في لقاء مثير مع فضائية الشرقية، صرح رئيس الوزراء العراقي المؤقت الدكتور اياد علاوي بانه لم يجرب الديمقراطية من قبل ولم يتعرف عليها الا نظرياً في مكان اقامته في بريطانيا. وهنا يكشف علاوي عن امرين مهمين :
(الاول) ليس كل من عارض الدكتاتورية في العراق "ديمقراطيا"!
(والثاني) ان علاوي وشركائه في الحكومة، رغم اقامتهم في معاقل الليبرالية الديمقراطية لفترة طويلة ، لكن لم يمارسوا الديمقراطية في عملهم السياسي، لا عندما كانوا في المعارضة ولا بعد ان سلمهم الامريكان مقاليد السلطة! وربما لهذا السبب ( اي لعدم وجود ديمقراطيين) قررت ادارة بوش، فرض الديمقراطية بالقوة العسكرية.. لتعلن للشعب الامريكي بان الديمقراطية في العراق قد حققت نجاحا باهرا !
ولتفسير هذا السلوك الخاص بالسياسة الخارجية الامريكية، يعزو العديد من المراقبين بانها تعود لتعاظم نزعة الحرب التي اجتاحت الولايات المتحدة الامريكية بعد هجمات الحادي عشر من سيبتمبر. وتعاظم هذه النزعة، لا يمكن فهمها بمعزل عن حيثيات التفكيير الاستراتيجي لمرحلة ما بعد الحرب الباردة.
فكان الانتصار المدوي للكتلة الغربية الذي اعقب انهيار الشيوعية، وتحول التوازن الاستراتيجي، لصالح الولايات المتحدة، عاملا من العوامل الرئيسية في تعاظم مفهوم القوة الامريكية، التي اصبحت الى حد كبير القوة العظمى الوحيدة في العالم . وتبوات مكانة مهيمنة لم تتبواها اي دولة اخرى في العصر الحديث. فاصبحت نزعة التوسع في السياسة الخارجية واقتحام الساحة الدولية في كل مكان نابعة من الثقة العالية بالنفس.
فظهرت كتابات كمقالة فوكوياما، تعبر عن فكرة (نهاية التاريخ)، والتبشير بانتصار الليبرالية، كنهاية لصراع الاديولوجيات في العالم.. وما على الشعوب لكي تكون من (الفرقة الناجية) الا اعتناق صيغة الديمقراطية الغربية التي اصبحت ذات هيبة ومجد. ونتيجة لعولمة الديمقراطية عنوة دون توفر الشروط اللازمة لتطبيقها، ظهر التناقض بين التنبؤات النظرية بفردوس الديمقراطية وبين نتائج التطبيق التي نجم عنها نتائج ماساوية في أماكن عديدة من العالم: ففي البوسنة أضفت الديمقراطية الصبغة الشرعية على أفضع الجرائم التي لم تشهد اوربا مثيلها منذ الحقبة النازية.
وفي راوندا كان النظام البرلماني الذي فرضه الغرب عامل من العوامل التي أدت الى قتل مئات الالاف من قبيلة التوتسي على يد ميليشيات من قبيلة الهوتو. وفي سيراليون والكونغو أدت الانتخابات الى فوضى شاملة، وفي دول افريقية اخرى أستغلت الانتخابات لاعادة الحكم الدكتاتوري.
في كتابه (التعدد وتحديات الاختلاف) يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج تاون الامريكية دانيال برومبرغ، ان عولمة الديمقراطية شجعت المجموعات الاثنية او الدينية او القومية على لبس عباءة الديمقراطية. فبسبب المزج بين الديمقراطية وبين الهويات الاثنية والطائفية، ظهرت احزاب قومية وطائفية، تدعي لتفسها الديمقراطية، بينما تتبنى برامج عمل طائفية، وتعارض اعطاء الحقوق للاحزاب الاخرى التي تختلف معها في الانتماء القومي او الديني او الطائفي.
ولكن الاكاديمي الامريكي صاموئيل هانتغون، يعارض هذا الرأي. ففي مقاله الشهير (صراع الحضارات) يرى بأن مصادر التشظي القومي والاثني والديني، الذي شهدته اوربا الشرقية واسيا الوسطى، والبوسنة والهرسك، وانتشار الحروب الاهلية والطائفية والعنصرية، في اماكن عديدة بالعالم عقب انتهاء الحرب الباردة، اسبابها ثقافية وحضارية.
