قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حوار شامل مع الباحث السعودي في جامعة هارفارد د. سليمان الهتلان ( 3-3 ):

حاوره : عبدالله المغلوث: لم يكن يعلم ذلك الفتي الصغير الذي يشق الصحراء ذهابا وإيابا، ويكتب بأصابعه على الرمال التي تتحرك ببطء تحته، أنه سيكتب بذات الأنامل في صحيفة نيويورك تايمز، سيحمل ذات الجسد الذي يتهادى خلف الأغنام التي يرعاها إلى جامعة هارفارد العريقة التي أصبح أحد باحثيها. " إختطف السعوديون طائراتنا و هاهم يختطفون صحافتنا". استقبله أميركيون بعبارات مناوئة عندما انتشر اسمه في صحفهم.
مازال يتذكر الدكتور سليمان الهتلان أكتاف القرية التي يصعدها ليلا في جنوب السعودية ليرتل قصائده على مسامع حبيبته التي لم يرها حتى اللحظة. صور جده ( جبران ) تجول بحبور في ذاكرته هي و ( الرشاش ) الذي كان يحمله في الأعراس و ( الجنبية ) التي يحزمها بإخلاص على جسده.
الباحث في قسم دراسات الشرق الأوسط بأحد ابرز المراكز التعليمية في أميركا تحدث لـ"ايلاف" عن صناديق مغلقة لا تدخلها الشمس و وادٍ أبيض لاينطفئ.

رحلتي والتلفزيون الأميركي


سليمان الهتلان ساهم في اعداد وانتاج حلقات تلفزيونية مهمة عن السعودية من خلال تعاونه مع قنوات أميركية شهيرة كالسي بي اس وغيرها، سؤال يتدحرج كثيرا أمام المهتمين، ماذا ينقص الاعلام العربي؟ يجيب عليه : " هذا سؤال مهم لأن القنوات الفضائية العربية تشكل اليوم أهم مصدر للترفيه و للأخبار و أحياناً للتثقيف في الوطن العربي. و هذا يحفز على الإلحاح بأن الكتابة للتلفزيون و إعداد البرامج يتطلب جهداً خاصاً و وعياً جديداً كون كثير من برامج التلفزيون العربي أصبحت تلعب دوراً في تشكيل ثقافة المجتمعات العربية. و لعل المثقف العربي يسهم بفاعلية في إنتاج و تقديم بعض البرامج التلفزيونية للفضائيات العربية".

كنا نتسلق جدار الصمت أفواجا وجماعات في أميركا، نتحلق بإخلاص، مع بداية اذاعة مقابلة تلفزيونية للمذيعة الأميركية باربرا ويلترز مع سمو ولي العهد السعودي الأمير عبدالله، لكن سرعان ما جف الصمت فور انخراط اللقاء، حيث انطلقت الأسئلة من حنجرتها كشلال مؤمن، أسئلتها توحي بأنها من سكان ضواحي جده أو ماجاورها، أعجبنا بفريق البرنامج لأنه أنتج حوارا أضاء أمسيتنا، بعد أيام من اللقاء طالعتنا الصحف بلائحة القائمين على البرنامج، برز من بينها اسم الدكتور سليمان، يروي بنفسه تجربته التلفزيونية لـ ( ايلاف ) : " في زيارة قصيرة إلى السعودية بعد أشهر من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، جاءني إتصال من نيويورك. كانت إحدى منتجات برنامج 20|20 على الخط تخبرني أن السيدة باربرا وولترز و فريقها قد رشحوني للمشاركة في إنتاج برنامج خاص عن المملكة مدته ساعة كاملة. عملت مع السيدة باربرا وولترز و فريقها كمستشار و منتج و متحدث بإسم الفريق. كانت تجربة مثيرة إختصرت علىَ طريق طويل و قدمتني لأهم الأسماء اللامعة في التلفزيون الأمريكي و حصلت على جائزتين كبيرتين على أول عمل تلفزيوني جاد أشارك فيه".

