التحليلات حول سقوط النظام الشمولي "طالما الوالي الامريكي"

مازال الكثير من الباحثين والمختصين يبحثون عن السبب الاساسي الذي ادى الى انهيار القوات العسكرية العراقية وسقوط النظام السريع ففي الذكرى الثانية لسقوط النظام البعثفاشي واحتلال العراق اعادت الكثير من وسائل الاعلام ما كتب عن هذا السقوط السريع وخصته ايلاف بموضوعات عديدة وتاكيدات على ماذهبت اليه منذ بدأ الحرب وتحت عنوان "سقوط التمثال" فلاحظت ان اكثرية هذه التحليلات لم تستوعب الضرورة التاريخية لرحيل هذا النظام المتهرئ الذي اصبح عالة على الحياة، والرحيل الذي اقصد ليس بمعناه التقليدي انما كان يجب ان ترتبط بالعامل الداخلي اي بالشعب العراقي وقواه الوطنية، الا ان الاكثرية من الشعب اصبحت لا تطيق النظام ومعارضة لوجوده ووجود حزبه ومنظماته الامنية فوجدت نفسها مرغمة على الانحسار والتقوقع بسبب عدم وجود قيادة وطنية في داخل الوطن تستطيع قيادتها ورسم الطريق امامها وهذا مرده ايضاً لآلة القمع الرهيبة التي اتبعها النظام الشمولي تجاه قوى المعارضة الفعلية بينما فضل البعض من هذه القوى الاعتماد على العامل الخارجي " الامريكي البريطاني " من اجل التغيير اضافة الى الدعم المادي والمعنوي من بعض دول الجوار .
النظام الشمولي ومنذ انتهاء حرب الخليج الثانية وتحرير قسم من كردستان العراق وبسبب الحصار الاقتصادي راح يتخبط في سياسته الرعناء وبدأت ايضاً اكثرية ابناء الشعب العراقي تقف موقفاً لا مبالياً منه ومن قراراته الفوقية ولم تستجب على الرغم من وسائل القمع والارهاب الى الانخراط في عملية الدفاع عنه على الرغم من مظاهر التجمعات والمظاهرات التي كان يقيمها بالقوة والتهديد وبدلاً من معالجة وضعه المتأزم بشكل حضاري وعقلاني وترك السلطة بالاحتكام على قرارات الشعب واختيار الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق القوميات فقد ازداد في غلوائه وبطشه وتعنته امام الارادة الدولية وخلق حالة مستنفرة دائماً غير مستقرة للحرب والاعتداء التي عانت منها اكثرية الجماهير العراقية وفي مقدمتها شغيلة الفكر واليد ولهذا نجد ان النظام البعثفاشي قد اصبح معزولاً الا من المنتفعين الذين ربطوا مصيرهم بمصيره وارتبطت مصالحهم بمصالحه اما بقية الشعب فاصبح في جهة اخرى يتحين الفرصة تلو الاخرى للتخلص منه وباي طريقة كانت، هذا الشعور المتفاقم من الكراهية والضد خلق فراغاً واسعاً ما بين تطبيق سياسته او الوقوف ضدها حتى لو كان ذلك سلبياً اي الصمت وعدم تطبيق القرارات وخلق حالة من الفوضي وانتشار اللامبالاة والرشوة والفساد الاداري في اعلى مرافق الدولة بما فيها الشرطة والجيش، ولاول مرة في تاريخ الجيش العراقي تجد الجنود والضباط خاصة يتعاطون الرشوة فضلاً على انها اصبحت قضية شائعة بين دوائر الدولة وبالتالي صارت زاد يومي للكثيرين حتى في سلك القضاء والتعليم وبهذين المهنتين اصبحت الدولة في خبر كان قبل سقوطها واحتلال العراق، لأن التعليم عبارة عن جهاز لتربية الاجيال ، والقضاء هو الذي ينشر ويطبق العدالة بين الناس فاذا خربا هذان الجهازان الحيويان فاقرأ على الدولة السلام. وحين العودة للتحليلات نجدنا لا نعثر الا على القليل جداً من الاشارة الى هذا الجانب الحيوي في الدولة ، صحيح كتب الكثير عن اغتراب اكثرية المواطنين في بلادهم بسبب هذه العزلة والعزوف عن العمل اليومي المعارض، وصحيح جداً كتب الكثير عن تردي الاوضاع المعاشية والاقتصادية والارهاب والبطش وغيرهما من القضايا التي ادت الى تهميش دور الجماهير وانعزالها لكن كل التحليلات والآراء وبخاصة العسكرية منها اوعزت سبب الانهيار الى تغييرالخطط العسكرية والقيادة العسكرية والقرارات السياسية.
