كان لون السماء أصفر، بفعل ريح "الخماسين" التي تحرم مصر من الربيع كل عام، وكانت الورود الصفراء تكاد تطغى على غيرها في حديقة سجن "طرة" الكئيب، وكانت الوجوه تعلوها صفرة شاحبة بينما تترقب صفارة حراس السجن إيذاناً ببدء موعد الزيارة، أمهات قدمن من ريف مصر وصعيدها وحواريها، يحملن أوانٍ من المعدن أو البلاستيك، بداخلها أغذية محفوظة أو ساخنة، وفي الداخل اصطف نفر من السجناء الذين أمضى بعضهم ربع قرن على رجاء وقوع "معجزة ما"، أو مجرد أمل باهت في لحظة يتنسمون فيها رائحة الحرية بعد عقود وراء القضبان .
من بين هؤلاء الضابط السابق عبود الزمر، الذي أصبح لاحقاً زعيم تنظيم "الجهاد"، ولولا ذلك لربما كان الآن يحمل رتبة "لواء" ، ولكانت السيدة زوجته "أم هيثم" حرم الجنرال، يأتمر بأمرها جنود وخدم وحشم، لكن بدلاً من ذلك أنفقت سليلة العائلة العريقة ربع قرن من أزهى سنوات العمر، تأتي كل شهر مرتين أو ثلاثاً حسب لوائح السجون، حاملة لزوجها عبود الزمر، وشقيقها طارق الزمر ما يحتاجان إليه من الطعام، وقد تلتقيهما لقاء عابراً لا يتجاوز بضع دقائق، وربما يتم ذلك عبر الأسلاك الشائكة، حينما تكون الحالة (ج) بلغة السجون أي أن هناك طوارئ لسبب أو آخر في السجون، وما أكثر ما تكون هناك طوارئ، وطيلة هذه السنوات، ولد ملايين البشر، ومات آخرون، وتعاقب على السجن مئات الضباط والسجانين، ونبتت ملايين الزهور من كل الألوان وإن آلت جميعها إلى نفس المصير الأصفر ذابلة، تدهسها الأقدام، بعد أن كانت تستنشقها الأنوف، وتزدان بها الحدائق والشرفات، لكن زهرة في قلب "أم هيثم" لم تذبل، هي زهرة الوفاء النادر، الذي لا يملك المرء حياله سوى الانحناء احتراماً لهذه الإنسانية الحقيقية، بغض النظر عن الموقف من مسيرة زوجها عبود الزمر، وخياراته في الحياة التي دفع ـ ومازال ـ يدفع ثمنها وراء القضبان، فلسنا هنا في معرض الحديث عن عبود ودوره في ظاهرة الجماعات الإسلامية المسلحة في مصر، بل ينصب حديثنا عن السيدة "أم هيثم"، التي اختارت أن تكون وتظل زوجة وفية، تمنحه عمرها وشبابها رغم سجنه منذ ربع قرن مضى، وحتى إشعار آخر لا يبدو قريباً، وكيف حسمت هذه السيدة أمرها وقررت "التبتل" في معبد وفائها للزوج، مع أن الشرع والقانون والمجتمع كانوا جميعاً سيلتمسون لها ألف عذر وعذر، لو قررت طلب الطلاق من زوج مع وقف التنفيذ حتى أجل غير مسمى مثل عبود، خاصة وأنه لا تربطهما أطفال تأنس بهم، فلا وجود أساساً لـ "هيثم" هذا الذي تحمل كنيته، فهي "أم هيثم" على اعتبار المأمول وليس الواقع، نعم كان أملها أن يكون لها صبي اسمه "هيثم"، حين كانت صبية لازالت تعيش في كنف زوجها عبود الزمر ضابط الكوماندوز، ثم ضابط الاستخبارات قبل أن ينخرط في صفوف الجماعات الأصولية المسلحة، ليصبح أحد أبرز قادتها لاحقاً، ويواصل عناده الشهير فلا يتراجع عن قناعاته قيد أنملة، ويدفع ضريبة خياراته في الحياة كاملة .. وربما أكثر .

......

