إيلاف: مر عامان على سقوط نظام صدام حسين، وجرى كثير من الماء والدم تحت الجسر. يقين ان خليطا من المشاعر انتابك يوم سقوط هذا النظام، ولربما لا تزال هذه المشاعر هي عينها التي تشعر بها حتى اليوم. فما هي هذه المشاعر إزاء هذا الحدث الكبير؟ وهل حصل فيها تغيّر.. سلبيٌّ... إيجابيٌّ؟

***

أحمدعيد مراد: إذا اختلط الوهم بالحقيقة وتمازج الحلم باليقظة، يتعذَّر عندئذٍ التمييز بين الواقع والخيال، فيصبح النيسان نعمة نتمكَّن معه من تقدير الأمور موضوعيًّا وتقرير مسارها بواقعيَّة تحدِّد شكل المستقبل الذي لا علاقة له بالماضي.
وعندما يتعلَّق الأمر بتقرير مصير شعب ووطن، يصبح من الضرورة أيضًا أن نبتعد عن العاطفة، ونعتمد العقل أساسًا في النظر إلى عراق اليوم انطلاقًا إلى مستقبله. لذا، فشعور الفرح الذي انتابني كعربيٍّ مغترب لخلاص شعب العراق من حكم فرد طاغية، أراه الآن مشوبًا ببعض ألم وحزن، ولكنَّه متفائلٌ حَذِرٌ في استشفاف المستقبل. وطالما تمكَّن هذا الشعب من تقرير مصيره، نرجو مخلصين ألاَّ تُعيد فئة أقليَّةً كانت أم أكثريَّةً حُكمًا يضع مصالحها فوق مصلحة الوطن بما فيه من تباين وتمازج في عِرقيَّاته ودياناته ومذاهبه.
أخشى ما يُمكن أن يُخشى أن يتَّخذ عراق المتستقبل أنموذجه من لبنان الواقع، أي أن يكون وطنًا جغرافيًّا مُحدَّد المعالم ومستقلاًّ، ولكنَّه منقسم المذاهب والانتماءات.
لقد أعانت قوًى أجنبيَّة شعب العراق على امتلاكه حرَّيَّته، ولكن عليه وحده دون الاعتماد على عونٍ خارجيٍّ مهما كانت صفاته أو مآربه، رسم مستقبل العراق وتحديد هويَّته ونظامه السياسي الذي يعطي كلَّ مواطن حقوقه كاملة قبل أن يطلب منه واجباته لهذا الوطن.
مهما ارتفعت المياه تحت "جسر العراق"، ستكون في نهاية المطاف لخير أرض العراق، ومهما انحسرت تحت هذا الجسر الدماء، فإنَّها لن تجلب غير الخراب والدمار. فما تحاور شعب بالكلام والمنطق والعقل إلاَّ أفلح وتقدَّم، وما تحاور شعب بالقتل والعصبيَّة والسلاح إلاَّ تشتَّت وتهدَّم. فشتَّان بين عراق حكمته عصابة باسم حزب أو قبيلة أو مذهبٍ، وبين عراق حاضرٍ يتعانق فيه عربه وأكراده، ومسلموه ومسيحيُّوه لمستقبل عراق أفضل متَّحدٍ أرضًا وشعبًا ودولة ومؤسَّسات، ولا وجود فيه لمحتلٍّ نفوذًا ورموزًا، ويكون قدوة لجميع شعوب منطقتنا العربيَّة هويَّة وانتماءًا.
وفي الختام، جميل أن أستذكر قولاً لي في مناسبة مماثلة: "تمرُّ على الإنسان، كما الأممِ أحداثٌ يودُّ لو أنَّها تمَّحي من ذاكرته وتغيب عن تفكيره. وهنا يصبح النسيان نعمةً لا تعادلها نعمةٌ. ومن الطبيعي أن يحاول المُصابُ الخلاصَ من آلامه وعلله. ولكن أن يتشبَّث أحدنا بفاجعته، ويرجو ألاَّ تغيب عن ذاكرته، فهذا أمر ربَّما يبدو غريبًا!
عذاب الجراح وآلام الذاكرة، ولو بعد نصف قرنٍ آخر، خيرٌ من فقدان الذاكرة والوجود.
رئيس المركز العربي الكندي للثقافة والإعلام،
عضو مجلس إدارة نادي الصحافة الوطني الكندي، ورئيس لجنة العلاقات العامَّة.
[email protected]