قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

خراف متعددة الجنسيات في الاسواق المصرية
تزايد ظاهرة شراء خروف العيد عبر الانترنت

نبيل شرف الدين من القاهرة : الخروف حيوان عالمي لا تكاد تخلو منه بقعة، يتميز بقرونه المعقوفة أو المشرعة فوق هامته كأنه مستعد على الدوام لمواجهة تمرد ما، تراه يمضي وسط القطيع في اعتزاز وكبرياء، لكن غالباً ما ينتهي به الأمر محترقاً بالأسياخ فوق نار جماعة تقضي وقتا سعيداً، وقبل أن يكتشف أهل المدن المصرية تقديم زوج من الحمام للعريس ليلة الفرح، كان الخروف هو المفضل لهذه المهمة طوال التاريخ كله، وليس مصادفة أن الطريق المؤدي إلى معبد الكرنك في مدينة الأقصر جنوب مصر، تتراص على جانبيه كباش بادية الرصانة واليقظة، إذ يقول علماء الحيوان لدى الكباش قدرة خاصة على تحسس أية حركة تمسه، ويرى المهتمون بالأمور الروحية والسحر أن شمهورش ـ وهو أحد كبار ملوك الجن ـ يأمر عادة مريديه بنحر خروف رحماني تحت قدمي "الكودية" في حلقات الزار الصاخبة، والخروف الرحماني ـ نسبة إلى قرية الرحمانية في دلتا مصر ـ يتميز بالشراسة والضخامة، وذو دسم أكثر من الخراف الأوسيمي أو العبيدي المصرية، أو حتى المارينو الفرنسية والإسبانية، وأخيراً السودانية التي أمست حديث المدينة ومثار سخريتها .
ويقول الضالعون في الأديان المقارنة أن التهام لحم الخروف يوم عيد الأضحى يعكس رغبات قديمة منذ أن افتدى به سيدنا إبراهيم ابنه النبي إسماعيل (عليهما السلام)، وقد حاولت حضارات أخرى أن يكون لها حيوانها الأثير كالخنزير أو البقر، لكن الخروف ظل الأشهى والأنسب دائماً، لكن لعل افتقاد الخروف إلى الفروسية والنبل والوعي ـ مع ما يثيره مشهد التحدي والشراسة ـ هو الذي جعل الناس يلقبون خصمهم بأنه خروف، وخصمهم يسمع لكنه لا يدرك المقصود كعادته .
والحاصل أن خروف العيد هو البطل الأول لأحداث عيد الأضحى وطقوسه المتواترة بين كافة المسلمين كل عام، وليس دائماً هو الضحية، فغيره من المواشي تنحر خفية وبليل وبشكل جماعي في المسالخ، دون حفاوة أو أدنى اكتراث، كما تراه كثيراً مفروشاً على الأرائك الشرقية، وفي مداخل حجرات الضيوف، إعلانا عن تمتع صاحب البيت بسر الخروف "الباتع"، ويوازي ذلك ما تجده في مداخل قصور اللوردات والبارونات من جلود السباع إعلانا عن شجاعتهم في رحلات الصيد، سواء في زمن الاستعمار أو حتى ما بعده .