باعتقادنا ان اهم شرط اساسي في سقوط النظام الشمولي الطلاق الكامل بينه وبين اكثرية الجماهير العراقية هذا الطلاق الذي خلق موقفاً سلبياً حتى من الاحتلال الذي كان يجب ان يقف اي وطني مخلص ضده بالممارسة العملية او الذهنية، اي ان اكثرية الشعب العراقي اصبحت متفرجة وكأنها تعيش في بلد آخر غير بلدها لا بل كان هناك ارتياحاً عاماً للخلاص من النظام الدموي الذي كان حكمه الارهابي اقسى من جميع الذين حكموا العراق بعد تأسيس الدولة العراقية، ولهذا وجد النظام الشمولي وقيادته السياسية والعسكرية انفسهم معزولين تماماً عن الشعب لا بل اصبح الشعب عدوهم كما هي قوات الاحتلال فاختلت الموازنة العسكرية والسياسية والفكرية مما ادى الى التخبط في القرارات وعدم الاتزان وتداعي الروح العسكرية والدفاعية مما عجل لهروب عشرات الآلاف وترك المعدات والاسلحة العسكرية للخلاص بالنفس وهذا الانهيار يدل ايضاً على الحالة النفسية والتردد وعدم الثقة في نفوس اكثرية الجيش والعديد من ضباطه وفقدان الثقة بالقيادة العسكرية فاحتكم السلبية والانهزامية الا البعض القليل ، وفي هذه النقطة التقت السلبية العسكرية بالسلبية الشعبية فكونتا ظرفاً مؤآتياً للانهيار واحتلال ليس بغداد فحسب وانما العراق بأجمعه..
ان التحليلات التي اشيرت على جبروت القوة الامريكية وتطورها التكنلوجي العسكري وامكانياتها المادية وقوة جيوشها الضاربة مقابل واقع الجيش العراقي وماكنته العسكرية وآلياته القديمة وضعف دفاعه الجوي لم تشر الى دور اكثرية الشعب العراقي وموقفها السلبي من النظام الشمولي وعدم الدفاع عنه حتى بالكلمة، ولو كان الامر عكس ذلك فهل كانت هذه القوات باستاعتها احتلال العراق وهنا يكمن جوهر الموضوع لأن الشعب العراقي كان السبب الاساسي في اسقاط النظام بدلاً عن الدفاع عنه وهو ما غيبته اكثرية التحليلات والمقالات التي نشرت خلال اليومين الأخرين في ايلاف والبعض من وسائل الاعلام ..
اما التحليلات والاستنتاجات التي كبرت وهللت بيوم التاسع من نيسان 2003 وكأنه عيداً تحريرياً فمازال عليها ان تثبت ليس بالقول لكن بالفعل ان النوايا الامريكية وحلفائها كانت تحريرية وليس مثلما ادعت وجود اسلحة الدمار الشامل مماجعلها تشن الحرب لأسقاط النظام وهذه الفرضية وحدها تدحض اولئك الذين يقولون عكس ذلك، ومع هذا فنحن على يقين ان العامل الخارجي اصبح اكثرية فعالية من العامل الذاتي من اجل التخلص من النظام الدموي للأسباب التي ذكرناها آنفاً، ولكن ومثلما قال الاخ سمير سالم " طالما الوالي الامريكي هو صاحب السطوة والسلطان في تقرير مسار الامور " فدع كل نفاخ مزمار ينفخ في مزماره الطريقة التي تطرب له اذنيه وليس آذان الاكثرية من الناس.

[email protected]