لعل من أخطر الملفات الصامتة التي تهدد المستقبل العراقي وتزرع الألغام في كل زوايا وثنايا الوضع الداخلي في العراق، هو ملف تدخل مخابرات دول الجوار الإقليمية وأجنداتها السرية والعلنية، وخططها الجاهزة أو التي في طور التنفيذ والإعداد للهيمنة على الوضع العراقي الهش والمفتقر للقيادة الوطنية القوية الحاسمة التي لو توفرت لكان بمقدورها قيادة العراق نحو بر الأمان في ظل حالة الرخاوة القائمة حاليا وفلتان المشاعر والمخططات الطائفية والإثنية والمناطقية وحتى العشائرية1 وطبعا المقصود تحديدا هو أجهزة مخابرات النظام السوري دون إغماض العين عن مخططات ومكائد وتسلل مخابرات (الولي الإيراني الفقيه )! الواسعة والمتسربلة بعمائم غربان التخلف والطائفية الجدد، فلتلك حكايات ومقالات أخرى قادمة، فالمخابرات السورية والتي فضح دورها علنيا مؤخرا بشكل كارثي لاتمثل خطرا حقيقيا على الوحدة العراقية فقط، بل أن خطرها يتجاوز العراق بكثير ليصب في مجرى التيارات والإتجاهات الدولية والإقليمية الهادفة لتكسيح وتمزيق الأمة العربية، وكان الشعب اللبناني هو الضحية الأولى والمباشرة لجرائم وتعديات ومخططات تلك المخابرات قبل أن تنكشف وتتعرى ويفضح المستور بعد حماقة إرتكابها لجريمة قتل وتغييب الرئيس رفيق الحريري ، ليفتح صندوق العفاريت ويقع قادة ذلك الجهاز في شر أعمالهم ، وليتمكن أبطال الأمن العراقي الجديد في كشف الباقي من المستور وفي تضييق الخناق على الخلايا الإرهابية والإجرامية التي زرعتها تلك المخابرات في العراق لتؤسس لحالة الخراب المقيم عبر حملات القتل والتفجير، العشوائية والتدمير الشامل وإشاعة الفوضى، وهو بالضبط ماتقوم به المخابرات السورية (في مهمتها القومية المقدسة) اليوم في لبنان من أعمال تفجير جبانة وستمتد لامحالة لترتيب إغتيالات مشبوهة ضد حلفاء النظام السوري ذاته! لخلط الأوراق وإبعاد الشبهات! ومحاولة زرع الأرضية لحرب أهلية لبنانية جديدة لن تحدث بعون الله ويقظة القوى اللبنانية الحرة والتي رغم ضعفها النسبي من حيث الإمكانيات العسكرية ولكنها قد أضحت كعب أخيل الذي سيدمر نظام البعث التدميري، فمن لبنان من غيرها إبتدأ العد التنازلي لنهاية الحقبة البعثية، ولإنحسار دولة المخابرات السورية والتي بهروبها المخزي والسريع من لبنان قد رسمت معالم الطريق النهائية الواضحة والمصيرية رغم أنها لم تزل وعبر جحورها وخلاياها وعملائها في بعض الأحزاب اللبنانية كالبعث والمؤتمر القومي العربي وجماعة نبيه بري ولربما حزب الله محتفظة ببقايا باهتة من الخزين الإستراتيجي الناضب والمنتهية صلاحيته، ورغم أن للمخابرات السورية سطوتها ووسائل إمدادها المالية الكبرى المترسبة من التحكم في التجارة في السوق السوداء والمخدرات وتهريب السلاح وتمويل خلايا التخريب في العديد من الدول المجاورة إلا أن يقظة الأحرار في المعارضة السورية الناشطة بقوة هذه الأيام ستحيل أيام قادة المخابرات لكوابيس سوداء بعد إنكشاف الجذور والأصول والسرقات والمنهوبات المنتظمة لموارد الشعب السوري الذي يعيش في