اعتاد الناس في شرقنا المتوسط طوال خمسينات القرن الماضي على مفاجآت افتتحت بها راديوهاتنا برامجها الصباحية بمارش عسكري تتوتر مع تكراره وانعدام البرامج الأخرى وصمت المذيع أعصابهم وتكثر تخميناتهم، وسط غياب وسائل الاتصال والإعلام التي نتمتع اليوم بخدماتها الجليلة الفائقة السرعة، وما يلبث المذيع الذي غالباً ما كان مثله مثل الحائرين خلف ترانزيستوراتهم ينتظرون الـ (بلاغ رقم واحد)، لا يعرف مما يدور حوله إلا الانصياع لأوامر من احتل مبنى الإذاعة والتلفزيون وتوجه إلى الآمنين في بيوتهم وأعمالهم بما يفيد بأنه (بعد الاتكال على الله والشعب قامت مجموعة "كـذا" مسنودة بـ فرقة "كـذا" بحركتها الإنقلابية لـ " تخليص البلاد من ... وتحقيق أحلام الشعب بـالحرية والديموقراطية والعدالة وبمحاسبة الفاسدين" ...) ولضمان الهدوء لا بد من منع التجول والتجمع والحديث في الأمور السياسية تحت طائلة العقوبة، ريثما يلقى القبض على أعداء الأمة.
وقد خبر الناس الإذاعة والبلاغ رقم واحد والسلطات الإنقلابية على عتبة حركاتهم وبعدها وصولاً إلى ما يهيء المناخ لحركة انقلابية جديدة على الإنقلابيين تبدأ أيضاً بالـ (بلاغ رقم واحد) الذي يعلن المخلصون الجدد فيه برنامجهم بعد (الاتكال على الله والشعب) !
كانت القوات العسكرية في تلك الأيام محدودة العدد والعدة وكانت الحراسات شبه معدومة ما عدا أجهزة القمع الفكري والسياسي التي كانت دوماً جاهزة للمفاوضات على صفقات تبادل المنفعة، إضافة إلى ما لا تتجاوز قدرته الحفاظ على الهيبة من عناصر الدرك .. لذا فقد كانت خطورة القيام بانقلاب اعتماداً على جزء يسير من هذه القوات جدّ محدودة.
وكم من مرة تبادل هواة الإنقلاب أدوارهم فتتالت الوجوه بالتناوب، وكم من مرة دخل من النافذة من أخـْرِج من الباب إلى أن ذهبت في مهب الريح هيبة السياسة والسياسيين .. الشهود على ذلك العصر الـ (تـَنـَكــِيّ ) في عقودهم الخامسة والسادسة وبعضهم في السابعة يحدثون الأبناء والأحفاد بأسى وخجل عن تلك الحقبة ويحملونها أوزار خطايانا اللاحقة والحالية وعرجنا في السير إلى الأمام. ولأن كل شيء في حياتنا تغير بفعل الرياح التي ماهدئت يوماً أصبحت فكرة الإنقلاب مستبعدة وإمكانية انبثاق العهود الجديدة عن طريق الـ (بلاغ رقم واحد) مستحيلة في أيِّ مسرح في منطقتنا العليلة.
فعلى الرغم من أن الكثير من أمراض الماضي جاءتنا في جلابيب آبائنا التي نعتز بحفاظنا عليها تراثاً للخصوصية والتفرد إلا أن للعالم الآن معايير لا تستطيع معها تلك القرى ضرب جدران من الانعزالية حول أجسادها الهزيلة بعيداً عن مرأى ومسمع شعوب وهيئات العالم المختلفة.
حدث الرابع عشر من فبراير جلل .. وما كان ليحدث لو أننا نعيش في عهود البلاغ رقم واحد. كان الأوفر حظاً من عناترة الساحة، وربما لا يكون بينهم من أحزنه الحدث، سيستغله ويـ (طـَبـِّق) حفنة من الضباط و (يتكل على الله والشعب) ويتوجه إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون ليذيع (البلاغ رقم واحد)! أما اليوم فإلى أي تلفزيون سيذهب الإنقلابيون؟؟ وهل يقنع البلاغ رقم واحد أحداً.
