرب منطقة فينيسيا .
فالإرتدادات قد تكون أخطر من الحدث نفسه، فالذين خططوا له ونفذوه ارادوا اكثر من اغتيال الرئيس الحريري، فقد ارادوا اغتيال لبنان من جديد و إطلاق رصاصة الرحمة عليه بعد أن كاد يتعافى من الطلقات التي أطلقت عليه خلال ربع قرن مضى، هذا إذا لم نقل أنه تعافى منها كليًا . لكن السؤال يبقى ما الذي يتوجب على فرق الطوارىء أن تواجهه ؟؟؟؟
فالذين وراء ما حصل أرادوا من جملة ما أرادوا :
اولا: التخلص من الرجل الاول في لبنان الذي أثبت قدرة غير مسبوقة في التحكم بالشارع اللبناني ( او ما تبقى منه) وبالبيت اللبناني ككل؛ فهو رجل الموالات و مؤسس السياسة اللبنانية الحديثة، و عراب الطائف، و المواقف الدولية الداعمة للبنان، و هو رجل المعارضة و مؤسس الخط الداعي الى استقلال القرار اللبناني، و هو الرجل المعتدل الذي استطاع أن يجمع حوله المواقف اللبنانية كافة بسبب هذا الإعتدال .

ثانيًا: استغلال الموقع الدولي للرئيس المغدور لخلق نوع من البلبلة في منطقة الشرق الاوسط باعتبار لبنان صمام امانها،و منطلق كل الشرارات التي تشعل المواقف و القرارات في ظل النظام الدولي الجديد .فقد كان الرئيس الراحل صلة الوصل بين جميع دول القرار التي لها مصالح في المنطقة و التي كانت مواقفها المتعلقة بلبنان تمر بقريطم قبل القصر الجمهوري .

ثالثًا : زج إسم سورية بأنها كانت وراء هذه العملية فما هو إلا لخلق بلبلة على الصعيد الاقليمي ثم الدولي ، حتى تبدو وكأنها المسبب الاول و الاخير للذي حصل و سيحصل، لكن اذا اردنا الغوص في هذا التفصيل فنجد انه لا يوجد مصلحة لسورية في هذا، فكأن من نفذ هذه العملية الجبانة قلب ما تبقى من الشارع اللبناني ضد الوجود السوري، حتى وصل الامر في الايام الأخيرة الى ملاحقة العمال السوريين وإلى التعدي عليهم في كل من بيروت و صيدا و كأن تحرير لبنان يبدأ بالتخلص منهم .
و هنا تجدر الاشارة الى ان علاقة الرئيس الراحل بسورية كانت حتى لحظة استشهاده اكثر من ممتازة، و ذلك على الصعيدين الشعبي و الرسمي، و هذا ما عبر عنه غالبية رجال القرار السوري لدرجة ان التمثيل الرسمي السوري كان على مستوى نائب الرئيس عبد الحليم خدام ،و اعتقد لو ان الاوضاع الامنية تسمح لكنا رأينا الرئيس السوري في مقدمة المشيعين .

رابعًا : إن من نفذ عملية الإغتيال في منطقة فينيسيا بالذات اراد أن يوجه رسالة الى اللبنانيين جميعًا، ويعيدهم بالذاكرة الى ما حصل قبل ربع قرن اي انطلاق الحرب الاهلية حيث كانت هذه المنطقة شهدت انطلاق الشرارة الاولى للحرب اللبنانية، التي قسمت لبنان دويلات طائفية و مذهبية و كأنه مكتوب ان لا يستفيق لبنان ابدا من هذا الحلم المزعج الذي يؤرق نوم الكثيرين منا، كما ان هذه المنطقة شهدت دخول الرئيس الراحل الى منتدى السياسة اللبنانية من بابها الواسع فكانت قاعدة الانطلاق و نقطة الوصول. فقد كانت هذه المنطقة ولا زالت قلب لبنان النابض .

و هنا لا بد من ان نشير الى ان عملية الاغتيال هذه، هي اكثر من عملية التخلص من شخص الرئيس المغدور بل هي محاولة للقضاء على خط سياسي بكامله، فتيار المستقبل مهدد الان وموضوع تحت المجهر من خلال الامتحان الصعب الاتي، لكن من سيكمل المسيرة موجود والقاعدة الشعبية موجودة، و رئيسها الجديد (الشيخ بهاء النجل الاكبر للرئيس الراحل) تمت مبايعته من قبل الجميع ابتداءً من الرئيس الفرنسي، الى نائب الرئيس السوري، الى زعماء المعارضة، الى الحكم متمثلا بوزير الداخلية الذي اتصل (بالشيخ بهاء ) ليستأذنه المشاركة في مراسم التشييع، وصولا لكل الوفود والشخصيات الدولية و العربية. اما عن القاعدة الشعبية فقد اتسعت و ضمت الذين كانوا على الحياد و اخرين كانوا مجرد متعاطفين، وهنا يطرح السؤال نفسه هل سيستطيع ورثة الحريري الحفاظ على موقعهم الحالي ضمن المعارضة، ام اننا سنشهد في المرحلة التالية الضربة الثانية لتيار الحريري بخلق بعض الفروقات في الخطاب السياسي بينهم و بين المعارضين الآخرين (خاصة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط) فيما يتعلق بالموقف حيال سورية ؟؟؟