أود أولا أن أثنّي على مقالة الدكتور رياض عبد الأمير المنشورة مساء أمس [ 6 نيسان ] حول انتخاب الأخ الأستاذ جلال طالباني رئيسا للعراق الانتقالي وزميليه في هيئة الرآسة، متمنيا لهم كل النجاح في وضعنا السياسي المعقد. وقد أحسنت المقالة، ومن قبلها مقالة سبق أن كتبها منذ فترة الدكتور عبد الخالق حسين، [ قبل مرضه الأخير]، عن مغزى وأهمية ترشيح الأستاذ جلال لمنصب الرئاسة. وأتمنى مع الكاتبين الصديقين وعراقيين كثيرين أن يأتي يوم يصعد فيه للمناصب العليا رجال أكفاء من بقية القوميات والأديان العراقية في ظل نظام ديمقراطي حقا وفيدرالي، وعلماني يحترم الحرية الدينية للجميع ولكنه يفصل بين شؤون الدين ومراجعه وبين شؤون الدولة والسلطة المدنية.
وبهذه المناسبة السارة أسمح لنفسي ببعض الملاحظات التي سبق لي التأكيد على معظمها:
1 – لا شك أن انتخاب كردي لمنصب الرئاسة سيثير ثائرة الكثير من الدول العربية ودول الجوار وجميع التيارات العنصرية من البلدان العربية. ولكن ما يجب أن يفهمه العقلاء منهم أن هذا الحدث ليس مجرد مكافأة لنضال الأكراد الطويل والأخ جلال والقادة الأكراد الآخرين في سبيل العراق الديمقراطي والشعب العراقي بكافة قومياته وأطيافه؛ وليس هو مجرد تقدير لكفاءة وتجربة الرئيس العراقي الجديد. إنه أبعد من ذلك من حيث كونه سيكون عامل تقوية كبيرة للأخوة العربية
ـ الكردية، وعامل تعزيز للوحدة الوطنية العراقية التي تجمع العربي والكردي، والتركماني، والكلداني والآشوري، والمسيحي، والمسلم من المذهبين، والمندائي، والأيزيدي، والشبكي، وبقية المكونات في البلاد
2 ـ إن الوضع العراقي يواجه تحديات كبرى في مقدمتها الإرهاب الصدامي ـالزرقاوي وشبكات الجريمة المنظمة التي تعمد نظام صدام إطلاقها من السجون قبل فترة من سقوطه.
ونكرر ما سبق أن كرره كتاب عراقيون عديدون منذ سقوط صدام أن حرب لا تنحسر ثم تتلاشى تدريجيا،، إلا بالمواقف الحازمة، وتفعيل القضاء لإجراء محاكمات قانونية وعادلة،وفورية أحيانا عند اللزوم، للمتلبسين بالقتل والخطف والتفجير والنسف والاغتصاب وإلحاق العقوبات الصارمة العادلة بهم، بما في ذلك أحكام الإعدام لمقترفي الجرائم الكبرى منهم. ونعلم أن للأستاذ طالباني رأيه الشخصي في حكم الإعدام، ولكننا نعلم انه كرئيس سوف يصادق على كل حكم عادل بالإعدام.
3 ـ لقد أجاب خطاب الأستاذ على عدد من الأسئلة الخاصة بالمطالب الكردية، وأعتقد أن على الجبهة الكردستانية واجب الشرح المتواصل والمقنع لهذه المطالب التي تعرضت للتشويش والاتهام ،وخصوصا لندرة التصريحات الكردية الرسمية العلنية خلال الفترة الانتخابية ـ فيما عدا تصريحات واضحة ومقنعة للأخ برهم صالح للشرق الأوسط قبل أسابيع قليلة.
