يحقُّ لنا نحن المواطنين الإعتياديِّن أن نعرف حقيقة الهدف من زيارة كلٍّ من غبطة البطريرك صفير إلى واشنطن، والأستاذ وليد جنبلاط إلى أوروبا وموسكو! نحن نعتقد أنَّ "حقيقة" دوافع الزيارتين لها علاقة وثيقة بـ "حقيقة" النتائج التي توخَّاها مخطِّطو الجريمة التي أودت بحياة المغدور الرئيس رفيق الحريري.
لا شكَّ أنَّ زيارة البطريرك صفير تجاوزت مقامه الديني إلى مقام سياسي أوسع بكثير، فكانت زيارة "رئاسيَّة" أكثر منها راعويَّة. لا نعتقد أنَّ البطريرك صفير كلَّف نفسه عناء السفر إلى واشنطن، وهو شيخ جليل ناهز الرابعة والثمانين، ليطالب الرئيس بوش بالكشف عن حقيقة قاتلي الحريري، فهذا تحصيل حاصل. ولا ليطالب برحيل الجيش السوري، فنصفه كان قد رحل قبل سفره، ونصفه الآخر على الطريق إلى دمشق. ولا كان بحاجة إلى مثل هذا الوفد الكبير من المطارنة والآباء العاملين في مؤسَّسات الطائفة المارونيَّة من أجل أخذ صورة تذكاريَّة مع سيِّد البيت الأبيض. لماذا إذًا ذهب البطريرك إلى واشنطن؟ لنراجع بعض ما ورد في كلمته أمام الرئيس بوش، وبعض أجوبته عن أسئلة طرحها عليها الصحافيُّون كما نشرتها صحيفة "النهار"، في عدد 17 آذار.
موضوع البحث كان "القضيَّة اللبنانيَّة." لم يُطرح على بساط البحث، كما قال غبطته، سلاح حزب الله، ولا المعونات الاقتصاديَّة الأميركيَّة، ولا الجيش السوري، ولا التعزية بالرئيس الحريري، ولا القرار 1559 أو اتِّفاق الطائف. غريب أن يكون هناك هذا الوضوح التام في كلِّ ما لم يتمَّ بحثه، أمَّا الموضوع الأساس، "القضيَّة اللبنانيَّة"، فيبقى عنوانًا غامضًا لموضوع مبهم. وما يزيد في الإبهام إبهامًا أنَّ غبطته نقل إلى الرئيس بوش "وجهات نظر اللبنانيِّين وتطلُّعاتهم"!
هل نقل غبطة البطريرك وجهة نظر جميع اللبنانيِّين؟ لا نعتقد. فاللبنانيُّون حالة فسيفسائيَّة شئنا ذلك أم أبينا. ولا نعتقد أنَّ غبطته نقل وجهة نظر العلمانيِّين أو القوميِّين مثلاً، ولا الطوائف المسيحيَّة الأخرى التي لها مَن ينطق باسمها. ولا نعتقد أنَّه تكلَّم باسم "حزب الله"، فهو قد نفى أن يكون قد تطرَّق إلى ذلك. ولا نعتقد أنَّه تكلَّم باسم الطائفة السنيَّة، فلها أيضًا مَن يمثِّلها سياسيًّا ودينيًّا، فخطاب النائب بهيَّة الحريري الأخير كان واضحًا وقاطعًا في العديد من المسائل التي تختلف فيها مع بقيَّة أركان المعارضة، بما فيها التيَّار الذي يغطيِّه غبطته بثوبه.
هل تكلَّم غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير باسم وليد بك جنبلاط؟ ربَّما. والمرجَّح أنَّ الجواب "نعم".
ماذا عن زيارة السيِّد جنبلاط إلى روسيا! إنَّ ما ينطبق على زيارة البطريرك إلى واشنطن ينطبق على زيارة جنبلاط إلى روسيا. فلا هو ذهب ليطالب بالكشف عن قتلة الرئيس الحريري، فالروس والأميركان لا بدَّ يعلمون بالآمر والمخطِّط والمنفِّذ. ولا هو ذهب ليطالب بسحب القوَّات السوريَّة، فهي كانت في طريقها إلى ذلك. وما ينطبق على غبطة البطريرك بالنسبة إلى "باسم مَن" تكلَّم في واشنطن ينطبق أيضًا على "باسم مَن" تكلَّم جنبلاط في روسيا. إنَّه لا يتكلَّم باسم العلمانيَّين ولا السنَّة ولا الشيعة ولا بقيَّة الطوائف المسيحيَّة.
هل تكلَّم وليد بك جنبلاط باسم غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير؟ ربَّما. والمرجَّح أنَّ الجواب "نعم".
