صورّ المرشحين للإنتخابات البلدية التي تتحشد في الشوارع بشكل استفزازي ولافت ليست مجرد علامات فوتوغرافية أو وجاهية، ويفترض ألا تكون كذلك، أي ألا يتم التعامل بدلالات كثافتها كإكسسوارات مصاحبة للتظاهرة الإنتخابية، سواء من قبل المرشح أو الناخب، فالصورة قيمة ثقافية على درجة من الأهمية، وفي الأساس هي لغة، ولها سلطة تغييرية ينبغي تحليها، برأي رولان بارت، الذي يعتقد بأن القيمة الدلالية للصورة تتصعّد حين يتعلق الأمر بالشأن الإنتخابي، إذ تتقوّض اللغة أو تتضاءل أهميتها لصالح الشكل وسطوته، فالصورة أقدر بكثافتها على بث الرسالة دفعة واحدة ودون شروحات، والنفاذ إلى النظام الرمزي للمجتمع.
هكذا يتعمد المرشح التدليل بالصورة وكنائيتها على أحقيته بالتفويض الجماهيري لتمثيله في المجلس البلدي، فهو لا يقوم بعرض برنامجه الإنتخابي بشكل اعتباطي ليتم تداوله بالقبول أو الرفض وحسب، بل يشيع طقسا احتفاليا يخاطب به العقول والأهواء في آن، وتلعب فيه الصورة دورا مركزيا، من خلال فاعلية مدروسة يتم بموجبها التاسيس لصلة شخصية بين المرشح وناخبيه، وعليه يفترض أن يكون شكله كما يتمثل في الصورة الفوتوغرافية متوائما مع ذهنية ونفسية المنتخبين، بمعنى أن يحقق اختراقا عموديا وأفقيا داخل المزاج الشعبي والميول الفردية، أي أن يقوم شكله المتصوّر - المعدّل فوتوغرافيا - بإحداث التماس مع ما تراضى عليه المجتمع، وما يفترض أن يلبي فرادة كل ذات على حدة، فهو المنقذ الذي أعاد تكييف شكله - كمنقذ - الأمر الذي يؤكد أن أغلب صوّر المرشحين خضعت لتحكيك وإضافات بعيدة عن الأصل، ومغايرة حتى للصورة النمطية كما اعتاد المرشح التمثل اليومي بها.
الصورة خطاب على درجة من التأثير، ويبدو أن المرشحين أتقنوا هذه اللعبة بشكل سريع، وبحرفية عالية، وقد استطاعوا حقن صورهم بأكبر قدر من مؤثرية العلامات الدالة على التقوى والكفاءة والمهنية والجدية والنزاهة والوضوح والمواطنة، ونجحوا في التماهي بمستويات متعددة من الصّور، ربما نتيجة تدني منسوب الوعي الشعبي بمعنى الإنتخابات، أو اعتياد الجمهور عموما على الإنخداع بكل ما هو شكلاني، وليس بسبب الوعي المضاعف عند المرشحين، حيث الرهان مثلا على توليفة من اللباس التي تحيل إلى دلالات إجتماعية ودينية وقبلية وطائفية وفئوية وحداثية، فكل مرشح أراد القول - عبر صورته المدبرّة بعناية - بأنه يشبه ناخبيه، وينتمي بشكل أو بآخر إلى نسيجهم الإجتماعي، بل هو أقرب إلى أعرافهم وسلوكهم وعاداتهم.
كل تلك الصوّر أرادت أن تعكس شيئا من المصداقية، وتبث جملة من الوعود عبر اشارات مختزنة في الصورة، وهي وعود غير عقلانية، ولا أخلاقية أصلا، ما دامت تتأسس ضمن حاضن سياسي تعبوي، وتتكثف بشكل توفيقي أو تلفيقي داخل " وعاء اجتماعي " فهي حسب الاعتقاد البارتي " تصوارية إنتخابية " فالصورة هنا ملزمة بمخاطبة عناوين معيارية ذات صلة بقدسية الأسرة والمجتمع والعرف والدين والقبيلة والفئة، وبالتالي لا بد أن تكون على درجة من الكفاءة لتقهر كل التمثلات الموضوعية والخبرات المهنية، ويكون يمقدورها تبديد شعارات الكفاءة والمواطنة والنزاهة ونصرة الكادحين وشرف التكليف إلى آخر العبارات التي تتفشى ضمن هذا المناخ الدعائي.
إذا، دخلت الصورة الإنتخابات البلدية كأيدلوجيا، وقد حاول المرشحون توظيفها بأقصى ممكناتها التأثيرية، لدرجة أن بعضهم أبدى استعدادا للخضوع إلى لغة " التنميط " والإنصياع إلى طبيعة العلاقات المعرّفة والمتواطأ عليها إجتماعيا، فقد حاول كل مرشح أن يشبه ناسه أو يتشبه بهم، حتى وإن انطمس برنامجه الإنتخابي تحت وطأة الصورة وسلطتها الإشارية، فيما يبدو تهابطاً صوب مزاج المنتخبين، وابتزازا لميولهم الجاهزة على الدوام للتعاطي مع الشكل، وليس مع واقعية المرشح وبرنامجه الانتخابي، فالفوز بالمقعد البلدي وثيق الصلة ببطولة شكلانية، أو هذا ما أفصحت عنه الجولة الأولى في الرياض، حيث انهزمت الخبرات والمهنية أمام مسحة التقوى وسطوة الشكل.
هكذا بدت صوّر المرشحين في إشاراتها المكثّفة للجمهور بما هو المعادل لتوليفة إجتماعية هلامية، فالمرشح الذي نال استحقاق التفويض أو يكاد، إنما خاطب تلك الكتلة البشرية من خلال مزاجهم، وبتأوين نفسه داخل منظومة قيم رمزية على درجة من الإتساع أو الرخاوة بمعنى أدق، وراهن على إسماعهم أصواتهم عبر صورة تخفي نواياه قدر الإمكان، وتبين عما يتأملونه فيه فالصورة هنا سلاح ثقافي أجاد البعض استخدامه كمظلة نفسية للناخبين، ليوهم جماهيره بأبوة أو أخوة حتمتها ضرورات السباق نحو المجلس البلدي.
فجأة تعبأ المرشحون في صوّر، بما هي الحامل الجمالي لجملة من المعاني المنبجسة من عين مرشح حالم وواعد بمستقبل وردي مثلا، أو عبر إبتسامة مستزرعة بصعوبة على شفاه مرشح آخر يبدو أنه لم يبتسم منذ زمن، ومن خلال نظارة طبية أنيقة تخبئ خلفها عيون مرشح متحاذق يجهد لتكون نظرته ثاقبة، أو كما تبدو في الشماغ المركب بحرفية على جمجمة لا تطيقه، وكذلك في الغترة المنسدلة على الصدر دون عقال، أو المشالح التي توحي بالرفعة والثراء وحكمة الشيوخ، حتى اللحية المرسلة التي تحيل إلى كائن زاهد متعفف، أو الوجه الحليق، الذي يخلو حتى من الشارب المبشر بالحداثة والمدنية، فكل هذه العلامات كانت مركبات عضوية في معركة الإنتخابات البلدية، وقد أريد لها أن تعمل كمؤثرت في وعي ولا وعي المنتخبين لتزف إلى المجلس البلدي بطلا شكلانيا معفى من المساءلة عن برنامجه الإنتخابي.
كاتب وناقد من السعودية
[email protected]
www.m-alabbas.com















التعليقات