ماذا حدث بعد البرنامج؟ " بعد بثه بأشهر كنت في مناسبة إعلامية في نيويورك لإستلام جائزة قريسي ألن للأعمال التلفزيونية. لم أقابل منتجاً تلفزيونياً إلا و عرض علي العمل.. كان الصديق ألن قولدبرج كبير منتجي برنامج 20\20 يصر على تقديمي لنخبة الإنتاج التلفزيوني في نيويورك و يتحدث عني في كل مناسبة. رشحت بعدها للعمل مع مايك وولس من برنامج ستون دقيقة الشهير في محطة سي بي اس ثم عملت مع الصديق الإعلامي الشهير مارتن سميث من ال بي بي اس و ما زلت أشارك في إنتاج برامج وثائقية و أقدم إستشارات متخصصة لمؤسسات إعلامية في نيويورك و أستراليا".


حرف سمين


دكترة رئاسة التحرير، انتشار الكتاب الذين يحملون شهادة الدكتوراة ألاتعتقد أنه يبطل حماسة الموهوبين الذين يملكون تقنية الكتابة لكن لايملكون ذلك الحرف ( السمين )؟ يشير الأكاديمي الهتلان: " للأسف في العالم العربي مازال تقديس الألقاب ( مثل دكتور و مهندس و ناقد و مفكر ) واحدة من مظاهر تخلف النخب في المجتمعات العربية. الهالة التي أعطيت لدرجة الدكتوراة جاءت – في ظني – كنتيجة لسببين: أولا: حماس مجتمعنا في فترة مضت للتعليم قاد إلى حماس و إنبهار بالدرجات العليا وقت ندرتها". ويضيف : " السبب الثاني يعود إلى الجهل بما يعنيه الحصول على الدكتوراة و التي تعني في الواقع التأهيل العلمي لبدء البحث العلمي من دون مشرف. أي أنها شهادة كفاءة و قدرة على إمتلاك أدوات البحث العلمي".
ويتابع الدكتور سليمان تفسيره للدكتوراه : " إنها بمعنى آخر تعني القدرة على بدأ (و أركز جداً على كلمة بدأ) إجراء البحوث العلمية في تخصص الدراسة. هذا لا يمنع من أن يجمع المرء بين قدرة البحث العلمي و قدرة العمل الصحفي. فالدكتوراة هي واحدة من ضمن الخبرات الأخرى قد تكون مفيدة في العمل الصحفي لكنها لا تعني بالضرورة القدرة على الكتابة الصحفية المتميزة.

رقابة

ينبذ التطرف، والتعصب، لكنه يكرس الاقليمية عندما حط رحاله في جريدة ( الوطن ) دون سائر الصحف السعودية كونها تصدرمن المنطقة التي صادقت على ولادته، وتضم أسرته بين ضلوعها...كيف يرى الهتلان هذا الحديث المطبوع على وجوه عدة؟ يرد بوضوح لـ ( ايلاف ): " لم أكتب في الوطن لأنها تصدر من عسير. أكتب في ( الوطن ) لأنها دعتني للكتابة. كتبت في الوطن لأنها أيضاً إحتفت بأول مقال أنشره في صحيفة أمريكية كبرى و لأنها لا تمارس نفس الرقابة الصارمة التي تذوقت مرارتها كثيراً في أكثر من موقع. أطمأنك أنه لا يوجد أي من أقاربي أو أفراد أسرتي ضمن العاملين بالوطن".
ويردف: " أنظر لكل رموز العمل في الوطن، من الإدارة إلى التحرير إلى قائمة الكتاب..... من فيها من الجنوب؟ لعل نسبة العاملين في "الوطن" من أبناء الجنوب هي الأقل و ما عليك كي تتأكد إلا أن تقرأ أسماء قيادات العمل في الإدارة و في التحرير و في قائمة الكتاب إذ أن الوطن الآن قد تجاوزت "الإقليمية" في إدارتها و في أدائها و إلا لما حققت هذا الإنتشار الواسع، في كل مناطق المملكة، على الرغم من حداثة التجربة و كثرة الضغوط".