ما حدث في لبنان دليل كاف على سقوط لا يقبل الرجعة لمبدأ الإنقلاب على السلطة عن طريق القوة والبلاغ رقم واحد. إنه استفتاء شعبي في أكثر اللحظات صدقاً في التعبير والاصطفاف على شرعية ممثليهم بطريقة سلمية متحضرة بعيدة كل البعد عن العنف والقمع والإرهاب والترغيب والانتهازية. إنه ببساطة محاكمة مدنية متحضرة لمن يفترض أن في قمة مسؤولياته الحفاظ على أمن الوطن وسلامته وحياة المواطنين وكرامتهم وقد بيـَّن الحدث عجزاً وقصوراً نخشى أن يكون متعمداً في بعض جوانبه.
فكيف تتهم الجماهير الشعبية، في لحظات حزنها على الوطن والشهداء وأسفها على فقدان واحد ممن تبادل الثقة عميقها معهم بخلاف الكثيرين، كيف تـُتـَّهـَم بالتآمر والسعي للإنقلاب ونشر الفتن !!
ألا تمثل كل الوطن الجماهير التي شيعت الحريري ومن مات معه وأبـَّنت الشهداء برؤوس مرفوعة وقامات شامخة كالأرز تنتفض تعبيراً عن الاستياء من استمرار حالة الظلم والإصرار على التخلص منها. إنها الجماهير وجهاً لوجه وليس عن طريق الممثلين تقول بأعلى صوتها "لا" للظلم و"لا" للطائفية وألف نعم للحرية والعدالة والمساواة.
في الشارع اللبناني ضاع الفرق بين البسطاء والزعماء .. فالكل يذرف والكل يرفع قبضة ويصرخ لأن الكيل قد طفح!
على شاشة إحدى القنوات الفضائية اتهم أحد حاملي آفة عهود الإنقلابات الشارع اللبناني، والذي سميَّ ظلماً معارضة، بأنه يتلقى أوامر من الخارج .. غريب أمر هذا الشارع الذي يتحرك بمئات ألوفه لا بل بمليونه بأوامر من الخارج! ألهذا الحد تصل هشاشة هذا الشارع و (عمالته) ؟! .. وهل يريد المتهـِمون القول بأن البكاء على رفيق الحريري ومن استشهد معه ومن تأثر لكرامة الوطن وأمنه جاء بإيعاز ؟؟ .. أم أن في الشارع اللبناني مليون عميل ومأجور ؟!.. وإذا كان الوضع هكذا فعلى ماذا يراهن (العقلاء)؟!.
ليس الشارع اللبناني معارضة وليس النواب الذين اعتصموا أمام مبنى البرلمان معارضون .. إنهم أبناء لبنان الصادقون الراغبون بالحرية والسلم والعدل والتقدم والطامحون إلى بناء وطنهم رغم أنوف الحاقدين.
المعارضون هم من يقف بعكس إرادة أبناء الوطن ..
المعارضة هي التي تسلب المواطنين حريتهم وحقوقهم المشروعة في العيش بكرامة وتقطع عليهم طريق البناء والتقدم.
المعارضة هي الهيئات التي تفتقر إلى ثقة الشارع ومازالت تخدع أبناءه وتطعنهم ببرودة قلب وتضرب عرض الحائط بمصالحهم وبمستقبلهم دون أي حس وطني أوشعور بالمسؤولية.
لقد تحرك الشارع اللبناني الوطني الصادق بعفوية بعيدة عن حسابات وترتيبات تجار القضايا والشعارات والمراهنات وحرة من الانتماءات الضيقة والأنانية ولن يتمكن أحد من إخماد ثورته .. ولم يبق للمعارضة الحكومية المهترئة سوى الاستسلام !
وبما أن (رجالات) العهد مازالوا يحنـُّون إلى بيئة وتعبير (الإنقلابات) بدليل إلصاق زعيم المعارضة الحكومية (ع. ك.) التهمة بالوطنيين فهل ينجح و(قواته) بحركة منازعة من هذا النوع يكون بلاغها الرقم واحد:
(بعد الاتكال على .... و .... قامت قوات .. و .. باحتلال "ساحة الحرية" لتخليص لبنان من شعبه المنتفض) !!
ألف تحية لأبطال إنتفاضة لبنان الوطنية الكبرى
















التعليقات