ضائقة إقتصادية ومعيشية مزمنة بينما يتحكم قطط المخابرات السمان وحفنة من القياديين البعثيين بمفاصل الثروة النفطية السورية المنهوبة وعبر ممارسة المتاجرة بالشعارات القومية كما حصل في التعامل مع النظام البائد في العراق وحيث شهدت السنوات الأخيرة من عمر ذلك النظام النافق أقصى مديات التنسيق والتبادل التجاري والتعاون في التهريب والشفط والسمسرة بعد نسيان الخلافات البعثية التي دمرت العلاقات بين شعبي البلدين لأكثر من عشرين عاما! ولكن نظام دمشق ورغم إنفتاحه على صدام كان يعد العدة لبناء القواعد والإستحكامات والخلايا النائمة والنشطة في العراق وكما كشفت عن ذلك المخطط الإستخباري الخبيث الإعترافات الأخيرة للعديد من ضباط المخابرات السورية المجرمين الذين تمكن الرجال في الأمن العراقي من ضبطهم ومن ثم فضحهم في ظل واحدة من أغرب وأعجب المفارقات السياسية العصية على الفهم لدى العديد من المراقبين والبسطاء ولكنها واضحة لمن يعرف واقع الحال وتاريخية الإستخدام والتخادم السياسي بين السلطات الإستخبارية السورية وبين بعض المعارضين العراقيين الذين هيأت لهم ظروف التغيير الأميركي الوصول لسدة السلطة في العراق ، فالتجاهل الرسمي العراقي لدور النظام السوري في الذبح والخطف والتفخيخ والسلب والإغتيال لايتناسب أبدا مع الموقف التصعيدي ضد السلطات الأردنية أو التظاهرات المنظمة ضد الحكومة السعودية والتي تعاني من الإرهاب الحاد أيضا !! بينما صمت السادة والشيوخ والدكاترة في الحكومة العراقية صمت الموتى عن ممارسات نظام دمشق! ولعل ( عبقرية وخبث ) المخابرات السورية تكمن في إستفادتها التاريخية من الوجود العراقي المعارض السابق وفي ترتيب أولوياتها وملفاتها، وحشد رجالها وعناصرها في العديد من التنظيمات العراقية المعارضة الناشطة منذ السبعينيات هناك !، فقدرة المخابرات السورية ولربما الإيرانية إلى حد ما، أيضا تتمثل في إمتدادها الأخطبوطي في كل التنظيمات اليسارية أو اليمينية ، القومية أم الدينية، فأحزاب من طراز البعث أو مكتب شؤون العراق مثلا ماهو إلا واجهة إستخبارية سورية تطلع السلطات السورية من خلاله على ملفات العراقيين ومجانا ودون عناؤ! أما الأحزاب اليسارية والشيوعية فهي مرصودة ومكشوفة بالكامل للمخابرات السورية وبكل التفاصيل والرتوش الخلفية والأمامية! أما الأحزاب الدينية العراقية والتي كانت تنشط بالتعاون بين الحكومة السورية والسفارة الإيرانية فكانت تمثل الذراع الضارب للمخابرات السورية في أعمال التجنيد والقتل والتفخيخ والحصول على المعلومات، وإرسال العناصر للعراق أيام الصراع المحتدم بين الحكومتين العراقية والسورية، وحيث كان العراقيون ( السلطة) يدعمون وبسخاء الإخوان المسلمين في كل مجازرهم في الشام بينما كان السوريون يقدمون التسهيلات الكبيرة للأحزاب الدينية العراقية ووفق برنامج براغماتي عالي المستوى ويقبضون الثمن مصالحا ونفطا مجانيا من إيران! كما أن ظروف العراقيين المادية الصعبة في الشام كانت تهيأ المدخل المناسب لفروع المخابرات في تجنيد العديد