يرغب هانتغون، باضفاء طابع عام نظامي وعلم دقيق لتفسير الصراعات والنزاعات لعالم ما بعد الحرب الباردة ولصراعات المستقبل وتطوراتها . مؤكدا على جانبا واحد للنزاعات القادمة بين البشرية وهو : الحضارة والثقافة. فاصبح الدفاع عن الكرامة القومية والايمان الديني هو المشكلة في الصراع وليس اللاعبون السياسيون من وراء الكواليس .
وفي قضية العلاقة بين الشرق والغرب يقول هانتغون: (( ان المشكلة الاساسية التي تواجه الغرب ليست الاصولية الاسلامية ولكنها الاسلام نفسه، الذي يمثل حضارة مختلفة، يؤمن ابنائها بسموّ حضارتهم ويسكنهم هاجس تخلفهم المادي )) .
في حين ان الاسلام في جوهره لاشرقيا ولا غربيا وانما هو كوني وموجه للبشر جميعا كوحدة انسانية. وان ثنائية غرب متحضر وشرق متخلف، هي ثنائية ثقافية زائفة، لان الحداثة مبدئيا ليست جذورها غربية بل عربية، واذا كانت هناك فرق بين الشرق والغرب في هذا المجال، فانه في الكم لا في النوع وسبب ذلك لاستقالة العقل العربي واستسلامه للاستبداد من ناحية، وتعرض المنطقة العربية للاحتلالات الاجنبية على مدى التاريخ من ناحية اخرى .
والتعارض بين الشرق والغرب تعارض ايديولوجي / سياسي. وعندما يرفض العرب الغرب لا يرفضه على صعيد ابداعاته الحضارية العلمية، لان لها صلة بخصوصيتنا الحضارية العلمية . وغالبية الشرقيين (وانا واحدة منهم) معجبين باحترام القانون والتعددية السياسية والدينية والفكرية الموجودة في الغرب. وهو امر طبيعي لانها قادرة على الاجابة عن مشاكلنا الراهنة. وقد افادت الغرب في حل مشاكلهم، وساهمت في تقدمهم العلمي. ولكن لا يعجب الشرقيين ان يكون مجتمعهم نموذجا لثقافة المجتمع الغربي.. فهناك امور في الثقافة الغربية مستهجنة لدى الشرقيين كالحرية الشخصيية للمراة وخصوصا في مجال العلاقات الجنسية، بينما يعتبر الغربيين هذه الحرية جزءا من الحرية الفردية المقدسة لديهم والتي لا يجوز المساس بها ابدا.
وبصرف النظر عن الاختلاف الحاسم بين الثقافتين، لايجوز لاي طرف الحق ان يدعي لنفسه الاخلاق الفاضلة ويضع الاخر في معسكر الرذيلة ! فالقيم الاخلاقية لها ما يبررها وهي تخضع للمفاهيم السائدة في المجتمع وهي مفاهيم متنوعة من مجتمع الى اخر. فالقضايا التي تتعلق بمفاهيم وقيم الاخلاق ولها علاقة بضمائر الناس وايمانهم الديني، هي امور نسبية يصعب قياسها، ويختلف البشر حولها اختلافا كبيرا. لذلك لا يجوز حشرها في مجال العلم.
ولكن مع ذلك هناك فريق كبير من الشرقيين، وخصوصا الجماعات الدينيية المتشددة، تحاول استغلال المفاهيم الاخلاقية الغربيية، لتبرير نبذها للديمقراطية الليبرالية، ووسمها بالانحلال والانحطاط والمادية. وبالتالي تصبح كل المؤسسات الديمقراطية والافكار التحديثية والمنجزات العلمية العظيمة التي حققها العلماء الاوربيون وقدمت خدمات جليلة للانسانية في خانة الانحطاط !
