أدق التعريفات المعجمية لمصطلح (سياسة) تقول : أنها (فن الممكن) والتعامل مع الواقع حسب ما (يمكن) تحقيقه لا ما (يجب) تحقيقه . هكذا فهمها وتعامل معها السياسيون العظماء الذين خلدهم التاريخ منذ أن كتب التاريخ وحتى اليوم...قراءة الواقع السياسي بموضوعية، و فهمه واستيعابه، ومن ثم (توظيف) العوامل المتحكمة في تسييره وتوجيهه، لتدعم أهدافك وطموحاتك وغاياتك السياسية هي (الآلية) التي أثبتت التجربة التاريخية أنها بمثابة (شرط الضرورة) للسياسي الناجح . فالتعامل مع الواقع السياسي بمنطق (ما يجب أن يكون) شيء، وبمنطق (ما هو كائن) شيء آخر، والفرق بينهما هو بمثابة الفرق بين التفكير الرغبوي و التفكير الواقعي .
اضطررت للبدء بهذه (المقدمة) النظرية وأنا أزمع الحديث عن الأزمة السياسية الخارجية التي تمر بها سوريا؛ والتي تكاد أن تدخلها، وتدخل معها المنطقة برمتها، إلى أجواء شبيهة بالأجواء التي سبقت غزو العراق من قبل القوات الأمريكية والبريطانية وحلفائهما .
فمن قراءة للواقع السياسي اليوم يتضح لك بكل جلاء أن العالم من أقصاه إلى أقصاه تتحكم فيه الولايات المتحدة (منفردة)، وتضطر دول العالم (مرغمة) ، بما فيها دول الاتحاد الأوربي وروسيا والصين أيضاً، إلى مسايرتها والإذعان إلى متطلباتها بأقل قدر من الخسائر . هذه هي إحدى (الحقائق) السياسية الثابتة اليوم التي لا مجال إلى تجاوزها والقفز عليها بحال .
القرار الأممي 1559 هو في نهاية الأمر قرار أمريكي بتوافق فرنسي . وهو عند التدقيق ورصد الأغوار تنفيذ عملي لقانون (محاسبة سوريا) الذي وافق عليه الكونجرس الأمريكي قبل ما يقرب من السنتين . وكان من المفروض أن تتنبه سوريا (مبكراً) إلى أن هذا القانون بمجرد موافقة الكونجرس عليه سيسلك حتماً مسالك أخرى للتنفيذ، وسيتخذ الصفة (الأممية)، ليتبناه مرغماً المجتمع الدولي، وتضطر سوريا في النهاية إلى تنفيذه ، وإلا فالانتحار السياسي .
هنا كان من المفروض أن يصبح الدور منوطاً في الدرجة الأولى بالدبلوماسية الخارجية السورية، للعمل الجاد والدؤوب مع الدوائر السياسية المؤثرة في الولايات المتحدة، وكذلك فرنسا، لترطيب الأجواء وتطويق تأثيرات هذا القرار قدر الإمكان ، وفي الوقت نفسه العمل مع القيادة في دمشق، وإيضاح الصورة لهم، للاستعداد والتهيؤ لمواجهته. غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث . فقد كانت الدبلوماسية السورية تعمل بمعزل عن المستجدات السياسية التي شهدها العالم، وكأنها ما تزال في أجواء الحرب الباردة . ولم تكتف القيادة السورية بالتنديد بالقرار، ورفضه، والإيعاز لحلفائها في لبنان بتبني هذا الموقف الرافض فحسب، وإنما سلكت أيضاً موقف (المتحدي) للقرار، متسلحة بالكثير من (الشعارات)، والقليل من (العقلانية)، عندما فرضت التجديد للرئيس لحود بالقوة، واضطرت الرئيس الحريري للاستقالة، وجاءت بحكومة لبنانية ضعيفة موالية لها، لتضع لبنان وسوريا،بل والمنطقة بكاملها، فوق (برميل بارود) يبحث عمن يُشعله . اغتيال الرئيس الحريري ـ بغض النظر عن المسؤول ـ كان الانفجار الذي أدى إلى إدخال سوريا ولبنان في نفق خطير لا يمكن لأحد أن يتنبأ إلى أين سيقود المنطقة بكاملها .
وفي تقديري أن الانسحاب السوري الجاري الآن من لبنان لن يحل المشكلة، فقد جاء متأخراً كثيراً، وفي الوقت ذاته ليس ثمة ما يُطمئن المجتمع الدولي أن دمشق ستكف عن التدخل في الشأن اللبناني؛ لا سيما وأن البيان الذي صدر عن (المجلس الأعلى السوري اللبناني) الذي اجتمع في دمشق يوم الاثنين الماضي كان فد نص على أن الرئيسين السوري واللبناني يحترمان (جميع القرارات الصادرة عن الشرعية الدولية بما فيها القرار 1559 )، لتأتي مظاهرة (المولاة)، المدعومة كما هو معروف من السلطات في البلدين، بعد أربع وعشرين ساعة فقط من صدور هذا البيان، لتعلن (رفضها) للقرار 1559 الذي قبلته يوم أمس ؛ فأيهما نصد ق (بيان) المجلس أم (شعارات) المظاهرة؟ .
الأمر الآخر الذي يؤكد عدم جدية السلطات اللبنانية في التعامل بموضوعية مع قرار مجلس الأمن، كان قرار الرئيس لحود بإعادة تسمية الرئيس عمر كرامي (المستقيل) مرشحاً مرة أخرى لرئاسة الوزراء، في (تصعيد) غريب ليس له ما يبرره سياسياً .
كل ذلك يدلُ ـ للأسف ـ أن القيادة اللبنانية، ومن ورائها القيادة السورية، مازالوا لم يستوعبوا مدى الخطر المحدق بسوريا ولبنان والمنطقة، فالقضية على ما يبدو ليست في تصورهم (سوى) صراع بين (المعارضة) و (الموالاة) في الداخل اللبناني، وليست صراع بين (المجتمع الدولي) الذي تقوده الولايات المتحدة من جهة وبين سوريا من جهة الأخرى... وأرجو ألا ينخدع صناع القرار في سوريا ولبنان بالمظاهرات الحاشدة التي ظهرت في بيروت يوم الثلاثاء الماضي موالية لهم، وشاجبة للقرار 1559؛ فقد (عاصرنا) مثل هذه المظاهرات، وربما أكبر منها عدداً، في كثير من عواصم العالم، وليس في بيروت فحسب، قبيل غزو العراق، لكنها في النتيجة لم تغير من الواقع شيئاً، ولم تحل مشكلة النظام الذي كان حاكماً في العراق . فالعالم الجديد لا ينصاع إلى (هتافات) الشوارع إلا بالقدر الذي تكون فيه هذه (الهتافات) تتناغم مع إيقاعاته ومصالحه وتوجهاته تماماً مثلما كان الأمر في (أوكرانيا) ومن قبلها (جورجيا) . هذه هي الحقيقة التي أعرف أنها كالعلقم المر، ولكن لا مناص من التعامل معها بواقعية.