من العراقيين مقابل مبالغ مالية تافهة ولكنها كانت ضرورية ومهمة لمن يعيش على حافة الإفلاس التام! وليس سرا إن أحزاب عراقية تحكم العراق اليوم كالدعوة أو جماعة المجاهدين العراقيين ( تنظيم الحكيم ) وغيرها كانت تنسق بشكل كامل وتفصيلي مع المخابرات السورية وكانت أوراقها وخباياها ودواخلها مكشوفة بالكامل أمام السوريين الذين كانوا يتلهون ويتسلون بكنز مجاني من المعلومات ثبتت فاعليته اليوم من خلال العناصر الإستخبارية السورية المزروعة في مفاصل السلطة العراقية الجديدة؟ ولعل البعض يتذكر حكاية أول أمين للعاصمة بغداد بعد الإحتلال الأميركي وكان يدعى (محمد محسن الزبيدي ) الشهير بأبي حيدر الكرادي والذي إعتقله الإميركان فيما بعد! فقد كان هذا الشخص مجند وبرتبة ملازم في المخابرات السورية التي أتاحت له مجالات التهريب عبر الخط العسكري اللبناني أو عبر كردستان ،كما زرعته المخابرات السورية ضمن تشكيلات المؤتمر الوطني العراقي في كردستان العراق! وكان الدكتور أحمد الجلبي يعرف هذه الحقيقة وتركه يعمل من أجل إرسال وتمرير مايريده للقنوات الإستخبارية السورية !! وكذلك الحال مع النائب البرلماني الحالي ( مشعان الجبوري ) أحد رجال النظام البائد السابقين والذي قيل أنه قد قدم رشوة ضخمة للأمن العراقي الحالي لإطلاق سراح عناصر المخابرات السورية المعتقلين حاليا!! وهي فضيحة كبرى لم تتم متابعتها ولا تفعيلها! واليوم وبعد إنكشاف الدور السوري تبدو السلطات العراقية أمام مأزق محير قد يفتح أمامها العديد من الخيارات الصعبة أو المفاجآت التي قد تفجرها الأجهزة الأمنية السورية والتي هي على إطلاع تام وتفصيلي بكل الدخائل والقضايا والملفات الخاصة للمعارضين الذين تحولوا لحكام ولكن أوراقهم وملفاتهم وكل أجندات تحركهم تحت رحمة المخابرات السورية! فذلك القيادي مثلا من جماعة المجلس الأعلى الذي دخل الشام عام 1980 حافيا ويتلفع بعباءة ممزقة قادما من النجف تحول في سنوات قلائل لواحد من اصحاب الملايين وحيث ترك السكن في السيدة زينب ليعيش حياة أخرى مرفهة في ( المزة فيلات )!! قبل أن ينتقل ليعيش ( ليالي الأنس في أوروبا )!! وذلك ( المؤمن الآخر ) من جماعة المجلس والذي ذاق طعم المقعد الوزاري في العراق مازال يمتلك في الشام محلات الذهب والعقارات وقد دخلها حافيا معدما أيضا ولكن (بركات الجهاد) و( الدعوات الصالحات) و(خيرات) الخط العسكري اللبناني مع مباركة سماحة (السيد ) و(التضبيط) مع المخابرات السورية جعلت منه شيء آخر تماما!!! ... المسألة الأساسية هي أن عناصر المخابرات السورية المخربة في العراق لن تسلط عليها الأضواء الكاشفة، ولن تعمد السلطات العراقية لممارسة التصعيد الواجب والمطلوب... بل سيظل الغموض سيد الموقف وستخلق ملفات بديلة من أجل التعتيم على الدور السوري التخريبي ... فملفات دمشق المخبوءة ستفعل الأعاجيب؟ ولكن حتى متى تغيب الحقائق عن الرأي العام العراقي؟ تلك هي المسألة!

فماذا ( ببغداد ) من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء!

[email protected]