يبرز سؤال الغاية بقوة لدى النخبة العربية، تلك التي توجهت بكل ما تملك نحو ترسيم معالم الخصوصية لديها،حتى كانت الفعاليات رهنا بما تفرزه هذه الخصوصية، التي راحت تهيمن على مختلف الفعاليات، حتى اختلط السؤال بالجواب، وراح الوعي يعيش الاستلاب والتحديد، باعتبار هيمنة الموجه الأيديولوجي على المجمل من الرؤى والتصورات، إلى الحد الذي غدا فيه الفكر واقعا تحت إسار الاشتراط والموجهات الثابتة، التي لاترضى بغير الحقيقة المطلقة، عنوانا ومجالا لمحددات التكوين وتوجيه الإنتاج الفكري.

الرضا والقبول
يكشف التركيب الفكري العربي، عن حالة اللقاء والتلاقح الذي تم بين الفكر العربي، والفكر الغربي، إلا أن السمة العامة بقيت تدور في فلك التلقي والتلقين، لاسيما بالنسبة للفكر العربي الذي ظل يعاني من تراكمات الإرث القديم الذي فرض بسطوته على المجمل من الفعاليات.ومن واقع تركيز النظر في التأسيس الذاتي والتطلع في طريقة تفاعل الثقافي في الاجتماعي، تتبدى بوضوح حالة التقاطع الذي يصل حد الفجاجة، بين الحقلين الاجتماعي والثقافي، لاسيما على صعيد الانتاج المعرفي والفكري، الذي ظل يعاني من تراكمات التبعية والقلق المسرف حول الرضا والقبول، وشخوص نظرة التمييز التي تفرضها سطوة القيم والمعايير المنتجة من قبل الاجتماعي، ومن هذا برزت حالة الوهن التي فرضت بسمتها الفارقة على المجمل من النتاج، الذي راح يتشبث بشبح الموضوعية، لكن الواقع كان يشير بجلاء لا يرقى إليه الشك، حول التقاطع المرير بين ماهو منتج فعليا، وما هو قائم في صلب الوعي الذاتي، ومن هذا يكون التلفيق وقد تصدر الواجهة، حتى ليعسر على المراقب والمتتبع، تمييز المفاصل الرئيسة في شكل ومضمون مسألة التواصل الاجتماعي بين الفئات التي يتكون منها المجتمع العربي.
من وعي الذات، إلى ترسيمة التوزع بين الثقافي والاجتماعي، يكون التوقف الطويل حول موضوعة ترصد الواقع والمثال،بحثا عن الافق الذي تتجلى فيه مسار العلاقات، وطبيعة تشكلها في المجال العربي، ذلك الذي يبقى مرتهنا للموجهات الراسخة والثابتة، والساعية، إلى تكييف المجمل من القطاعات والرؤى، بل والعمل على انتهاك السياقات السائدة، من خلال التدخل المباشر في صياغة المعنى وتوظيبه، وفقا لإرادة المنظور المتوافق والمتضافر مع الاتجاهات الرئيسة، تلك التي تدعي الكمال والتوافق العميق مع الواقع.الخرق المباشر الذي عمدت القوى المهيمنة لقواعد النمو والتغير، ساهم وإلى حد بعيد في إفراز المزيد من مواطن التداخل والارباك في صلب العلاقات السائدة، حتى كانت الأعراض الجانبية وقد تبدت في شكل وطبيعة المساهمة الصادرة عن الأفراد والمجموعات.فالحذر والخواف، ومحاولة تثمير التبعية المحلية، وتركيز مجال الخضوع والاستتباع، كان له الأثر المباشر والمهم في تهيئة الاجواء، نحو تقبل مضمون التبعية، الذي جاء حاضرا من خلال طبيعة الزحف العسكري المباشر الذي مارسته القوى الاستعمارية بحق الوطن العربي، إبان تمايز قسمات التباين النوعي في القوة، ذلك الذي أتاح للقوى الأوربية من الزحف نحو العالم الشرقي، واكتساح المجمل من المقومات التي يزخر بها الكوكب الأرضي، حتى كان الأوج الذي تبدى به الأوربيون، الذين راحوا يعلنون عن العمق والتواصل الحضاري، مع اليونان والرومان، في تسويغية قوامها البحث عن العمق البعيد الذي يروج لمدلول الشرعية لديهم.بإعتبار الغاية والهدف التي تمثلت في الغزو والسيطرة والنهب المنظم لخيرات وممتلكات الشعوب الأخرى، ومن هذا راح الخطاب تتلبسه المزيد من المؤثرات التبشيرية والتجارية والعسكرية، فيما لم يغب المدلول الحضاري الذي حضر تبخيسيا للمجمل من الحضارات والمكونات الثقافية للآخر، بإعتبار التوزيع المباشر الذي راح يوزع العالم إلى متحضرين وبرابرة، في استعادة ملفتة للتراث الإغريقي والروماني.

