عندما قتل أبو أنس الشامي في الفلوجة، كان بانتظار الخبر حشد من المؤيدين الذين لم تسمح لهم ظروفهم بالسفر إلى الجهاد في العراق فقرروا التقاطر على منزله في مدينة الزرقاء الأردنية لإقامة حفلة عرس تليق بمجاهد قضى من عمره وطرا ً يذبح العراقيين بيديه ويلقن أميره أبو مصعب الزرقاوي فتاوى الجهاد. كان منزل الشامي قد ضجّ بالمهنئين لاستشهاده!! ووقفت طوابير طويلة أمام الدار تنتظر دورها، أما أهله فاكتفوا بالهلاهل تعبيرا ً عن فرحهم بالنبأ الذي سيدخل الشامي ويدخلهم إلى جنة الرضوان.
بالطبع ليس مهما ً في السطور السابقة أن يكون ضحايا الشامي من العراقيين أو الأمريكيين، فالكل سواسية في حفلة الجهاد التي تصدى لها قادمون من وراء الحدود تشيعهم فتاوى آخرين يظهرون كل يوم من على شاشات القنوات الفضائية أو الكثير من الصحف العربية. ليس مهما ً أبدا ً حتى وإن كان الضحايا مسلمون يصلّون خمسة مرات في اليوم الواحد ويذهبون إلى الحج ويصومون في الشهر الفضيل ويعطون الزكاة وقبلها يشهدون بشهادة الله الواحد الأحد وأن محمداً خاتم النبيين. المهم في احتفال الجهاد هذا ما له صلة بالعراق، فلقد تدربوا على إذلال العراقي عندما كان يلجأ إليهم من جور حاكم ظالم، عاملوه في بلدانهم التي تحميها المجنزرات الأمريكية على أنه خائن مرارا ً وعلى أنه أحسن منهم في كل شيء فيستحق الإذلال مرات أخرى. في العراق لم يكن أحد ليعجب من ذلك.
ثم جاءت مجزرة عاشوراء الدامي في العام 2004 ، عندما فجر جهادي آخر من الملة ذاتها نفسه في جموع المصلين في محراب حفيد محمد الذي يكبرونه في صلاتهم، وقضى كما هو معروف في هذه المجزرة الرهيبة المئات يتقدمهم عالم الدين والمناضل الوطني الشهيد محمد باقر الحكيم. وأقاموا في ديارهم البعيدة خيم الاحتفال بموسم الذبج الجماعي فيما انتظم العراقيون في مأتم النحيب الطويل على الأشلاء، وقد قيل أن العراقيين تعرفوا على جثمان السيد الحكيم من خاتمه الذي وجدوه ثابتا ً في أصبع ملقى في جحيم الفاجعة، فقالوا أنه السيد.
أما مدينة الحلّة، فقد قطعوا الطرقات إليها شهورا ً، فكل من يدخلها عميل، والمار بها مرتد، والقاصد فيحاءها كافر... وبعد أن أحكموا طوق الجهاد على عنقها جاء الفتى الأردني رائد منصور البنا ، المتخرج في كلية القانون، ليفجر نفسه بين حشد أبناءها في سوق الخضروات، سوق الخضروات الذي يشهد أكبر عدد من النساء والأولاد عادة، فكانت الحصيلة أكثر من 130 عراقيا ً بلا ملامح بعد أن أتت شدة الإنفجار على أجسادهم الناحلة أما الجرحى فتجاوزوا المائة. وفي مدينة السلط الأردنية استقبل الناس هناك الخبر فأقاموا الاحتفال ذاته، الاحتفال بالجهادي الذي ذهب إلى العراق بعد أن غيرت أحداث 11 سبتمبر وعيه فقصد أرض السواد ليفتك بأهلها، لماذا أرض السواد؟ لأنها شريكة بجرم محبة الحياة والكفر بالطغيان. على أن المعزين في السلط قالوا أن ولدهم قتل المئات من الأمريكيين، فوجد الأب نفسه محاطا ً بأبناء العمومة ومن خلفهم أهازيج النساء بهذا الفتح المبين، كانت تلفزيوناتهم تذيع سباق الأغاني فلم يعرفوا أن الضحايا كانوا كلهم من العراقيين، بل أن عملية الحلة الجهادية لم تفتك بأمريكي واحد، وربما ، وهو المرجح، كانوا يعلمون بأن مجزرة الحلة ما أتت إلا على العراقيين ومن ذلك سر فرحهم المزدوج.
وإذ ظل نهير من الدم الصافي في زقاق صغير بالحلة شاهدا ً على جهادية المسلم الأردني، كان آخر يتمنطق ما تمكن من حمله من متفجرات وقاصدا ً هذه المرة مسجدا ً في الموصل ليبطش بالعشرات من العراقيين الذين كانوا يحضرون مجلس عزاء عادي. أما الجرحى فجاوزوا المائة أيضا ً. وها نحن ننتظر خبرا ً من الزرقاء أو السلط عن مجلس الأفراح الذي سيقام تشريفا ً للمجاهد الذي فجر نفسه في جموع العراقيين.