مازالت صورته بالزي العسكري في كل مكان بمنزله حيث تعيش "أم هيثم"، ومازال مقعده على رأس مائدة الطعام شاغراً، لا يجرؤ كائن من كان على الجلوس عليه، حتى لو كان عمه ووالد زوجته، ومازالت "أم هيثم" تترقب يوماً يطرق فيها الباب بطريقته الخاصة، هي تعرف أنه لا يفضل استخدام الجرس الكهربائي، وتعرف أنه سيعود يوما ما، حتى لو كانت المذكرات القانونية والأوراق القضائية والتقارير الأمنية والتقديرات السياسية كلها تؤكد غير ذلك، لكن لا وزن لكل هذا في حسابات القلوب، خاصة حين تكون قلوباً كبيرة، تحمل حباً كبيراً، ووفاء نادراً كهذا الذي يعشش في صدر السيدة "أم هيثم"، التي ربما لم تفكر بأن السنوات تمر، والشباب يروح بلا عودة، وتنصرف كلية إلى الصلاة والصيام والقيام والاحتساب، والرجاء بأن "معجزة ما" ستحدث لأن "ربنا مبينساش حد"، وسيخرج عبود ذات يوم، وسيلتئم الشمل مجدداً، وحينها سيكون لكل حادث حديث، وانطلاقاً من هذه القناعة التي تقترب من درجة اليقين تلملم الزوجة الوفية جراحها وتنام وتصحو على الأمل، فلا تنظر لابنة عمها نجمة الشاشة ونائبة البرلمان، ولا تقارن بين حالها وأحوال رفيقات صباها اللاتي اقتربن من لقب الجدات، ولا تحسد غيرها من النساء اللاتي يبتن في كنف أزواجهن آمنات على حاضرهن ومستقبلهن، ولا تتطلع إلى غير "الشيخ"، كما تحب أن تنادي زوجها عبود، إنها حالة خاصة من "الرهبنة"، وبالتأكيد لا يروق لها هذا الوصف" إذ لا رهبانية في الإسلام"، لكن هذا هو الحاصل، فالرهبانية ليست مجرد ثوب أبيض ترتديه امرأة قابعة في الدير، الرهبانية حالة واستعداد يتجاوز قدرات العاديين، الرهبانية نوع نادر من الإخلاص لفكرة ما، والرجاء في باب أمل لا يطرقه سوى القابضون على إنسانيتهم، فيقررون حينها التخلي طواعية عن كل مظهر من مظاهر الضعف الإنساني .

......

مرة أخرى، وبعيداً عن مشاعر التعاطف أو التحامل، أو حتى مجرد تقييم "تغريبة" عبود الزمر، فالبطولة هنا ليست له، فهو سيبقى شخصية خلافية، يثمنه البعض، ويبغضه آخرون، يمتدحه مريدوه، ويهجوه شانئوه، لكن البطولة هنا للسيدة "أم هيثم"، هذه الزوجة الوفية سليلة العائلة العريقة، التي ـ لو شاءت ـ لتمرغ تحت أقدامها عشرات الرجال، أزواجاً على سنة الله ورسوله، والتي كان عبود ذاته سيعذرها لو قررت الانفصال عنه، خاصة وأنه ليس أي سجين، بل هو عبود الزمر، الذي توعده السادات قبل اغتياله بالويل والثبور وعظائم الأمور، لكن القدر لم يمهله حتى ينفذ وعيده، ليسقط مضرجاً في دمائه، وبعده بأيام يسقط عبود في قبضة قوات الأمن، لتبدأ رحلة السجون التي أوشكت الآن على بلوغ ربع القرن، بينما الزوجة صابرة محتسبة، تحمل كل ما تطاله يدها إلى السجين الذي يثير اسمه قلق كل من تعرفهم من المتنفذين وذوي السطوة، فتقرر عدم إحراج أحد سواء من عائلتها أو معارفها، أو حتى من رفاق عبود، وتخوض المحنة بنفسها، وما أقسى ما يمكن أن تتعرض له امرأة في رحلة مريرة كهذه، بدءاً بساعات الانتظار الطويلة في قيظ الصيف وصقيع الشتاء أمام باب سجن كالح، ولدى سجانين يعلم أمرهم الله وحده .
ذات مرة حدثني شيطان الصحافة ـ قاتله الله ـ أن أجري معها حواراً فارتبكت السيدة التي لم أقابلها أبداً، بل ظلت صلتي بها عبر الهاتف، ولم يطل ارتباكها، إذ بادرتني برد حاسم مفاده أنه ينبغي استئذان الشيخ (عبود) قبل ذلك، وبالفعل بعد أسبوعين حملت لي رده بأنه لا يوافق، فالقضية قضيته وليست قضيتها، ولا داعي لإقحامها في الأمر، واحترمت قراره، واحترمتها هي أكثر، لأنها باختصار ودون تقعر أو سقوط في فخاخ التنظير "زوجة صالحة"، تراعي الله في زوجها حاضراً وغائباً، سجيناً وطليقاً، ضابطاً وشيخاً، هو قبل كل هذا زوجها، وهي تدرك جيداً حقوقه، حتى لو تنازلت هي طائعة مختارة عن حقها في حياة كريمة آمنة مستقرة، لكنها اختارت ذلك الطريق، ولا يجد المرء ـ سواء وافق على هذا الخيار أو تحفظ عليه أو رفضه ـ سوى احترامها، والاحتفاء بهذا النموذج الإنساني الرائع، حتى لو كان يقف على الجانب الآخر من ضفة النهر، لكن "لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا"، فتحية تقدير واحترام للسيدة "أم هيثم" فرج الله كربها .

