ليس أسخف من السلطة اللبنانية الا دعوتها المعارضة الى الحوار بعد مقتل الرئيس رفيق الحريري وحديثها عن إصلاح العمل السياسي في لبنان، الذي لا يبدأ الا بإستقالتها ومحاكمة رموزها بدءا برئيس التمديد العتيد إميل لحود "موغابي". فلا حوار مع قتلة ولا إصلاح سياسي بمشاركة المفسدين الذين تلوح منهم روائح كوبونات النفط الصدامي وتلمع اياديهم بما ابيض من أموال غسلوها بالباقي من ماء الوجوه.
لا حوار مع هذه السلطة ولا تنازل في وجه طغيانها السخيف وصغرها اللامتناهي أمام اسئلة الوطن والحرية والسيادة والاستقلال. فهذه السلطة ما زالت تتعامل مع الشارع اللبناني بمنطق ما قبل جريمة الرابع عشر من شباط وما قبل إنتفاضة 16 شباط التي مشت خلف نعش شهيد الاستقلال رفيق الحريري. وهي لا تتقن الا اللعب بقواعد السياسة المحلية اللبنانية والاعيب الزواريب وتسالي الصغار وتعجز عن رؤية جيل جديد من الشباب اللبناني تظاهر منه عشرات الالاف في ساحة الشهداء رافعين لواء الحرية والاستقلال وداعين بالفم الملآن الى الخروج السوري من وطنهم. هذا الجيل الذي انضم بمسيحييه ومسلميه ودروزه الى شعار واحد هو العلم اللبناني وملطب سياسي بسيط هو العيش بكرامة في وطن حر مستقل.
لكن هيهات ..... فهذا حكم يدفن رأسه في تراب الجريمة ويظن أن أحدا لا يراه، وحكم يحترف تصدير ابنائه الى العالم نتيجة فشله في التنمية فيما يعود ويضع البلد في حال عداء مع كل العالم الذي يطالب معنا بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وتحقيق دولي لكشف قتلة الحريري.
هذا حكم لن تؤدي ممارساته الا الى اضعاف المقاومة وتحويلها الى عصابة مطاردة فيما نريد لأبطال المقاومة ما نريده لكل لبناني من عزة وكرامة ونريد لهذه المقاومة أن تنخرط معنا في جني نتائج التحرير وثمار السلم والازدهار والتقدم وأن تكون شريكا كاملا في صناعة سياسة البلد، لأن المقاومة التي بلا أفق سياسي تتحول الى مشروع انتحار مجاني لا نريده ولا نبتغيه. نريد مقاومة تدرك أن الافق هو للحياة لا للموت وان الصراع ليس قدرا لفئة دون غيرها ولا لشعب دون غيره ولا لدولة دون أخرى. فكفى يا دولة النفاق متاجرة بدماء الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن الوطن وطننتي أنه دفاعا عن كراسيك وموقعك التي تصغر اليوم بمحتليها، كفا بيعا وشراء بالشباب اللبناني الذي إستشهد بعضه لأجل أن يحيا بعضه الاخر حراً كريما. وكفى متاجرة بالأخوة والتنسيق مع النظام السوري الذي صفى من القيادات اللبنانية أكثر مما فعلت إسرائيل. من مفتى الجمهورية اللبناني حسن خالد الى دولة رئيس مجلس الوزراء رشيد كرامي الى نائب بيروت الفذ ناظم القادري الى رئيس وحد لبنان رينيه معوض الى آخر لائحة تطول وتطول كانت فيها البندقية السورية موجهة الى جبين لبنان فيما ينعم الجولان ببرودة وقف اطلاق النار.
لقد طالبنا منذ زمن بعيد بإنسحاب سوريا من لبنان حين كان متاحا لها إنسحاب غير مهين أم اليوم فنطلب إنسحابا سورياً من سوريا لأننا نريد للشعب السوري ما نريده للبنان من عزة وكرامة كما قال مانفيستو الاستقلال اي بيان المطارنة الموارنة في ايلول 2000. نريد أن نحيا وتحيا معنا سوريا ونبني معا مستقبلا عربيا رحبا، لكن إذا اراد هذا النظام الانتحار فليمت وحيداً وليدعنا نعيش حلما عربيا ديمقراطيا ملتصقا بالاصلاح والحداثة والازدهار والتقدم وكرامة الانسان. لقد جعلتنا العروبة الدكتاتورية نكفر بكل مواصفات الاخوة الكاذبة وبكل خرافات الوحدة السخيفة وبكل الشعارات التي يفترض ان تكون الأفق السياسي لأي مشروع عربي حضاري. لكن حين تكون السجون أكثر من مراكز البحث وحين يكون العقل تهمة والتفكير خيانة والتغيير جريمة، فبئس العروبة وبئس الأخوة.
ليعلم الحكم اللبناني التافه كما سماه غسان تويني ان الاعيب الحوار واللجان الوطنية وتمييع المواقف وتطويق الارادات قد ولى. إنه زمن للشارع الحديث والحضاري المرتبط بكل القيم الانسانية النبيلة والمتطلع الى كل الانجازات الجبارة التي حققتها الشعوب بالعمل الدؤوب وليس بالكرامة، بالاجتهاد وليس بالتزلف، بالحكم الرشيد وليس بإغتصاب السلطات والدساتير. وليعلم الحكم اللبناني أن رياح التغيير التي تهب على المنطقة لن تترك صغار القوم يتحكمون بشعب كريم وكبير كالشعب اللبناني ولن تترك حكماً أقلوياً مجرماً كالحكم السوري في دمشق. إنه زمن كريم للكرماء وعظيم للعظماء وزمن نحيا فيه بالحرية وحدها كإنجاز إنساني لا يرقى اليه إنجاز. لأنه بالحرية وحدها يحيا الانسان