ممَّا رشح عن زيارة غبطته إلى واشنطن كما نقلت صحيفة النهار أيضًا، أنَّ غبطته التقى بول وولفتز نائب وزير الدفاع الأميركي الذي حضر خطبة لغبطته، وكان مرتديًا شارة المعارضة اللبنانيَّة، وصفَّق لغبطته أكثر من مرَّة! يحقُّ لنا، لجلاء الحقيقة، أن نعرف لماذا يقوم رأس الكنيسة المارونيَّة في العالم، ويفترض أنَّه رجل سلام، بلقاء نائب وزير الدفاع الأميركي! هذا في المبدأ. ولكن يحقُّ لنا أن نسأل لماذا التقى هذا المسؤول بالذات، الذي كان من عتاة المحرِّضين على ضرب العراق، ومن أشد مؤيِّدي إسرائيل! والذي لا شكَّ فيه أنَّ يديه مخضَّبتان بدماء الآف الشهداء في العراق وفلسطين ولبنان. بل يحقُّ لنا أن نسأل عمَّا قاله غبطته فاستحق التصفيق منه أكثر من مرَّة.
ما الذي قاله غبطته أيضًا! جوابًا عن سؤال فيما إذا كان يمكن مماثلة زيارته إلى واشنطن بزيارة البطريرك حويك في مطلع القرن الماضي إلى باريس، أجاب: "هذا نتركه للمؤرِّخين والمحلِّلين."
زيارة البطريرك حويك إلى باريس! ألم تكن تلك الزيارة التي ولَّدت "القضيَّة اللبنانيَّة" موضوع البحث الأساس في زيارة غبطته إلى واشنطن؟ فلنعد قليلاً إلى الوراء لنحاول تعريف "القضيَّة اللبنانيَّة"! القضيَّة اللبنانيَّة التي حملها معه البطريرك حويك إلى فرنسا كانت قضيَّة لبنان الماروني، أو لبنان مأوى الموارنة في الشرق. هذه الزيارة نتج عنها "لبنان الكبير" ذو أكثريَّة مارونيَّة أُُلحق به ما عرف بالأقضية الأربعة التي سُلخت عن سورية، ولم تُضمَّ إليه مناطق سوريَّة مسيحيَّة أرثوذكسيَّة كبرى شمال منطقة عكَّار وشرقها، بسبب رفض البطريرك لأسباب بدهيَّة.
لكي يخفي مهندسو القضيَّة اللبنانيَّة فجاجة القول بحكم الطائفة الكبرى لطوائف أخرى، أعطيت "القضيَّة اللبنانيَّة" اسمًا ملطَّفًا فأصبح لبنان "ملاذ الأقلَّيات"، التي اعتُرِف لتاريخه بسبع عشرة منها رسميًّا، تتقاسم الحكم كأيَّة شركة مساهمة يتناسب عدد مقاعد كلٍّ منها مع عدد أسهمها، أي رعاياها. هذه الصيغة كانت مناسِبَة ما دامت حصَّة كلِّ مساهم من المساهمين لا تتغيَّر، وما دامت طائفة من هذه الطوائف هي دائمًا في حكم "المتقدِّم بين الشركاء".
"القضيَّة اللبنانيَّة" واجهت منذ تأسيسها، وتواجه دائمًا، خطرًا وجوديًّا من جهتين: جهة عدم إلتزام بعض الطوائف بـ "الكوتا الديموغرافيَّة" المفروضة عليها، وجهة بروز تيَّارات علمانيَّة وقوميَّة ترفض الكيانات السياسيَّة التي عُلِّبَت فيها الطوائف و"الإثنيَّات" على أساس المحاصصة، وترفض أن تتعامى عن الخطر الإسرائيلي الوجودي وإن كان خارج حدودها السياسيَّة، كما ترفض أن تعتبر شؤون بغداد والقدس وعمَّان ودمشق شؤونًا خارجيَّة.
نعتقد أنَّ هدف زيارة البطريرك إلى واشنطن وهدف زيارة السيِّد جنبلاط إلى روسيا هو بحث هذه "القضيَّة اللبنانيَّة" ومن هذه الزاوية تحديدًا، ومن ضمن متغيِّرات جذريَّة تعصف بالمنطقة. لقد وجدا نفسيهما أمام حالة استثنائيَّة في زمن استثنائي ربَّما يقدِّم فرصة استثنائيَّة. الحالة الاستثنائيَّة هي تناقص نسبة أسهمهما ما أدَّى إلى تقلُّص نفوذهما بعد اتِّفاق الطائف في لبنان. الزمن الاستثنائي هو زمن تغيير الدول وتفتيت الهلال الخصيب، بعد غزو العراق، إلى طوائف و "إثنيَّات" تتظِّلل أنظمة فدراليَّة تتصارع تحتها. أمَّا الفرصة الاستثنائيَّة فهي إعادة "التوازن" إلى نسبة أسهم الطائفتين المتناقصتين عددًا، مقايسة بنسبة بقيَّة الطوائف في لبنان. كيف يمكن ذلك وقد تفاوتت الأرقام بما لا يمكن عكس مفعوله، وفيما يخبط جيل الشباب بأجنحته ليخرج من وراء قضبان أقفاص الطائفيَّة؟ الجواب: ليس بالضرورة لبنان كما هو اليوم تحديدًا. فلبنان صيغة مطَّاطة – بالإذن من دعاة 10452 كلم مربع – يمكن لها أن تتقلص أو تتمدَّد حسب المقتضيات.
