بقيَّة المأثور الشعبي معروفة، "...يعلِّم الناس الحرام." على ما يبدو لنا في هذه الأيَّام، الرزق في لبنان سايب أكثر من اللزوم. لا نعرف بلدًا في العالم تسمح المعارضة فيها لنفسها أن تبحث شؤون بلدها الداخليَّة في العواصم الخارجيَّة كما المعارضة اللبنانيَّة. ولم نسمع بعد عن بلد تدخله رؤوساء الدول الأجنبيَّة وتخرج منه دون أن يكون في استقبالها أو وداعها مسؤول رسمي، سوى في لبنان. ولم نسمع عن بلد يكاد فيه يكون كلُّ سفير أشقر الشعر أزرق العينين مندوبًا ساميًا إلاَّ لبنان. ولم نسمع بعد عن بلد يُدعى أساقفته إلى البيت الابيض، أو تفتح أبواب قصر ألإليزيه ويمدُّ السجَّاد الأحمر لنائب منه إلاَّ لبنان.

هذا في وقت تنادي فيه المعارضة إلى السيادة والحريَّة والاستقلال. والمعارضة التي تشكو اليوم من أزمة البلد، كانت حتَّى خمسة أشهر خلت، الحاكم في لبنان لمدَّة تزيد على العقد من السنين. فعلاً لبنان بلد العجائب! لهذا سيأخذنا الكثير من الوقت لنصدِّق أنَّ "البيك" تقدُّمي واشتراكي، وأنَّ "المير" ديموقراطي، وأنَّ "الأفندي" عصري، وأنَّ خلاص لبنان سيتمُّ على يد أيٍّ من هؤلاء، أو لنصدِّق أن "تَشْتَشَةَ" الغرب للمعارضة هو كرمى لعيون لبنان.

في رأينا المتواضع، هذا الكرنفال العظيم ما هو سوى مهرجان إعلامي صاخب يخفي وراءه مطلبًا أساسًا واحدًا: الخلاص من المقاومة اللبنانيَّة في الجنوب بأيِّ شكل كان. الشكل المفضَّل هو الشكل السياسي، ولكن الاحتمالات تبقى مفتوحة على جميع الخيارات الأخرى. وما رفع المعارضة عقيرتها بأنَّ سلاح المقاومة ليس مطلوبًا "الآن" سوى تأكيد على مخاوفنا. ولا يطمئننا قول بعض أركانها أنَّ شأن حزب الله هو شأن لبناني بحت، وعطفه فورًا على القول، "إنَّ المقاومة أعلنت أنَّها لتحرير الجنوب، والجنوب قد تحرَّر، فما المطلوب؟" سوى شاهد على الآتي.

وللخلاص من المقاومة شروط متسلسلة، أوَّلها إخراج القوَّات السوريَّة من لبنان، وتغيير المسؤولين عن الحكم من موالين لسورية ومحتضنين للمقاومة، إلى حكم "لبناني" سيِّد حرٍّ ومستقل. والحكم اللبناني السيِّد والحرُّ والمستقل سيكون بيده تغيير قيادة الجيش، وهو، الحكم ماسك للإعلام، وسيدعو "العالم الحر" أي الولايات المتَّحدة، وفرنسا، لمساعدة الدولة اللبنانيَّة على بناء قواها الذاتيَّة بعد سنين من "إرتهانها" للخارج السوري. وها هو الحكم اللبناني القادم يصطف طوائف طوائف، بزعمائها المدنيِّين والروحيِّين، في مواجهة المقاومة، فيما لا ينفكُّ ليل نهار على الزعم بحمايتها. تُرى أمن أجل شكر المعارضة على جميل طمأنتها حشد "حزب الله" هذا الكم الهائل من البشر!

أعدى أعداء أنفسهم والوطن في كلِّ هذا كانوا أصحاب القرار في كلٍّ من لبنان والجمهوريَّة العربيَّة السوريَّة. ليس فقط في الأشهر الستَّة الماضية، بل منذ الطائف. وفي هذا يستوي رؤوساء الجمهوريَّة والوزارة ومجلسا النوَّاب، وقيادات الجيش وكلُّ مَن كان في الحكم. إنَّ ما نراه اليوم هو تراكمات قرارات لم تؤخذ أو لم تنفَّذ.

وبعد، إنَّ دمشق إذ تنكفئ عن لبنان، تنكفئ عن فلسطين وتنكفئ عن العراق. لقد كانت دمشق آخر نقطة مركزيَّة في كيان هذه الأمَّة يمكن الركون إلى دور لها يعيد جمع قوى هذا الوطن المبعثر أشلاء وإعادة صياغته في خطَّة نظاميَّة بديلة. لقد فشلت دمشق في هذا الامتحان. نقولها بأسف ومرارة. نقولها للتاريخ. لقد أُعطيت دمشق أن تعيد صياغة نظرة أعدائها في لبنان ففعلت: زادتهم عداءً. لقد تحالفت مع معظمهم واحدًا واحدًا، وها هم، بمعظمهم يطعنونها في الظهر، واحدًا واحدًا. أمَّا الخناجر فقد سُبكت من أخطاء الأداء السوري في لبنان. هذا كلام للتاريخ.