[لأول مرة فى حياتى أكره مصطلحات الطب، وبرغم أن الطب مهنتى إلا أننى كرهت عجزه وقلة حيلته وفرجته على البشر وهم يتسللون من الباب الخلفى للحياة، عندما وجدت أحمد زكى يراوغ الموت فى البداية صفقت ولكنى ضبطت نفسى متلبساً بالفرجة التى لاتتعدى مرحلة الحماس، وتساءلت كم هو مخزى ومخجل أن يتحول الطبيب إلى مجرد مشاهد لمباراة الموت، وعندما بدأ الموت ينشب أظافره فى رقبة النمر الأسود كان التصفيق قد تحول إلى لطم، وكانت صيحة التشجيع قد تحولت إلى دمعة تخنق الروح بطعمها الملحى، وتحفر أخاديد الشقاء على الجبين المتغضن الشاحب

[ التمثيل بالنسبة إليه حياة أصيلة وليست بديلة، والتشخيص هو هروب مزمن من صقيع الوحدة، هو مشخصاتى العرب الأول ومجسد إنفعالاتهم وهواجسهم الذى لامنافس له، إنه أحمد زكى نزيل اللوكاندات وساكن القلوب، من يحمل أعصابه فوق جلده وأحلامه تحت جفونه ودموعه المكبوتة فى كبده الموجوع.

[ فى زمن الإنكسارات لم يتمكن منه الإحباط وتمن ينا ألا يتمكن منه المرض اللعين، مازالت ماكينة أحلامه تنسج التفاؤل فى عصر السينما التيك أواى، ورحلته مع الفن هى حفر فى الصخر من قاع الوادى حتى قمة الجبل، حكاية فنان مصرى قرر أن يفن بجد ولايأخذ المسألة هزار أو سبوبة.

[ الشاب النحيل النحيف القادم من الزقازيق يلتمس طريقاً أو مجرد زقاق فى القاهرة، ذلك الغول الذى يبلع الوافد الجديد ويهرسه فى الزحام، يبحث عن بصيص ضوء فى نفق معتم، كان قلب القاهرة الخرسانى مثل بناياتها العملاقة التى تختلف عن بيوت الزقازيق التى تحمل معنى السكن والونس، قرر أحمد زكى أن يغزو ذلك الغول بأن يصبح غولاً مثله ولكن غول تمثيل، قرر أن تحسم موهبته هذا الصراع الأبدى مع طوفان المدينة، نادت عليه نداهة الفن لا نداهة المدينة الناعمة كثعبان، الخانقة كغبار الأسمنت، قرر أن تكون عواطفه فى خدمة فنه، وقلبه مخاصماً للعلاقات الحميمة التى أحس أنه ستخصم من رصيده الفنى، فأحب ترانزيت وعشق هوم دليفرى ولم يقع إلا فى غرام الفن والفن فقط

[ الشاب الأسمر النحيل الملتزم فى مدرسة المشاغبين ثم فى العيال كبرت، كان يحس وهو فى الكواليس أنه على موعد مع القدر، وأنه قد وقع "كونتراتو" مع النجاح، كان قد ظهر مجرد دقائق فى مسرحية "هاللو شلبى " فى بداياته ولكنها كانت دقائق ترسم ملامح طريق التقمص الذى سيسلكه هذا الفنان العبقرى، إنه ليس مقلداً أو مونولوجست ولكنه يمسك بروح وتلابيب الشخصية وكأنها مس الجن، من الممكن أن تطلق عليها حالة تلبس فنى أو تقمص تشخيصى، وكان من الطبيعى لهذه السلوك الفنية العارية أن يصيبها الفولت الإبداعى العالى لأحمد زكى بأمراض الرغبة فى الكمال الفنى والوسوسة الإبداعية

[ إنتهز المخرج يحيى العلمى روح التقمص التى تسكن أحمد زكى وجعله يجسد شخصية عميد الأدب العربى طه حسين، تاهت الحدود الفاصلة مابين الحقيقة والخيال، ف تخيل نا إبن الزقازيق هو الأعمى المبصر إبن المنيا، ومازلت أتذكر دموعى وأنا أراه فى مشهد من مسلسل الأيام حين نسيت العائلة إبنها الكفيف فى القطار ليستيقظ فيجد صمتاً وخواء، جسدها أحمد زكى بعبقرية متفردة تخلط مابين الإنكسار والكبرياء فى كوكتيل لايصنعه إلا هذا المبدع العبقرى، وتكررت التجربة مع نفس المخرج فى مسلسل هو وهى ليصنع دويتو مع سعاد حسنى لن يتكرر، كانت الصعوبة هى أن الكاميرا تعشق السندريللا ولكن كان هناك شاطر حسن جديد تتشكل ملامحه ولاتستطيع الكاميرا إلا أن تسجد أمامه وترضخ لإرادته التمثيلية الفولاذية، لم يكن أحمد زكى على الهامش سنيداً لسعاد حسنى ولكنه كان منافساً بحق وحقيق، جسد قصة سناء البيسى وسيناريو والده الروحى صلاح جاهين وتنبأ الجميع أن هناك مارداً سيخرج من القمقم ستقول له شاشة السينما شبيك لبيك على عكس السائد، ولكن تأخر خروج المارد قليلاً بعد إختطاف الموت لجاهين، إنهار أحمد زكى ودخل فى دوامة مرض عنيف بجهازه الهضمى لم تفلح فيه محاولات الأطباء الإنجليز، كانت الصدمة عنيفة لدرجة أن المقربين قالوا أنه قد حاول الإنتحار وقتها، إنه يتقمص حتى من يحبهم حتى تزول الحواجز وتسقط الأسوار وتصبح قلعة الموت بلا حراس.