كل ما تقدم يمثل بعضا ً من سيرة العراق اليوم، العراق الذي يدعون أنهم يهيمون به. وإذا ما شنت السلطات العراقية حملات مداهمة للمقيمين العرب غير الشرعيين في العراق تنادى الأشقاء للتنكيل بالقرار العراقي. عجبا ً كيف ينسون حملات المداهمة التي لم تمر ّ ثانية من عمر الزمن إلا ولحقتها قوة أخرى تداهم بيوت العراقيين في الأردن وغيرها من بقاع الوطن المسمى عربيا ً. كانوا يجيئون طلابا ً وعمالا ً وباحثين عن فرص العمل في بغداد من شتى البلاد العربية، كانوا يعيشون بيننا أعزة أحبة ولقد خبروا الحنين العراقي جيدا ً فهل أدخروا ذلك كله ليوم تتهاوى فيه رؤوس العراقيين فيطلقوا العنان لأهازيجهم وفرحهم البربري؟ أما استطاع هؤلاء أن يمسحوا شعاب الحقد على العراق من قلوب أهليهم وشيوخهم ونخبهم؟ أليس بين هؤلاء من يستنكر هذه الجرائم البشعة من أجل حبة رز أكلها في عراق الموت والجفاف؟
ولكن كيف يتعلم العربي المحبة ومن خلفه جيش من المحرّضين؟ هل نسيتم القرضاوي؟ أو فهمي هويدي؟ أو حتى شاعر بمنزلة محمد بنيس؟ وهؤلاء مجرد نماذج مما تعج به وسائل الإعلام العربية من دعاة التحريض على قتل العراقي. كيف يتعلم العربي المحبة وهو محاصر بعبادة الزعيم وشيخ الطريقة؟ يعلمونهم أن كره أمريكا واجب ديني فيما تحتمي حكوماتهم بل وشيوخهم بعباءة أمريكا. يعلمونهم كره العراق لأنه بلد الحضارات وهم على الأغلب بدو رحل وطنهم الزمان في الأراضي القاحلة. العراق الذي يقصدونه باعتباره دار بغاء لا حاضرة الدنيا.ولقد حانت الفرصة اليوم للانتقام من كل ما هو عراقي. أليس من الواضح إذن أن تكون أكبر المراكز لتجمعات الكارهين في المدن القريبة من الأردن وسوريا والسعودية؟ ثم هذا الانهماك حد العبادة بسير أرذل الناس من أمثال بن لادن والزرقاوي والظواهري.. وأقول عبادة لأن المخجل حقا ً هو تلك الحشود التي لا تنظر لهؤلاء إلا على أنهم جهاديين، ويا لابتذال الكلمة على أفواههم.
إنهم يقيمون موائد عامرة احتفالا ً بالذبح العراقي. يولمون ويطلقون العنان لأهازيجهم وهلاهل نساءهم. يشيعون رفات مفجري أنفسهم إلى ما يظنونه جنات الخلد، ولكل أمرئ ما يعتقد. ثم ماذا عن العراقيين البسطاء؟ الذين يذبحون في الأسواق والمدارس والجوامع والكنائس؟ ماذا عن العراقيين الذين دماؤهم حفرت لنفسها نهرا ً ثالثا ً في عراق كان يسمى بعراق ما بين النهرين؟ ماذا عن الحشد الطويل من العراقيات النادبات أولادهن وأزواجهن؟ أيعقل أن يكون المثقفون العرب سعداء بذلك؟ أيعقل أن يكون القرضاوي وفهمي هويدي ومحمد بنيس(العينة) قد شربوا نخب الدم العراقي المسفوك بلا حرمة؟ بل ربما ذهبوا على عجل إلى العرس الذي أقيم في السلط الأردنية لتقديم التهاني لعائلة الانتحاري الجهادي، الذي ترك القانون الذي درسه وذهب إلى الحلة ليصفي حسابات الأخوة العرب مع العراق والعراقيين.
حفلة عرس في الجوار العراقي، ومآتم لا حصر لها في ربوع الرافدين، يصلح الأمر ليكون عنونا ً لدراسة في سايكولوجية الشعوب العربية، تلك التي تنام في عسل الشعارات الجهادوية فيما يمر الزمان بطيئا ً بين ثناياها ونجده في أمكنة أخرى من العالم يجري مسرعا ً لاهثا ً. هل من شك في أن الأشقاء اليوم ، ولنقل أكثرهم وتتقدمهم نخبهم، يقيمون الأعراس احتفالا ً بالمأتم العراقي؟ لقد جاء الجواب منذ وقت طويل، أبعد من تاريخ سقوط بطل البوابة الشرقية في حفرة العنكبوت، ولدينا من المشاهد المؤسية ما يكفي، مشاهد مسرحها بغداد وليبيا والأردن واليمن والسودان ومصر ودمشق وووو.
شاعر من العراق مقيم في أديلايد
















التعليقات