من معالم هذا الزمن الاستثنائي ضرب مشروع أيَّة دولة مركزيَّة قويَّة يمكن لها أن تقوم في الهلال الخصيب. وآخر الخطوات في هذا الاتِّجاه كان فرض الانكفاء السوري عن لبنان، واستطرادًا عن دور لها في فلسطين والعراق. غياب الدولة المركزيَّة القويَّة يفتح شهيَّة "الإثنيَّات" والطوائف لطلب "السيادة والحريَّة والاستقلال"، كما يفتح شهيَّة المصالح الأجنبيَّة بتوظيف "الإثنيَّات" والطوائف ذات الشهيَّة إلى طلب "الحريَّة والسيادة والاستقلال". منذ أشهر ذكر الرئيس الأسد أنَّ ثمَّة "سايكس – بيكو" جديدة تطبخ في المنطقة. وفي الوقت نفسه تقريبًا كتب الأستاذ طلال سلمان مقالاً افتتاحيًّا في "السفير" تطرَّق فيه إلى الكلام عن لبنان جديد - قديم: لبنان الجبل، بدروزه ومسيحيِّه. يومها استغربنا مثل هذا الكلام. اليوم لا نستغرب. إنَّ الإنكفاء السوري خطر. إنَّه تطويق لدمشق من الشرق والجنوب تمهيدًا لتطويعها وإبقائها إدارة ضعيفة تواجه ملفَّات متفاقمة داخليًّا، ليس أقلُّها خطرًا ملف "الإثنيَّات" والطوائف التي تبقى ورقة الإدارات الأجنبيَّة المفضَّلة.
بدأنا بالقول إنَّ جلاء أهداف زيارة كلٍّ من غبطة البطريرك والسيِّد جنبلاط مرتبط بجلاء أسباب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والجهة المقرِّرة والمخطِّطة والمستفيدة بغضِّ النظر عن الجهة المنفِّذة. في رأينا، أنَّ اسم الرئيس الحريري برز أمام مَن خطَّط لقتله كعقبة وكفرصة في آن معًا. لقد كان عقبة أمام وضع "حزب الله" على لائحة الإرهاب في أوروبا، وإعادة فرز لبنان طائفيًّا، والخلاص من الشق الداخلي لاتِّفاق الطائف، وعقبة أمام عزل سورية على الرغم من خلافاته معها. برز الخلاص من الرئيس الحريري فرصة لتحقيق كلِّ ما سبق ذكره، بالإضافة إلى تقليم أظافر فرنسا التي كان مهندس عودتها منذ تفاهم نيسان 1996، وفرصة لضرب استكمال إعادة إعمار لبنان واستعادته لدوره الاقتصادي والثقافي الحضاري. الخلاص من الرئيس الحريري كان يعني للمخطِّطين والمقرِّرين، كلَّ ما حدث في لبنان منذ استشهاده، وأخطره الفرز الطائفي. صحيح أنَّ مئات الالآف نزلوا إلى الشارع في المظاهرة الأخيرة، ولكن الصحيح أيضًا أنَّهم نزلوا مجموعات لكلٍّ منها هدفها وشعارها وسبب نزولها، كما دلَّ على ذلك التناقض بين خطاب النائب بهيَّة الحريري والشعارات الطائفيَّة والعنصريَّة لبعض المتظاهرين.
إنَّ البطريرك وجنبلاط يقرآن من كتاب واحد أسمه "إعادة ترسيم الحدود الطائفيَّة والإثنيَّة في الشرق الأوسط"، ويرغبان في أن يكون لكلٍّ منهما موقع مميَّز ضمن هذه الحدود. من المؤسف أنَّ التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري سوف يقف عند منفِّذي تلك الجريمة النكراء، الذين ربَّما كانوا أدوات محلِّيَّة، أما المستهدِف والمقرِّر والمخطِّط، فإنَّ التحقيق لن يرميه بوردة.
نختتم بكلمات من كتاب المغفور له إسكندر رياشي، "رؤساء لبنان": "منذ الساعة الأولى لدخول الحلفاء إلى هذه البلاد في خريف 1918، بدأ "البازار" السياسي الذي ما يزال قائمًا حتَّى الآن في جميع البدان العربيَّة، رغم تطوُّر الأحوال وتبدُّل السلطات وتغيير الأنظمة. إنَّه بازار ـ أو بالحري سوق حراج ـ صال وجال فيه النبهاء من الناس في لبنان الذين أدركوا أنَّ الحرب العامَّة لا تقع كلَّ يوم، وليس في كلِّ يوم تنكسر تركيا، وتنفصل البلدان العربيَّة عنها، وتقوم المزايدات بين الإنكليز والفرنسيِّين للوصاية أو الحماية لمُشترى هذه البلدان العربيَّة! إنَّها لفرصة عجيبة نادرة تقع مرَّة كلَّ مائة أو مائتي سنة، والشاطر الحاذق هو الذي يعرف كيف يفيد منها. والشطّار الحاذقون لم يكونوا قليلين في لبنان."
البازار لا يزال قائمًا والشطَّار الحاذقون لا يزالون كُثُرًا.
- آخر تحديث :















التعليقات