وسياسياً فقد حرصت الحكومة المصرية هذا العام تحديداً ـ ولأمر في نفس يعقوب ـ أن تبرم عدة اتفاقات مع كل من أثيوبيا واستراليا وأوكرانيا ورومانيا ومولدوفيا، لاستيراد خراف حية بكميات ضخمة لضخها في أسواق الأضاحي بمناسبة العيد، وكالفارين من الحروب وصلت بالفعل إلى الموانئ المصرية طلائع هذه القوات متعددة الجنسيات، بكمية قدرت بنحو 125 ألف رأس خروف وبقر من البلدان الستة المذكورة، وفي الوقت نفسه تشهد مصر أيضاً زيادة في أسعار اللحوم البلدية تراوحت بين 10 و30 في المائة، حسب أنواع اللحوم والأحياء التي تباع فيها، ومع ذلك فقد بدا الكساد واضحاً هذا العام، وتجولت قطعان الشياه والماعز تتبختر بثقة واعتزاز في شوارع القاهرة، سواء الشعبية العتيقة، أو العشوائية المتخمة، أو حتى الراقية الهادئة، وهذه الأخيرة تحديداً هي أفضل الأسواق للباعة السائرين في مناكبها سعياً وراء لقمة العيش، وأملاً في رزق الله الوفير في هذه الأيام المباركة، غير أن الأمر اتخذ منحى آخر وتغير الحال من مجرد إقدام تاجر صغير أو راع على خوض مسيرة أحد ضواحي مصر الجديدة، ذلك الحي الرومانسي والمهم المتاخم لشرق القاهرة، ليصبح الأمر في قبضة ما يمكن وصفه بمافيا الأضاحي، ممثلة في عشرات من البوابين ذوي السطوة في الحي، أو رعاة يدفع بهم الجزارون الذين يدركون جيداً أن هناك من بين زبائنهم في سكان الحي، من يفضل لعب دور الصياد، متصوراً أنه بشرائه الخروف من الراعي سيوفر، وينتقي الأفضل، ما يكرس داخله شعور الصياد نحو فريسته، ويرى الجزارون ـ الذين دفعوا بالقطعان سراً ـ هذا المشهد، لكن تفرض عليهم مقتضيات لقمة العيش أن يكتفوا بالصمت ولا مانع من ابتسامة ذات مغزى .
وإليكترونياً فقد اقتحمت الخراف أيضاً فضاء الإنترنت للعام الخامس على التوالي، ويمكن أن نرصد إقبالاً واضحاً من أعداد المترددين على مواقع أسست خصيصاً لغرض بيع الأضاحي، خاصة من قبل المسلمين المقيمين في الغرب، ولاسيما وأن "قدس برس" نقلت عن بعض الفقهاء اعتبارهم ألا حرج في ذلك الأمر، حيث يختار الراغبون في شراء خروف النوع الذي يريدونه من أحد مواقع الإنترنت التي تقدم هذه الخدمة، ويقومون بدفع نصف الثمن بالاتفاق مع الشركة المعلنة، على أن يدفع النصف الباقي فور استلام الخروف، أو يدفعون كل الثمن فورِا مع رسوم الشحن عبر بطاقات الائتمان، مع وجود خيارات أخرى للدفع .
وتقودنا الأثمان إلى الاقتصاد، حين انتشرت في مصر منذ سنوات طويلة مضت، طريقة شراء خراف العيد بالتقسيط، خاصة في الأحياء الشعبية بالقاهرة والجيزة وبعض المدن الكبرى، حيث أقبلت فئات كثيرة من ساكني تلك الأحياء على الشراء بهذه الطريقة؛ نظرا لعدم توافر السيولة المالية الكافية، والكساد الذي يضرب الأسواق رغم انحسار مد الدولار، وتراجعه أمام الجنيه المصري، لكن ذلك لم يشعر بنتائجه المصريون بعد، ممثلاً بانخفاض أسعار الاحتياجات الأساسية والسلع والخدمات، مع حرص قطاعات عريضة من المواطنين على هذه "العادة"، داعين الله ألا يقطعها حتى يرث الأرض وما عليها، ومن هنا اقترح أحد نواب البرلمان أن تتولى وزارة التموين بيع الخراف بالتقسيط؛ حتى ينتشر هذا النوع من المبيعات، وتستطيع فئات كثيرة من المصريين شراء خروف العيد .
وتبقى آخر نكتة سمعتها في القاهرة، بمناسبة الخراف والذبح، تقول إن خروفاً سأل زميله في الحظيرة : لماذا مر عيدان ولم يذبحوك ؟
فرد عليه : لأني مسجل في شهادة الميلاد "حمار" .
وكل عام وأنتم بخير