864
تم صباح اليوم 6 – 4 – 2005 انتخاب جلال الطالباني رئيسا للجمهورية العراقية . أول مواطن عراقي من القومية الكردية يحتل هذا المنصب وهو يستطيع أن يتحدث في المؤتمرات الصحفية بثلاث لغات : الكردية والعربية والانكليزية لأول مرة في تاريخ الصحافة العراقية. الشيء المثير في هذا ( التعيين – الانتخاب ) أنه بداية إيجابية حقيقية في الانتقال من ثقافة " الاستفتاء على مرشح واحد إلى ثقافة "انتخاب" ولو كان الأمر محدداً بمرشح واحد. لم يشهد تاريخ العراق الحديث غير رؤساء ستة جاءوا إلى المنصب بواسطة الانقلابات العسكرية التي يسارعون في تسميتها بمصطلح " ثورة " حمراء أحياناً وبيضاء في أحيان أخرى . ثم قام المدعو صدام حسين بتطوير وسيلة تنصيب نفسه رئيسا للجمهورية بواسطة "الاستفتاء" وهو نوع من الثقافة الاستبدادية المبطنة بغلاف الديمقراطية وقد أصبحت هذه الثقافةمشاعة في عدد من البلدان العربية الاشتراكية العظمى كما هو الحال في الاستفتاء الوراثي الاشتراكي (بشار الأسد)في الجمهورية العربية السورية , وفي الاستفتاء الديمقراطي المصري ( حسني مبارك ) وفي الاستفتاء العشائرياليمني (علي عبد الله صالح ) وفي الاستفتاء الليبرالي التونسي ( زين العابدين بن علي ) وفي غيرها من البلاد العربية الأخرى القائمة أنظمة رؤسائها على نظرية ( جئنا لنبقى ) .
اليوم وضع العراقيون مساحة كبيرة بين ثقافة الاستفتاء وثقافة الانتخاب . ورغم أن هذه المساحة صاحب ممارستها الشيء الكثير من اجتهادات الأحزاب الوطنية العراقية خاصة بين التحالفين الشيعي والكردستانيإلا أنها بكل الأحوال أوجدت أساسا لبداية تغيير جوهري في مفاهيم الحكم والسلطة التي ظلت وكأنها نصوصا مقدسة خلال أكثر من 35 عاما . ففي استفتاءات الرئيس الموجوع صدام حسين كان أي رأي مخالف للاستفتاء يلقي بصاحبه إلى الموت تحت خشبة الإعدام أو إلى التغييب السري في مقاصل التعذيب . أما اليوم فقد تم انتخاب جلال الطالباني رئيسا سابعا للعراق بأغلبية 227 صوتا من مجموع أعضاء الجمعية الوطنية البالغ عددها 275 أي أن هناك 48 عضوا من أعضاء الجمعية ممن لم يصوتوا للطالباني ذهبوا إلى بيوتهم وهم مطمئنون أن سوءا لم يمسهم على الإطلاق ، بل أنهم سيبقون طوال حياتهم وبعد مماتهم – أطال الله في عمرهم – يتفاخرون أنهم عارضوا انتخاب الرئيس السابع من دون أن يتعرضوا للتنكيل والتخوين والتكفير مثلما كان النائب البصراوي جعفر البدر رحمة الله عليه يتفاخر طيلة حياته أنه كان النائب الوحيد الذي عارض تصديق المعاهدة العراقية – الأردنية عام 1946..!
في عصر الاستفتاء الصدامي كان موظفو مؤسسات الدولة وكان المواطنون "يعملون" وويشاركون بـ "الاستفتاء" من أجل شخص قيادي رياديواحد وليس من أجل مصلحة الوطن، حتى أن الكثير من البعثيين المساكين في قواعد حزبهم المجبرين على التطبيل والتزمير في "أعراس" الاستفتاء كانوا يشعرون بثقل المسؤولية الحمقاء وبزيف ما يقولون ويعملون لسبب واحد هو أن من يخالف الرئيس سيكون مصيره ومصير عائلته الموت كماهو مصير عدنان الحمداني ومحمد عايش وغانم عبد الجليل وعشرات غيرهم من أقرب المقربين لصدام حسين!
أما اليوم فما جرى في الجمعية الوطنية وقد شاهده الرئيس الموجوع صدام حسين بأم عينيه من على شاشة تلفزيون حجم 30 بوصة فأنه يعتبر فعلامن الخطوات الديمقراطية المتجهة نحو صياغة عناوين جديدة وممارسات جديدة لعراق جديد ستكونفيه رؤى عديدة وأفكار مختلفة ومنابر متحالفة وسيكون هناك اصلاحيون وتقليديون وديمقراطيون وثوريون وإسلاميون وماركسيون و رجال مستقلون وشعراء شعبيون ناقدون ولن تكون رؤاهم موضع اتهام أومحل سخرية أو تهوين أوتخوين .. سوف يكون بمقدور جميع العراقيين أن يتعرفوا على أفعال السلطتين التشريعية والتنفيذية بعيدا عن تدخل " السلطة الدينية " وسيكون بمقدور المراقبين والصحفيين وجماهير الشعب في المدن والأرياف أن يعترفوا بتلك الأفعال أو يرفضونه، وستكون لدي جميع الأحزاب الوطنيةحصيلة اجتهادات وطنيةبحوار ديمقراطي، بعيدا عن الثنائيات المتناقضة الجامدة ( إما أسود وإما أبيض ) .. وما بين الوطنية والخيانة وما بين الكفر والإيمان.. لن يحتكر أحدا السلطة بعد اليوم ولن يستطيع أحد أن يحتكرالحقيق ة أو يصادر حق الآخرين في الاجتهاد .. سيصبح للمجتهد الديمقراطي عند اللهنصيبان إذا أحسن ونصيب واحد إذا أخطأ..!!
بصرة لاهاي















التعليقات