الإفراط بالثناء
مفهوم التبعية الراهن الذي يجثم على الواقع العربي، يستمد حضوره من طبيعة التأثير الذي مورس من خلال التمايز في قسمات القوة والسطوة والمبادرة، تلك التي تكرست لدى الآخر حتى كان الاندهاش والاعجاب بتفوق هذا الآخر الذي لم يتوقف عن تقديم المختلف والمميز الذي يستحق الثناء والاعجاب في المزيد من نتاجه، لكن هذا الثناء تحول إلى سبة تكاد تصل إلى حد اللعنة، حين يتم التهليل المفرط بكل مايصدر عن الآخر، حتى انبرى الكثير من الدارسين الباحثين، ليضعوا ذلك العنوان المليء بالمرارة والأسى حول الابتلاء بالغرب، حيث الصورة التي تكرس حضور المتفوق الذي لايشق له غبار.هذا التكريس الذي راح يتجلى في الاستلاب والخضوع والاستسلام القهري للمقولات والاتجاهات والرؤى والتصورات، بل والرهانات والتحديات التي تعن على الكائن الثقافي.
في غمرة التحولات التي شهدها الوطن العربي، وحالة التغيير التي نالت من الكثير من القطاعات والحقول، إلا أن ملمح التأثير يبقى يعاني من المحدوديو والنقص الفاضح، حتى ليتبدى المشهد وكأنه باق على ذات الحال القديم الذي طبع مفاصل وحدود البدايات التي انطلقت منها حاضنة السؤال الأول، حول ما العمل، وكيف السيل للنهوض والاستيقاظ والتبدل والخروج من وهدة الخنوع والاسى والقنوط. وإذا ما حضر السياسي في الراهن كمؤشر على عمق التحديات التي تواجه المجتمع العربي فإن الأزمة تبقى فاردة بكل ماتملك من حضور في التأثير على الحقول الرئيسة التي يقوم عليها المجتمع، ومن هذا يكون النظر نحو التربوي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، حيث سيادة قيم الاستهلاك والخضوع للأطر الجاهزة التي تكون وكأنها الأسس الثابتة التي لا تقبل المناقشة أو حتى إمعان النظر فيها.إنها الوجهة الصالحة المكتنزة بالإكتمال، الحاوية على التفوق والقدرة الخارقة على التغيير والتقدم والتطور.

الواقع الافتراضي
التشظي الذي يغمر التصورات الثقافية السائدة، يبقى بمثابة العنوان الفاضح لحالة الخلل العميق الذي تكلس في المحتوى والمضامين المتداولة، حيث التشتت في طبيعة النظرة إلى الواقعة والتمثل.فالثقافي يحضر وكأنه اللبوس الذي يفسح المجال أمام تصدر المقولات الرجراجة الخالية من المضامين والأهداف، حتى لتتبدى وكأنها التهويمات الصادرة عن عطب أو خلل ما في الجهاز الفكري ومنظومة الوعي الاجتماعي.فعلى الرغم من الحديث المتكرر عن الوعي الذاتي، إلا أن هذا كله يبقى رهنا بالتداعي الحر، أو السقوط في مدارج إسقاط الفرض ومحاولة اللحاق بالموضة الثقافية الرائجة، ومن هذا يكون التقاطع المرير بين الواقع الذي يعيش صخبا خطابيا يصك الأذان، والتمثل المجزوء الذي يعاني من الفقد والتلعثم وقلة البضاعة، بل والازدراء من قبل قطاع واسع من المتلقين، الذين يجدون أنفسهم وسط لجة من المقولات الفضفاضة التي لا تناسب حجم وأصل الواقع.إنه الواقع الافتراضي القائم على توسيع الهوة بين العقل الجمعي، ومدار الأفكار التي يتم استجلابها والافراط في التهليل والترويج لها، والانغماس في تقديمها بوصفها حبل النجاة لأزمة المجتمع.
التلكؤ الذي طبع التفاعل الثقافي في المجال العربي، يكشف عن حدة التطلع الذي وقع فيه المثقف العربي ذاته، حيث التوجهات التي راحت تشمر عن جهودها في سبيل تقرير الوجهة والرهان الخاص بها، حتى كان الانقسام والتوزيع الذي طبع مجال الحراك الثقافي، هذا إذا جاز لنا أن نصفه بالحراك أصلا.فالتقليدي والمحافظ، راح يحشد ما تيسر له من جهود في سبيل مواجهة الحداثي، فيما راح هذا الأخير يبذل الجهود نحو ترسيم معالم المواجهة، لتكون المحصلة وقد تبدت في الهدر الملفت للامكانات والمدارك المتاحة، حيث الانشغال بالصراعات الهامشية، على حساب المضمون الأصيل والراسخ.

[email protected]