.......

ومن "أم هيثم" إلى "أبو هيثم"، الشهير بأحمد زكي، الذي يرقد الآن على رجاء وحيد هو الأمل في وجه الله تعالى، فكل المؤشرات الطبية تؤكد أن أيامه صارت معدودة، لكن يقيناً ما يعشش داخلنا جميعاً بأن "الأعمار بيد الله" تجعل من مجرد التلفظ بعبارة "الأيام المعدودة"، خطيئة لا يسامح المرء نفسه حين يستسهل استخدامها، خاصة حين يتعلق الأمر بالأحبة .
سلامتك يا أبو هيثم .. أيها الشهم الذي يشبه معظم أبناء وطنه الذين لم تلوثهم رحلات الصيف والشتاء .. قليل الحظ، ومسكين، وجدع وابن حلال مثلهم، لهذا نحبك، ليس فقط لأنك عبقري في الأداء، فلسنا "لجنة تحكيم"، ولم يدرس معظمنا النقد ولا المسرح ولا السينما، لكننا نمتلك ـ مثلك ـ مشاعر دافئة حقيقية، وأفئدة لم تفقد بصيرتها، وأحلاماً بسيطة تلخصها كلمتان فقط، لعلهما دستور كل المصريين "الصحة والستر"، وما أظنك كنت مختلفاً عن ملايين من الفتيان والصبايا والكهول والعجائز في بر مصر، بل كنت مثلهم، أو بالأحرى "اختزلتهم" جميعاً، وهناك بالفعل بشر وهبهم الله القدرة الخاصة على احتواء محيطهم، حتى يوشك هؤلاء أن يختصروا كل ما ومن حولهم من بشر وشجر وأنهار وأقمار، يختزلون روح المكان ويصبحون خلاصته المركزة .
سلامتك يا جميل، رغم أن ملامح وجهك لا تختلف أبداً عن ملامح ملايين الهامشيين في الحقول والمصانع والورش ومحال بيع الفول والفلافل، فجمالك ـ وجمالهم ـ يتجاوز حدود "المواصفات القياسية"، التي تشترطها لجان "الأيزو"، أو لجان التحكيم في الفضائيات، أو لجان القيد في جداول الانتخابات العربية، بل هو جمال خفي نادر ربما لا يراه ولا يثمنه كثيرون ممن ازدحمت بهم الحياة، لأنه باختصار ينبع من الداخل، من أعمق نقطة في الروح، ولم تعد لأبناء "ما بعد الحداثة" طاقة على التأمل والبحث في "الماورائيات" واقتحام مجاهل النفس الوعرة، إنهم يا عزيزي أبناء جيل جديد له ذائقته الملول، ويفضل الوجبات السريعة والمشاعر السريعة والحياة القصيرة، والقهوة الأميركية والكولا والكابتشينو وبقية المشروبات "المريبة" التي لا تثق بها أمهاتنا .
