الوجوه الصفراء في التليفزيون المصري

القاهرة من محمد عبدالرحمن: هدأت عاصفة التغيير في كل مكان في مصر، عدا وزارة الإعلام , الوزارة السيادية الوحيدة التى تغير وزيرها صفوت الشريف وجاءها الدكتور ممدوح البلتاجي من وزارة السياحة ، التغيير في هذه الوزارة بالذات ليس سهلا ، إنها ليست وزارة بالمعني المألوف ، بل الجهة الحكومية المسئولة عن أقدم جهاز تليفزيون عربي ، وما يتبعه من إدارات ، ومبنى التليفزيون المعروف لدى المصريين باسم مبنى ماسبيرو ، من أضخم وأشهر المباني الحكومية التى تقع على شاطئ نيل القاهرة ، هذا المبنى ضخم في الحجم والفساد أيضا ، ولا داعى لذكر أمثلة كثيرة للتدليل على هذا الكلام يكفي لفت الانتباه إلى أن تليفزيون مصر خارج المنافسة الفضائية منذ سنوات ، ورئيس أهم قطاعاته " قطاع الأخبار " محكوم عليه بالسجن 18 عاما بتهمة الرشوة .
لقد عاش هذا المبنى طويلا تحت نظام الحكم الواحد للسيد صفوت الشريف الذى كان ينفذ سياسة الدولة ببراعة ، ولكن فى نفس الوقت تفشت في المبنى أمراض لا حصر لها ، على رأسها الوساطة ، الرشوة ، التخلف الإداري ، ضعف الفكر والإبداع وغياب إرادة التغيير ، أمراض يمكن أن تصبح موضوعا لسلسة من الكتب , ثم فجأة والمبنى يسير على وتيرة واحدة ، يأتي ممدوح البلتاجي رافعا شعار التغيير من أجل العودة للساحة ، وخلال الأيام الأولى لتولية المسئولية تفجرت أزمة دخول المذيعات بالوساطة لنكتشف أن القضية في ماسبيرو لم تعد " هل معك واسطة أم لا لتدخل وتظهر على شاشة التليفزيون " بل أصبحت " ما هى قوة واسطتك لكي تساندك حتى النهاية " .
جاء البلتاجي بهدف التغيير ، ولكن هل ينجح ، هذا هو السؤال الصعب , هل تغيير القيادات في ماسبيرو هو الحل ؟ ، ولكن ماذا عن الأجيال التى تربت على نفس النظام ، هل تتاح للمبنى مساحات أوسع للحرية ، كان من الممكن اتاحتها منذ زمن ، إلا أن الملكيين الذين هم أكثر ملكية من الملك نفسه لم يفكروا في إتاحتها ولو من قبيل الوجاهة الديمقراطية ؟ .

وأذكر مثلا يدل على صعوبة التغيير الذى يأمله كل المصريين ، فقد تحدثت مع رئيسة إحدى القنوات حول موضوع ما ، ولكنها رفضت الحديث وقالت بالنص " معلش اعذرني ، مش هقدر أقول أى كلمة دلوقتي ، أى كلمة ممكن تتفهم غلط , الرجل اللى مشي – تقصد الشريف – كان فاهمنا , لكن الوزير الجديد لسة منعرفوش " هنا مربط الفرس ، لقد وضع الشريف رجالا ونساءا يفهمهم ويفهمونه ,فهل يستطيع البلتاجي التغيير مع بقاء رجال وسيدات صفوت الشريف ، الوجوه الآن في المبنى العملاق تلونت باللون الأصفر ، الكل خائف ويترقب ، والتغييرات بدأت بقرار ضبط الإنفاق وتقليل ساعات الإرسال ودعوة مطربي مصر للعودة لتليفزيون مصر ، ولكن القيادات لم تتغير بعد وإن كان يتردد أن من يبلغ سن التقاعد لن يتم التجديد له كما هو الحال الآن ، وبالتالي الجميع سيرحل تباعا خلال عام لا أكثر إذا صدق هذا الكلام ، فهل تستمر مسيرة التغيير ، أم ينجح ملوك ماسبيرو في حفظ الأمن والوقوف ضد أى انقلاب يقوده البلتاجي .
الإجابة سنعرفها سريعا ، فكلما زادت عدد الأطباق اللاقطة للقنوات الفضائية فوق أسطح الأحياء المتوسطة والفقيرة كلما تأكد فشل ثورة البلتاجي والعكس بالطبع صحيح !

على الهامش :-
•ماسبيرو ، هو عالم مصريات فرنسي راحل، له دور كبير في اكتشافات أثرية مصرية والاسم يطلق على المبنى نفسه والشارع الذى يقع فيه , ويوجد بالقناة الأولى برنامج باسم " ماسبيرو " .
•الوجه الأصفر تعبير مصري يطلق على صاحب الشخصية الخائفة أو الضعيفة جسديا .

محمد عبدالرحمن
[email protected]