أما مسألة العلم العراقي فأتفق مع السيد الرئيس على أن صدام شوه العلم الذي قامت عليه الجمهورية الأولى، ولذلك ينبغي للحكومة الجديدة وضع حل القضية ضمن قائمة الأوليات، وخلال ذلك العودة مرحليا للعلم الجمهوري الأول وإلى وضع علم جديد عند اللزوم. إن طغيان حاكم وجرائمه تحت علم وطني أيا كان لا يكون مبررا بحد ذاته لتجاهله في المناسبات اللازمة. أجل، لماذا لا يعود علم جمهوريتنا الاولى؟
4 ـ لقد أحسن المجلس الوطني والقيادة الجديدة بالسماح لصدام وزملائه المعتقلين بالمشاهدة التلفزيونية لانتخابات أمس في المجلس، وهذا لهم درس لا يستوعبونه طبعا، علما بأن العراقيين ينتظرون إجراء المحاكمات بلا إبطاء.
5 ـ إن التحدي الخطير الآخر في الوقت نفسه، مع الخطر الأمني المستفحل، هو انتشار وسيادة المعايير الطائفية في تشكيل قوام الهيئات الحكومية مدنية وعسكرية، وتراجع المعيار الوطني العراقي في الشارع وبين النخب، مع استثناءات. وقد برزت هذه الظاهرة في السياسات الحزبية خصوصا في مؤتمر لندن للمعارضة الوطنية أواخر 2002 قبل سقوط صدام ببضعة شهور. ثم استفحلت لأقصى حد بعد سقوطه. والأخطر، وبالارتباط به،هذا التدخل المتفاقم الهيئات الدينية والمذهبية في صميم شؤون العملية السياسية وحتى تفاصيلها، واحتمال أن يؤدي ذلك لفشل عملية كتابة الدستور الدائم ووقوع أزمة سياسية عاصفة في العراق.
إن استمرار هاتين الظاهرتين السلبيتين يحمل معه للمستقبل قنابل مؤقتة وسوف يهدد المسيرة نحو الديمقراطية المنشودة. والمأمول أن نستوعب جميعا مدى خطورة هذه المسألة التي مرت حتى الآن بدون كوارث كبيرة، ولكن يجب معالجتها بإرادة، وتصميم، ووعي، ودراية، وصبر، وبروح الوطنية العراقية وخيمتها المشتركة.
إنه لا يمكن طبعا تجاهل التركيبة العراقية المتعددة قوميا ودينيا ومذهبيا، ولابد ان ينعكس ذلك بدرجة معقولة على التشكيلات الحكومية، ولكن الرجل يجب وضعه في المكان الصحيح بتوفر الكفاءة الحقيقية والخبرة والحرص على وحدة العراق، وليس لمجرد انتمائه المذهبي أو العرقي. إن التوازن مطلوب في هذه المرحلة الانتقالية وفي مجتمع دمر النظام الفاشي كثيرا من جوانبه الإيجابية، فضلا عن إنهاك شعبه دمويا. ولكن التوازن أو التوافق المرحلي اللازم لا يجب أن يتقنن طائفيا على طريقة لبنان. إن الانتخابات التي مرت ورغم بالغ أهميتها كانت انتقالية، وأمامنا انتخابات قادمة وغيرها حيث يجب ان تستقر الشؤون بخطوات على أسس ديمقراطية برلمانية صحيحة. إن الانتخابات لا تعني بحد ذاتها قيام الديمقراطية بل هي مستلزم جوهري من مستلزمات الديمقراطية. وبدون استكمال الشروط الأخرى للديمقراطية ومنها الممارسة والوعي الديمقراطيان، وعزل التيارات الأصولية التي تحارب حرية المرأة وتطارد معتنقي الأديان الأخرى، وضمان احترام صلاحيات الدولة وهيبتها، وغيرها من المستلزمات الضرورية، فلا يمكن الحديث ان انتخابات كانون الثاني المارة قد وهبتنا الديمقراطية كاملة على صينية من الورد.