سلامتك يا أبو حميد .. وان شالله إللي يكرهك، لكن هل هناك أحد يكرهك حقاً؟، بكل صدق لا أنشد منه سوى وجه الحقيقة، أنني لم أصادف أحداً يبغضك يا عزيزي، حتى أصحابنا ـ البعدا ـ الذين يكرهون أنفسهم، ويبغضون كل شئ جميل في الحياة، ويحاربون الحرية والديموقراطية والمرأة والكتاب والشعراء والفنانين، لم أضبط أيّاً منهم متلبساً بفاحش القول في حقك، كما هو عهدهم مع غيرك من الفنانين والممثلين، رغم أنك لم تغازلهم كما فعل غيرك، ولم تطرح نفسك مسبوقاً بنعت "الفنان الملتزم"، اللهم إلا بصدقك واتساقك مع الشخصية التي تتلبسك، وليس أنت من يتلبسها أو "يمثلها"، بل العكس هو ما يحدث، فمن ينسى دور "فارس"، الذي جسدته في فيلم "طائر علي الطريق" ذلك السائق الذي يمكن أن تصادفه في أي مكان بمصر، في طريق الصعيد أو الدلتا أو مصر ـ إسكندرية الصحراوي، و"شكري" الكوافير في "موعد على العشاء" وكيف تقمصت هذه الشخصية الصعبة بشحمها ولحمها، وأحمد الشاذلي في "العوامة 70" بانكساره وإحباطاته .. بتمرده وانسحاقه، ورأيناك "حسن هدهد" في "كابوريا"، ذلك الفقير العاطل باستهتاره وعفويته، بتسريحة شعره الغريبة ومفرداته الخاصة وحركاته المتصعلكة التي تشير لخلل ما في تكوينه النفسي، فلم تكن حينئذ إلا هدهد، كما لا يمكن أن ننسى تجسيدك لشخصية البواب في فيلم "البيه البواب"، وهذه القدرة الفذة على سبر كل أغوار هذه الشخصية، شكلاً ومضموناً وحتى تضاريسها النفسية ونزقها ومكرها الريفي وتطلعاتها، ثم انفلاتها وحتى إلى عودة الذات، وهناك أيضاً شخصية "عيد" في فيلم "أحلام هند وكاميليا" هذا الصعلوك الأفاق غير المستقر نفسياً ولا اجتماعياً، فلم تكن يا زكي سوى "عيد" بكل مكوناته المتناقضة، أما دور "أحمد سبع الليل" في فيلم "البريء" فهو بالفعل حالة إشراق نادرة، إذ كنت بالفعل "أحمد سبع الليل" كما عرفته ورأيته، بمشيته المهرولة، وتهدل كتفيه، بل وحتى قفاه المفلطح، ولا أفهم كيف فعلت هذا، فلم تكن في أي لحظة من اللحظات أحمد زكي، بل كنت "أحمد سبع الليل" الذي يمكن أن يلقيه المرء في أي كتيبة من كتائب الأمن المركزي، أو أي قرية من قرى مصر، باختصار جعلت من كل هذه الشخصيات "أنفسهم"، وكائنات حقيقية من دم ولحم وأعصاب .

.......

