حكيت فى مقال سابق القصة الشهيرة لجحا حين قيل له بأن هناك حريقة فى المدينة، فقال : لايهم مادامت بعيد عن الحى الذى نسكن به، وبعد قليل قيل له بأن النار شبت فى الحى الذى تسكن فيه، فقال : لايهم مادامت بعيدة عن منزلنا، وبعد فترة قيل له بأن الحريقة جاءت إلى منزلك، فقال : لا يهم ما دامت بعيدة عن (....) مؤخرتى، (النقاط بين القوسن هى كلمة مؤخرة باللهجة المصرية، ولكنى لا أستطيع كتابتها هنا )!! المهم أننى ذكرت وقتها أن كل المؤخرات معرضة للحريقة، وذلك قبل إنتشار القنابل المفخخة فى العراق، وقبل إنتشار الأعمال الإرهابية فى السعودية وقبل العملية الإرهابية الأخيرة فى قطر، وقبل عملية طابا الإرهابية.

إن العملية الإرهابية التى تمت بحى الأزهر بالقاهرة بالأمس، والتى راح ضحيتها بعض السياح الأجانب، ومعظم الضحايا بالطبع من المصريين، هى نتاج طبيعى لسياسة الإعلام المصرى والعربى والذى جعل من الإرهاب مقاومة، وجعل من الإرهابى فدائى و"إستشهادى"، وجعل من الأجانب سكارى وبغايا وأعداء وصليبيون جدد، وجعل من كارثة التسونامى انتقاما الاهيا من الأف والخمسمائة سائح سويدى فى تايلاند لأنهم كانوا يرتدون المايوهات الخليعة !! وجعل ممن يتعامل مع الأجانب خونة ويستحقون ما يجرى لهم، وأصبحنا نرى على مدار الساعة ونقرأ يوميا لفقهاء الإرهاب الذين يفتخرون بالشباب "المؤمن" والذى يضحى بنفسه فى سبيل دينه، ولم نسمع أن أحدا من فقهاء الإرهاب (السماوى والقرضاوى والزرقاوى والهويداوى والغنوشاوى والزعبلاوى ) قد أرسل أى من أنجاله وأحفاده إلى الجنة عن أقصر طريق وهوطريق "القنبلة"، والستة الآف شهيد مدنى وشرطى عراقى والذين راحو ضحية الغدر والقتل العشوائى والمقاومة المزعومة، إنما دماؤهم فى رقبة فقهاء الإرهاب، ويجب أن نحاكمهم فى الدنيا قبل أن ينالوا عقابهم فى الآخرة، إن القنوات الفضائية العربية (وأولهم قناة لهلوبة الفضائية) والتى أخذت تهتف وتبارك العمليات الإرهابية فى العالم وتعرض عمليات الذبح على شاشاتها يجب محاكمة المسئولين عليها ووضعهم فى قفص إتهام واحد مع فقهاء الإرهاب أمام محكمة العدل الدولية فى "لاهاى"، لن نطالب بقتلهم مثلما يفعلون بمباركتهم للقتل، ولكن نطالب بمحاكمة عادلة لهم أمام محكمة دولية، وهم أبرياء حتى تثبت إدانتهم (طبعا حكاية "أبرياء حتى تثبت إدانتهم" دى بينى وبينكم، لاهم أبرياء ولا يحزنون!!).

