شاركت المرأة العراقية بشجاعة وكثافة في الانتخابات الأخيرة، مثلما كان لها دور ملموس في صد ودحر القرار 137 القاضي بإلغاء قانون الأحوال الشخصية لسنة 1959 ومحاولة استبداله بما يدعى "حكم الشريعة".
لقد عانت المرأة العراقية الكثير جدا في الثمانينات والتسعينات، مع عواقب الحروب المحلية والإقليمية والمغامرات العبثية، والمقابر الجماعية، وحلبجة والأنفال، ألخ. وفي منتصف الثمانينات أصدر صدام وصاياه وفتاواه عن وجوب بقاء المرأة في المنزل حتى لو كانت طبيبة ومهندسة بحجة إمكان ممارسة العمل نفسه في البيت. ومع الحملة الإيمانية التي غذت التطرف والتزمت الدينيين من النمط الوهابي وخصوصا كنتيجة لما تعرض له الشيعة من انتهاكات وظلم رهيب وعدوان على المقسات، صعدت موجة غير مسبوقة في العراق من التدين المبالغ فيه والمتزمت، والتي استغلتها بعد سقوط صدام الأحزاب والمرجعيات الإسلامية. وأذكر أنني عندما كنت في كلية دار المعلمين العالية في أواخر الحرب العالمية الثانية وبعد الحرب لم تكن في الكلية طالبة محجبة واحدة. أمام اليوم فيا للعجب!! بعد أن حول الإسلام السياسي موضوع الحجاب إلى سلاح سياسي للهيمنة على المواطنين والشارع.
لقد كانت حرية المرأة وحقوقها الهدف الأول لسهام الأحزاب والكتل الإسلامية السياسية بعد سقوط الفاشية، وطوردت السافرات حتى المسيحيات منهن، وارتفع شعار "السفور فجور"، وتبارى المعممون في استباحة الكليات والمستشفيات، مستغلين الفراغين الأمني والسياسي والأخطاء الأمنية الفادحة للقوات الأمريكية في الأسابيع الأولى. وبعدئذ جاء القرار 137 ليكون بداية لفرض نظام حكم الشريعة، أي النظام الإسلامي؛ ولكن الهجمة قوبلت برد شجاع وواع، دون أن يعني ذلك تخلي الإسلام السياسي عن هدف قيام نظام إسلامي بأية صيغة كانت. ومن هنا فسوف تكون كتابة مسودة الدستور الدائم محورا لمعركة فكرية واجتماعية وسياسية كبرى ما بين خيارين: إما نظام ديمقراطي يقوم دستوره على مبادئ وقيم الإعلان الدولي لحقوق الإنسان وعلى مبدأ فصل الدولة عن الدين، وعلى الفدرالية؛ وإما مساعي إقامة نظام ديني بالتدريج وبأساليب مراوغة، [ وبرغم التصريحات التكتيكية غير الجدية!]، فتكون كارثة للعراق وللمرأة العراقية بوجه خاص.
إن من المؤلم تراجع الوعي لدى النساء العراقيات، وحتى شرائح واسعة من المثقفات والسياسيات منهن، كما لاحظنا في تصرف بعض عضوات مجلس الحكم والوزيرات، وكما تفكر كثرة من الفائزات بمقاعد في الجمعية الوطنية من أن المساواة بين الرجل والمرأة منافية للدين وأن الرجال قوامون على النساء. وفي هذه الحالة فقد تتحول كوتا الخمسة والعشرين بالمائة لنوع من "الديكور المضلِّل!!
إن عملا كبيرا جدا مطلوب من الأحزاب الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني ومنظمات النساء ومن النساء الواعيات بشكل خاص لنشر ثقافة حقوق الإنسان بين المواطنات والمواطنين، والتذكير بالعشرات من القرارات والاتفاقات والتوصيات الدولية لصالح مساواة المرأة، وضد كل أشكال التمييز بينها وبين الرجل. وعلينا الاستشهاد بالدستور التونسي وقانون تونس للأحوال الشخصية، الذي يفرض الشروط والضوابط الصارمة للزواج والطلاق، كما يمنع تعدد الزوجات.
إنني على يقين من أنه في نهاية المطاف سوف تنتصر راية حقوق المرأة وحرياتها وحقوق الإنسان العراقي في ظل نظام ديمقراطي وفدرالي وعلماني مدني عصري
- آخر تحديث :
















التعليقات