سلامتك أيها الراقد على رجاء رحمة الله، يضم جسدك النحيل سرير بالغ النظافة والكآبة، وتحاصرك رائحة المشافي، وأجواء التعقيم، وكهنوت الأطباء، ودقات كعوب أحذية الممرضات وجنود الحراسة، وأتخيلك حتى الآن حين تنفرد بوحيدك "هيثم" تتحول إلى كائن آخر يحاول تعويض نفسك عن سنوات الحرمان التي لازمت سنوات طفولتك وصدر شبابك، حين كان وقتئذ ابن بلدتك عبد الحليم حافظ عندليب مصر الأسمر، وفتى أحلام ملايين العربيات، بينما كنت تتردد على مقاهي وسط البلد سواء أمام متاجر شارع 26 يوليو، أو تتناول ساندويتش فول مدمس لدى مطعم "الجحش"، أو طبق كشري من أحد الباعة الجائلين، تعد قروشك القليلة مرة واثنتين قبل أن تدخل المطعم، أو تتوقف أمام بائع الكشري أو الكبدة، فالفتى الريفي الذي قال ذات مرة لأصدقائه أيام سعادته القصيرة مع "أم هيثم"، إنه لا يخشى في هذه الدنيا سوى ثلاثة: "الله والحكومة وهالة" لهذا فإنه يفضل الجوع على الوقوف متهماً أمام الشرطة بعدم سداد ثمن ما تناوله، ولعله يقاسم "عساكر الجيش" في "جمعية" يدفع كل منهم قروشاً لشراء الفول والفلافل والخبز الطازج، بينما لا يعرف أي منهم الآخر لكن يجمعهم الجوع والفقر والمصادفة و"قطار الزقازيق"، وكما يقال في مصر "لقمة هنية تكفي مية"، ويعود "أبو الزيك" ـ كما كان رفاقه ينادونه ـ وهو لم يزل طالباً يحاول تقليد معلميه في تلك السنوات الجميلة البعيدة، ليواصل الحفر بأظافره في الصخر، بينما الساحة تعج بالنجوم في الغناء والتمثيل والمسرح والشعر والرواية والسياسة وكل شئ .
كان هناك من بين رفاقه قطارات الكوميديا القادمة من أحياء القاهرة الشعبية، كعادل إمام ابن "حي الخليفة" ومنطقة القلعة التي يسكنها التاريخ، وسعيد صالح ابن حي "السيدة زينب" الذي ينافس القلعة شهرة وقدما، وغيرهما من فتيان المدينة "المدردحين"، بينما هذا الفتى الريفي "الخام" الذي لازال يتحدث حين يغضب بلهجة "الشراقوة" يتحسس طريقه ملتمساً أي دور وسط هؤلاء "الغيلان"، فكان دور الشاب الجاد الوحيد في مسرحية "مدرسة المشاغبين"، وبعدها انطلق "زكي" بعنفوان موهبته وإخلاصه لعمله ليصبح واحداً من أهم النجوم في السينما العربية، بعد رحلة شقاء وجدية ودأب، واتساق مع الذات، واحترام للجمهور وللنفس، صنعت في مجملها حالة خاصة لنجم استثنائي، يعشق فنه ملايين البشر من شتى المشارب .

.......

سلامتك أيها الاستثنائي، إذ كنت خلافاً للصورة النمطية لنجوم الفن والسينما، فلم تعش حياتك لا بالطول ولا بالعرض كما يظن البعض، فمشوارك لم يكن ممهداً أبداً، وطريق المليارديرات الذي سار عبره كثير من الفنانين وأشباههم لم تقترب منه يوماً، فبقيت حتى سنوات قليلة مضت تنتابك كوابيس مفزعة، من مواجهة مصير موظف حكومي بسيط وجد نفسه فجأة وقد أُلقي به إلى الشارع بعد استغناء الشركة أو المؤسسة التي يعمل بها عنه، كثيرون من أصدقائك تحدثوا عن خوفك الكبير الذي يصل إلى حد الذعر مما تخفيه الحياة، حتى أن بعضهم عاتبك مرة مؤكداً أن هذا الخوف ليس له ما يبرره خاصة أن بوسعك الحصول على أجور عشرة أفلام دفعة واحدة، لو شئت أن تسير وفق النمط الشائع، لكن الجميع كانوا يدركون أيضاً أن ذعرك لم يكن مختلقاً، بل هو أصيل ترسخ منذ سنوات الفقر والكفاح، حينما كنت تطارد بأحلامك منذ الصباح الباكر حتى منتصف الليل في شارع عدلي بقلب القاهرة حيث يقع مقر "نقابة السينمائيين"، أو في ردهات الطابق العاشر بإحدى بنايات شارع 26 يوليو وسط القاهرة، حيث استخراج تصاريح العمل بنقابة الممثلين، لكن خوفك الأزلي من "مجهول ما"، لا تكاد أن تتبين ملامحه، حتى شاءت الأقدار أن تجتمع عليك أوجاع القلب المنهك، وتتابع الجلطات، ووحشية الورم الخبيث معاً، فسلامتك يا جميل، فهكذا تبدأ الحكايات الجميلة، وهكذا تمضي .. وهكذا كانت "الدنيا" دائما، المتدثر بها "عريان" ..
سلامتك يا أبو حميد .. وما باليد حيلة يا صاحبي سوى التسليم بقضاء الله وقدره ..
والله غالب على أمره

[email protected]