أخذت فى الأسابيع الأخيرة أفكر فى الشاب الإرهابى فى العراق والذى ذهب إلى سرادق العزاء لميت عربى مسلم مثله وقام بتفجير نفسة وعشرات الضحايا معه، ما الذى حول هذا الشاب إلى (روبوت – إنسان آلى) يتلقى أوامر بتدمير نفسه وتدمير الآخرين، ما الذى حبب الى نفسه الموت بدلا من الحياة، من الجانى فى هذه الجريمة ومن المستفيد من الجريمة، بالقطع الشاب قد مات ولا يمكن أن يستفيد من جريمته، ولكن من وراءه والذين يسعون إلى وقف مسيرة التقدم بالعراق هم المستفيدون، الذين لا يستطيعون الإشتراك فى التعميروالبناء لانهم لا يقدرون إلا على التدمير هم المستفيدون، الذين رفضوا الإشتراك فى اول إنتخابات حرة وهددوا من يشترك فيها بالقتل لأنهم لا يؤمنون إلا بالطغيان هم المستفيدون، الذين لا يستطيعون الإرتفاع إلا على جماجم الأبرياء هم المستفيدون، الذين يسعون إلى ضرب "الكرسى فى الكلوب" لإشاعة الظلام لأنهم لا يستطيعون العمل فى النور هم المستفيدون، مثلهم مثل تلميذ المدرسة الخائب الذين يحرص على حرق المدرسة لأنه لا يقدر على الدرس والجهد ويأمل أنه بإحراقه للمدرسة سوف يتساوى مع غيره من التلاميذ المجتهدين. أن ثقافة الفشل المتواصل مع النعرة الكاذبة والنرجسية الغير مبررة والتفوق العنصرى والقومى والدينى الوهمى وثقافة كراهية الآخرين، مع "تلويث" المخ المتواصل مع لوى أعناق بعض النصوص الدينية، مع بيع صكوك الغفران وحوريات الجنة الى الشباب الصغير المحروم لا بد وأن يؤدى كله فى النهاية إلى أحضان الإرهاب.

إن السياحة اليوم فى مصر هى مصدر رئيسى من مصادر الدخل وهى بصراحة الأمل الوحيد لنهضة مصر ومستقبل مصر، مصر لن تستطيع فى المستقبل القريب أن تنافس الصناعة الصينية الرخيصة والمتقنة ولن تستطيع أن تنافس الكفاءات البشرية الهنديةالرخيصة، ولن تستطيع أن تنافس الصناعات التجميعية الإلكترونية فى كوريا وسنغافورة وماليزيا، لا أمل لدى مصر سوى السياحة والتى من الممكن أن تتضاعف على ما هى عليه حاليا إذا إنتفتحت العقول والقلوب وأن نأخذ السياح بالأحضان والورود بدلا من القنابل، إن من إرتكب تلك الجريمة ومن حرض وخطط لها ومن هيأ المسرح لمثل هذه الجرائم، إنما يفعل هذا لتخريب إقتصاد مصر عمدا مع سبق الإصرار والترصد ويستحق تطبيق قانون العقوبات المصرى عليه لمثل تلك الجريمة، إن من يريدون تخريب الإقتصاد المصرى إنما يريدون القفز إلى الحكم فوق الأنقاض، وكلنا نعرف من هم.

أننى أنتظر فتاوى فقهاء الإرهاب تعليقا على هذه الجريمة، هل ياترى سيقولون بأن السائحة الفرنسية الشهيدة كانت عميلة للموساد الإسرائيلى جاءت إلى مصر لنشر الرذيلة ووباء (الإيدز)!!، أم أن بائع (البليلة والفول المدمس) الذى أصيب فى الحادث كان متواطئا مع المخابرات الأمريكية لتهريب سر صناعة الفول المدمس والبليلة إلى أمريكا، أم ياترى يا هلترى أن الرجل الطيب الذى كان فى طريقه إلى مسجد الإمام الحسين قد إصيب فى الحادث لأنه ربما كان شيعيا يستحق القتل مثلما يحدث فى العراق لأنه ذاهب للصلاة فى مسجد الإمام الحسين، أم أن الشاب المصرى الطيب البسيط الذى أصيب وهو يحاول أن يبيع بعض الهدايا إلى السياح يعتبر خائنا ومتعاونا مع الصليبيين الجدد، إفيدونا فقهاء الإرهاب، فنحن كتاب (المارينز)، قد (غلب حمارنا) وتعب دماغنا من التفكير، وتذكروا أن " كل المؤخرات معرضة للحريقة" بما فيها مؤخراتكم "الكبيرة" !!

[email protected]