وتتماثل تحليلات هانتنغتون مع موقف الجماعات الدينية المتشددة. حيث يعتبر الممانعة ذات الابعاد الثقافية من قبل الشرقيين ورفضهم لتقليد النموذج الثقافي الاوربي، هي صراع ثقافي وحضاري بين الامم . ثم يعمم مقولات الجماعات الدينية على جميع العالم الاسلامي ويزعم بانه سيتحدى المصالح والقيم الغربية . ويدعي بان فرضيته علمية وغير قابلة للدحض لانها تنطبق مع الواقع ، في حين ان اي فرضية غير قابلة للدحض هي غير علمية. يقول عالم الابستمولوجيا كارل بوبر (( ان تكون النظرية علمية فانه يستلزم ان تكون قابلة للدحض بمجرد بيان المراقبة وليس المراقبة الفعلية))
وقد عبر عن افكار مشابهة لهانتنغتون، القائد الفكري للديمقراطية الحديثة وفيلسوف الحرية والمدافع عن حقوق المراة، الاقتصادي البريطاني جون ستيوارد ميل . فرأى (ميل) بان المجتمع الاسلامي غير ليبرالي، ليس فقط في نظام الحكم الذي كان فرديا واستبداديا، بل في النظام الاجتماعي المتشدد في قوانينه الاخلاقية والدينية فيقول في كتابه (في الحرية) منتقدا نظام الحسبة في الاسلام: ((ان الناس عندما ينهون غيرهم عن المنكر يعتقدون ان الله لا يكره فقط من يعصي اوامره بل سيعاقب ايضا من لم ينتقم في الحال من ذلك العاصي)) ثم يصدر (ميل) حكما على المجتمع الاسلامي ومعه كل المجتمعات السابقة للعهد الاوربي الحديث بانها شعوبا متخلفة فيقول: (( يمكن اهمال تلك المجتمعات المتاخرة التي ما زال الجنس البشري فيها دون الرشد ))
وهذا يعني بان غالبية العلماء الاوربيين ( وحتى الديموقراطيون منهم ) قد غطسوا في مناخ القرن التاسع عشر الذي اخضع العلوم الانسانية لمنطق العلم الطبيعي الذي تطور في اوربا . هذا ما فعله ماركس في بحوثه الاقتصادية وماكس فيبر ودوركهايم في بحوث الاجتماع وفرويد في بحوثه النفسية وغوستاف لوبون في بحوثة عن نفسية الجماهير. وكل هؤلاء العلماء يجمعون بين عوامل الثقافة والتراث والعرق لشعب ما وبين تخلفه العلمي. ومثل هذه النظريات خدمت الفكرة التي تعطي التفوق والهيمنة لشعب معين على الشعوب الاخرى، وفق مزاعم تميز بين البشر على اسس بيولوجية عرقية..! وقد استلهمت الاحزاب النازية والفاشية هذه الافكار في شعاراتها ودعاياتها السياسية. ثم طبقتها بشكل مرعب لدى وصولها السلطة، مما ادى الى ارتكاب مجازر جماعية لبني البشر في مناطق عديدة من العالم ؟؟
الحقيقة البديهية التي نستنتجها من الفرضيات اعلاه ، بانها تستخدم تعبير ثقافة وحضارة بمعنى واحد ثم تمزجها بالسمات البيولوجية للاقوام والشعوب والجماعات الدينية والمذهبية والعرقية لتصبح خصائص ثابتة للبشر، وكل متماسك ومتوحد ودائم عبر العصور وخلال كل المراحل التاريخية المختلفة.
والهدف الاساسي لمجهودات اصحاب هذه الاطروحات هو ايجاد معارف اساسية عن هذا الشعب او ذاك بمعزل عن ظروفه التاريخية او مكونات حياته الاجتماعية او بنيته الاقتصادية او طبيعة قواه السياسية. حيث يتم التركيز على امور روحية وايمانية مثل فكرة تعصب العرب لسمو حضارتهم او تقديسهم للغتهم.
ويبدو جليا بان هذه الفرضيات تهدف الى اخفاء دور السياسية بما ترتكبه من ذنوب من خلال :
(اولا) تبرئة ساحة الجماعات السياسية والفرق الدينية التي تمارس السياسة من خلال الدين، حيث تعتبر المشكلة التي يواجها الغرب ليست الاصولية الاسلامية ولكن بالاسلام. في حين ان الاخيرة هي المسؤولة عن الكوارث الوطنية والقومية. بل هي التي (وأدت) دولة الاسلام التي بناها محمد (ص) بعد ولادتها بفترة قليلة. وفي تاريخنا المعاصر لو ناخذ على صعيد المثال، زعيم تنظيم القاعدة، فهو لحين غزو الكويت، لم تكن له اي مشكلة مع الغرب. ولولا تعاون المجاهدين الافغان مع وكالة الاستخبارات المركزية في الحملة ضد السوفيت في افغانستان، لما حُسمَ الصراع الاديولجي والخطر الماركسي في افغانستان لصالح الغرب. وكان لذلك الانتصار تاثيرا حاسما على انهيار المعسكر الاشتراكي المدوي وانتهاء الحرب الباردة.