6
ـ سمعت أمس أن النية متجهة لاستحداث وزارات رديفة لعدد كبير من الوزارات الهامة القائمة. أتمنى أن يكون الخبر مجرد إشاعة مقلقة. نعم أتمنى ذلك من القلب. إنني لا أعتقد أن سياسيين بعيدي النظر يمكن أن يقعوا في هذا المطب. قد يقال إن لدول كبرى ما يشبه ذلك في تعددية الوزارات في بعض المجالات؛ ولكن إحنا فين وهمّه فين!! فلا نحن دولة كبرى، ولا نحن في وضع ديمقراطي حقيقي ومستقر، بل لا نزال في مرحلة انتقالية شديدة الصعوبة والخطورة. يظهر أن هناك من روج الإشاعة لغرض ما كالقول إنه يجب "ترضية الجميع". فما المقصود ب"الجميع"؟ هل ممثلون لما يسمونها زيفا "مقاومة وطنية ضد الاحتلال"؟ أين هي هذه المقاومة التي ترفع السلاح وتقل وتخطف الأجنبي والعراقي معا؟ أم من الوطنية الاعتداء على جنود القوات متعددة الجنسية الذين لولاهم لما سقطت الفاشية، والذين يجازفون بحياتهم يوميا لحفظ أمن العراقيين؟!!

7
أفهم أن يكون من يعارض بقوة احتلالا استعباديا
حقا أن تكون وراء هدفه جماهير الشعب، عكس العزلة الشعبية المقاومة الصدامية المسلحة الموتورة على الشعب الذي فرح لتحرره شعبيا. المقاوم الوطني الذي يؤمن من منطلق وطني وعاطفي بحت وجوب رحيل القوات المتعددة الجنسية حالا عليه أن يعلن بوضوح برنامجه السياسي، وأن يدافع عنه بجرأة في الصحف والمظاهرات السلمية وليس في تفجيرات حتى لأنابيب النفط واغتيال للمئات من الموظفين والمدنيين وأفراد الشرطة العراقية أنفسهم، وحرق المساجد. ولا يمكن تصديق الدعايات التي تحاول لصق تبعات هذه الجرائم على الزرقاويين وحدهم.لا أحد يريد تخليد بقاء هذه القوات وحليفاتها المتعددة الجنسية، أو كما قال بريمر في بعض تصريحاته" كل شعب لا يريد الاحتلال". غير أن ما يريده الصداميون وحلفاؤهم هو عودة النظام البائد وإطلاق سراح زعمائه وعودة امتيازاتهم الفاحشة، وإلا فإنها حرب القتل والتفجير والنسف والخطف، بالتحالف مع الزرقاويين وعصابات الجريمة المنظمة.
إن استحداث وزارات مضاعفة لا يعني غير تكريس البيروقراطية ومضاعفتها، وشل الأجهزة الحكومية، وإشعال الصراعات حول الصلاحيات بين وزارة وأخرى، وهي ظاهرة تجري مقدماتها الآن مع الأسف في بعض المحافظات، وحتى بين قادة الشرطة، كما حدث مؤخرا في النجف بمباركة من المحافظ نفسه الواجب والمفروض خضوعه لوزارة الداخلية في المركز. وبالطبع، ومع الازدواجية وزيادة العدد، سيكون نزف المال، وزيادة المتاعب الاقتصادية الراهنة ومضاعفة الأعباء المعيشية التي يعاني المواطنون منها، وذلك بدلا من مكافحة ظاهرة الفساد الإداري المالي المتفشية على مختلف المستويات تقريبا.
وأخيرا، هل يمكن ترضية "الجميع" حتى إن لم يكن القصد "المقاومة الوطنية" المزعومة؟!!! وترى أي حكم في العالم يستطيع "ترضية الجميع"؟؟
وبانتظار التشكيلة الحكومية، أكرر التهاني والتمنيات للهيئة الرئاسية و لرئيس الوزراء القادم.