[ كان أحمد زكى قد حدد طريقه، إنها السينما التى يعشق كاميراتها ومونتاجها ورائحة إستوديوهاتها، لم يستلطف الفيديو، ولم يقع فى هوى المسرح برغم دراسته المسرحية، لكنه أحب السينما لدرجة الوله والجوى والجنون، فقرر الإخلاص لها وعدم بعثرة بذور موهبته الخصبة فى أراضٍ أخرى، إستقر على ضفاف السينما، ولكنه الإستقرار القلق الذى لايحدث إلا بعد صراع مع أمواج المحيط

[ المدهش أن دوره البسيط فى الباطنية أدهش الجمهور بل وأدهش المنتج الذى كان يستمع إلى تصفيق الصالة لهذا الممثل الذى لم يحفظوا إسمه بل حفظوا بصمته الفنية المتوهجة برغم أن إسمه كان فى آخر الترتيب مكتوب ببنط لايرى إلا بالميكروسكوب.
فى أغنية على الممر جذب أحمد زكى بعينيه الذكيتين الناس من تلابيب روحهم، بكوا معه وإبتسموا معه وعرفوا أن هذا المارد سيتخصص فى سرقة الكاميرا من الكبار، وفى شفيقة ومتولى تألق أحمد زكى فى دور متولى الذى كان أيضاً دوراً صغير الحجم ، ولكن كان القدر برغم ذلك يوقع نجوميته بالأحرف الأولى على عقد الخلود والإبداع من خلال هذه الأدوار الهامشية التى صنع منها أحمد زكى أمجاداً فنية. وعندما ظن أحمد زكى أنه قد لمس السماء وغير مقاييس النجومية عندما عرض عليه فيلم الكرنك، جاءته الصدمة من معشوقته السينما التى رأى للأسف وجهها التجارى القبيح يطل عليه ويصرخ فى وجهه أنت لست نجم شباك، والآن عليك أن تقبع فى زاوية منسية لاتمثل إلا أدوار الكومبارس، وإستيقظ أحمد زكى من إحباطه كالعنقاء بعزيمة صلبة تحذر الجميع أنا نجم شباك غصب عنكم ياتجار الفن.

[ لانستطيع مع أحمد زكى كتابة تاريخه أو سيرته الذاتية بالأحداث الشخصية فهذا عبث، ولكننا نستطيع أن نكتب تاريخه من خلال شخصياته التى جسدها فى السينما.

[ عسكرى الأمن المركزى الذى يحمل نايه الشجى الملئ بالشجن والذى لايعرف عن المساجين السياسيين من المثقفين إلا أنهم أعداء الوطن، سحرنا أحمد زكى بهذه الشخصية فى فيلمه الرائع البرئ الذى لم تحتمله السلطات حينذاك فهو الفيلم الوحيد الذى راقبه أعضاء من مجلس الوزراء شخصياً، كانت الرسالة فى الفيلم مقلقة ولكنها بأداء أحمد زكى صارت مرعبة، وكان جرس الإنذار والصرخة التى أعلنها الفيلم أن الديكتاتورية.تضرب بعصا الجهل والتخلف، ومن العسكرى المقهور إلى ضابط أمن الدولة المستبد القامع المريض بداء السلطة فى فيلم زوجة رجل مهم، هذه التحفة التى كتبها رؤوف توفيق وأخرجها محمد خان وجسدها بتفوق خارج حدود التقييم الفنان أحمد زكى، لن ننسى إطلاقاً مشاهده العبقرية حين إنسحبت عنه الأضواء وهو مازال مصراً على العيش فى دور المتسلط الذى تقف الدنيا على أطراف أصابعها حين تراه.

[ أحمد زكى فنان من طراز فريد لايمارس النجومية من البرج العاجى أو بأسلوب عدم المرمطة، فأحمد زكى هو الذى نزل الترعة المليئة بقواقع البلهارسيا فى البرئ وليس الدوبلير، وهو الذى تصرف كعتال محترف فى فيلم السادات، وهو الذى جرى نصف عاري فى الشارع فى أحد أفلامه وعانق قرداً فى فيلم آخر، إنه ينزف من شرايينه وأعصابه الفن، مشاهده "ماستر سين " السينما المصرية، بداية من الشاب المحبط المكبوت جنسياً فى هضبة الهرم، وإنتهاء بمعالى الوزير المطارد بأشباح السلطة، مروراً بالمحامى البوهيمى فى ضد الحكومة، والبواب الأخطبوط فى البيه البواب، والحاكم صاحب الصدمات الكهربية فى السادات، وتاجر المخدرات الفاجر فى الإمبراطور، وصعلوك الهامش فى كابوريا ومستر كاراتيه، والملاكم الذى يرتدى القفازات فى مواجهة واقع بخيل ينفيه من وطنه من أجل لقمة العيش..الخ.

[ أدعو لأحمد زكى من أجل أن يستمر الحلم وتعيش الثقة فى أن الفن الجيد والإبداع المخدوم مازال له رواد، من أجل أن يطل علينا الأسمر الجميل النحيل المصرى جداً كتماثيل مختار... الصادق جداً كأشعار جاهين..المجنونجداً ككل مصرى فقير ينفذ من ثقب الإبرة ليحضر بقرة وهو طالع الشجرة لتحلب وتسقيه بالملعقة الصينى، عد إلينا ياأحمد حتى نمارس الصدق المفقود والجنون المشروع

خالد منتصر

[email protected]