وزعيم حزب البعث في العراق، دخل حربا دموية طويلة وشرسة مع ايران الثورية. وأجر جيش العراق وموارده البشرية والاقتصادية لاحتواء المد الثوري الاسلامي الذي دعا الى تصدير الثورة الايرانية وقلب انظمة الحكم ومحاربة الشيطان الاكبر!
وما ان تغيرت الظروف الاقليمة والدولية وانتهى الصراع العقائدي الاديولوجي، وتغيرت مصالح الساسة والنخب، وهي التدافع على السلطة والنفوذ والموارد المادية من اجل متاع الدنيا حسب مقولة الرسول محمد (ص) الماثورة في خطبة الوداع، تغير الصراع، وتحول الى صراع حضاري وديني. وبعد ان واجه صدام تحالفا ضاربا قوامه قوة الغرب العسكرية في عاصفة الصحراء، والتي كانت عرضا لعضلات القوى العسكرية الامريكية كقوى عظمى وحيدة في العالم، تخلى بسرعة البرق عن شعارات البعث العلمانية، وتبنى الخطاب الديني، واضيفت كلمة الله اكبر الى العلم العراقي ..!
واتبع بن لادن النمط نفسه، واصبحت امريكا حليفة المجاهدين في الامس القريب عدوة الاسلام والمسلمين. وقام هؤلاء (الساسة) بتعبئة المسلمين للحرب والدمار تحت شعار الدفاع عن الدين الحنيف وشرف الامة المهانة .
وفي الغرب ظهرت كتبا لا تعد ولا تحص تتحدث عن ظاهرة الاسلام المتشدد. وعن ظاهرة الدول ذات القرابة. وتعني بان الدول التي تنتمي الى حضارة واحدة عندما تدخل في حرب مع شعب من حضارة اخرى تحصل على مساندة الشعوب الاخرى، ودليلهم في ذلك، الخطاب الحماسي للزعيم الايراني اية الله خامنئي خلال حرب عاصفة الصحراء، الذي اعتبرها حربا بين الاسلام والغرب ...! بينما لم تشترك ايران في تلك الحرب، بل تفرجت على صدام كيف اذله حلفاء الامس ! وفعلت ايران نفس الشيء في ام المعارك ..! واصبحت ايران هي المستفيد الوحيد من حروب الخليج التي قادها الامريكيون ضد العراق، حيث جعلت الميزان الاقليمي يتحول لصالح ايران، معرضة العراق الى فراغ امني خطير، ولم تكتفي بذلك بل سلمت مقاليد السلطة لحلفاء ايران في العراق ، وهم الان يلاحقون ، عرب العراق بتهمة الارهاب !!!
(ثانيا) تبرئة صناع القرار الغربيين من مسؤولية شن الحروب وابقائها مشتعلة . وهذا امر طبيعي، فغالبية هؤلاء الخبراء والباحثيين الذين يعملون في مراكز بحوث الشرق الاوسط (والعالم العربي والاسلامي)، ومركز شؤون الحكم في جامعة هارفارد، ممولة من قبل المؤسسات المرتبطة بالمصالح الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية لصناع السياسة والقرار في الولايات المتحدة الامريكية.
وهذا النمط من التفكير لمؤسسات البحث الامريكية ينتمي بصلة القرابة للتقليد الفكري الفرنسي / الالماني والمتمثل بفلسفة الهيغلية المحدثة والوجودية والظاهراتية التاويلية والبنيوية والابستمولوجيا ذات المنحى الوضعي المحدث. واصبح هذا التفكر التقليد السائد في البلدان الانكلو-ساكسونية . ويقول الباحث يرغن هابرماس في كتابه الفلسفة الالمانية والتصوف اليهودي، بان هذا التفكير قد تغلغل في شرايين العلوم الاجتماعية في الغرب وخصوصا في الجامعات الامريكية بواسطة طلائع المهاجرين من المثقفين اليهود. وقد نفذ انطلاقا من ميزتين: التاويل والدعوة الصوفية الكابالية Kabbale المتمحورة حول فكرة الخلاص.
وتقول الباحثة الامريكية (حنا ارندت) في كتابها اصول الاستبداد، بان الافكار الثورية التي نشرتها الفلسفة الالمانية، قد ابطلت مشاعر هذا الجيل الوطنية الصادقة. فالغرائز المعادية للانسانية والليبرالية والفردانية تلك الافكار التي اثارها جيل الجبهة للفترة بين الحربين ، جعلت هذا الجيل يمدح العنف ويعلي من شان القوة والقساوة.
ومن الجديل بالذكر بان ميشيل عفلق مؤسس حركة البعث هو احد رواد جيل الجبهة الذي درس في فرنسا وتاثر بالفكر الالماني بشقيه المادي الماركسي والرومانسي القومي، فكتب يقول: (لقد تعلمنا من الفلسفة الالمانية بان هناك شيئا اعمق من الاحداث الظاهرة او العلاقات الاقتصادية في تفسير مسيرة التاريخ ونمو المجتمع وهذا ما عدل فلسفتنا المادية). انظركتابه في القومية العربية وموقفها من الشيوعية: 1944.
واعتراف عفلق لفؤاد مطر كاتب (قصة حياة صدام حسين). بان الاسلوب الذي ادار به صدام حسين الصراع الفكري والسياسي في العراق هو النموذج الامثل، الذي يجسد فكر البعث ومفاهيمه. (فؤاد مطر: صدام حسين: السيره الذاتيه والحزبيه واسلوب الحكم وادارة الصراع، 1989 ، ص266)
تكشف هذه الوثائق، بان العنف الذي مورس في العراق، ليست هويته عراقية، وليس له علاقة بحضارة العراق الرافدية ، ولا بحضارته العربية الاسلامية. بل انه (تصميم ) من ابداع الثقافة الغربية وفكر التصوف اليهودي الذي حكم الفلسفة الغربية الحديثة.
وتكشف لنا الباحثة حنة ارندت في كتابها (في العنف) بان النخبة الامبريالية اثبتت بصورة خرقاء ولكن (عملية) بان صراع الكل ضد الكل انما هو مبدا الكون وان التوسع الاستعماري هو ضرورة نفسانية قبل ان تكون (وسيلة سياسية)، وان الانسان ينبغي ان ينقاد وفق قوانين كونية مماثلة. وهذا الكلام يظهر الوجه الحقيقي للاستعمار الغربي في المنطقة العربية، الذي يعبر عن ارادة القوة بالمعنى النيتشوي. وبان رغبة الغرب باخضاع قوانيين الطبيعة على الانسان كان وراء كل اسباب العنف على الصعيد العالمي.
في النهاية اقول، بان السياسة الامريكية الخارجية، ليست داعية للديمقراطية، بل داعية للفوضى، والعدمية، وموت الانسان، وهذا ما جعلها تسلم السلطة (المغتصبة) لغير الديمقراطين!
وان الشعب العراقي ومثله الشعب العربي ازاء معضلة تهدد وجوده ومستقبل احفاده. وهذه مسؤولية وطنية وتاريخية تقع على عاتق جميع وجهاء الامة وعقلائها. وما يتفق في الاجل القصير مع هذه المهمة، ان تتدعم الوحدة والتعاون، لانتزاع مصير الشعوب والاوطان من ايدي اصحاب المصالح السياسية، ودهاقنة الديمقراطية، حلفاء المؤسسة العسكرية الامريكية، وان تقاعسنا عن هذا الدور، فلا مناص من ان الايام المقبلة ستكون غير سعيدة. فالتحديات خطيرة والممثل لها عصبية اسرائيل، فهي التي تقف خلف عصبياتنا المتقاتلة؟ واذا سقط العراق وتقسم بين العصبيات المتقاتلة التي تديرها اسرائيل، ستسقط الدول العربية كلها واحدة بعد الاخرى، وستكون مجرد امارات تحكمها اسرائيل من النيل الى الفرات. ولمواجهة هذه التحديات نحتاج الى:
(اولا) مقاومة غزو الاجسام الغريبة التي دخلت الجسم العراقي وطردها.
(ثانيا) اصلاح الاضرار التي غزت الجسم العراقي ونفذت فيه سموم (الطائفية والاثنية) والتي ولدها الجسم العراقي نفسه بسبب الاستبداد. فلولا الاستبداد لما تعرض الجسم العراقي والعربي لعملية الغزو الخارجي.. وان المرض واعراض الحمى الذي اصاب الجسم العراقي والعربي ليس الا تطور لهاتين العمليتين .. واعراض المرض تكون عادة معادلة لنضال الجسم ضد عامل خارجي دخله واربكه! وما يبذله الجسم العراقي الان (من جهد ومقاومة خارقة) هو ليس سوى اصرار العراق للبقاء على قيد الحياة، رغم القوة الشرسة الغاشمة التي تبغي تدمير اول دولة عرفتها البشرية.
باحثة في شؤون العراق
[email protected]















التعليقات