حياة خاصة
ماذا يدور في ذهن سليمان حاليا، هل يفتش عن منصب حكومي كبير، يبعثر في أنحائه أحلامه؟ يقول: " أنا من قوم يقولون "من طلب الإمارة فلا تؤمروه". و لم أتعلم بعد كيف أبحث عن "منصب حكومي" و إلا لما آمنت بأهمية "الكتابة الناقدة" التي قد تكون عائقاً امام "المنصب الحكومي". لكن أكثر ما يشغلني الآن هو فهم أشمل لظروف مجتمعي و مشكلاته و البحث عن آلية مختلفة لتقديم طروحات و رؤى جديدة – مع قيادات التنوير في بلادي التي ما تزال صامدة – عسى أن نخرج مجتمعنا من سجن الماضي إلى حقائق الراهن و تحدياته الحقيقية".
ترسم الفتيات صورته في كراستهن ودفاترهن الوردية ويسبح وسطها بجوار فراشات ملونة وعصافير صغيرة، فتيات كثر يحلمن بالاقتران به، هل هو مرتبط؟ ماذا عن حياته الخاصة؟سؤال يجيب عليه الباحث السعودي قائلا: " أنت تذكرني بالعشرات، في بلادي، ممن يسألني: هل أنت متزوج؟ ثم لما أجيب، يتبع السؤال سؤال آخر أكثر إقتحاماً للخصوصية: "ليش ما تزوجت؟ عسى المانع خير؟" لا. أنا غير متزوج. لكنني نشأت في منطقة كان للمرأة فيها حضوراً فاعلاً و متحضراً قبل أن
تغير عواصف التخلف و الجهل لتفرض – بكل وسائل التسلط – ثقافة جديدة تقمع أي حضور حقيقي للمرأة في مجتمعي".
يتحدث عن مسقط رأسه : " في قريتي، كان بعض الآباء، من الجيل الذي إنتهى أو في طريق الإنقراض، يعتزي وقت الشدة و يفاخر بأنه "أبو نورة" أو "أبو فاطمة" أو "أخو هيلة". و الآن تلاشى دور المرأة و أصبح حضورها النادر جداً يقلق "رجولة" بعض أبناء الجبل ممن تلقفوا ثقافة غريبة على ثقافتهم الحقيقية إلى درجة أن الرجل يخجل من ذكر إسم زوجته أو إسم أمه أمام الآخرين".
يسحبه الحزن من يديه إلى باب الماضي، يطرقه وينتحب: " كان أجدادنا، في الجاهلية الأولى، يدفنون بناتهم أحياء. و نحن ، في جاهليتنا المعاصرة، مازلنا نمارس عادة الوأد بمحاصرة بناتنا في صناديق مغلقة لا تكاد تدخلها الشمس حتى أصبحت المرأة في و عي "الرجل" المهيمن على كل شىء في مجتمعه ليست سوى مدعاة للشك و الريبة". يسترسل : " لقد قزمنا أنفسنا – كمجتمع – يوم قزمنا دور المرأة و حاصرناها حتى في إنسانيتها و حرمنا مجتمعنا من فرص حقيقية للإبداع و الإسهام. حينما أجلس في جامعتي هنا أمام أستاذة أو باحثة مميزة، أشعر بالحزن لأن المرأة الفاعلة – مثلها مثل الرجل - تحرضني على السؤال: كم في مجتمعي من موهبة مؤودة؟".


اليوم الأخير

كيف كان يومك الأول في أميركا وماذا عن البارحة؟ يقول الدكتور سليمان الهتلان : " وصلت مطار كندي بنيويورك مرتبكاًً قلقاً و خائفاً أن أضيع. كان علي أن أجد طريقي إلى شركة الطيران التي سأسافر عبرها إلى سانت لويس –ميزوري و من هناك إلى كاربونديل بإلينوي. إنتظرت. ترددت على بوفيه صغيرة و بتلعثم طلبت شاهي. و كنت أشرب شراباً بارداً سيء الطعم. عدت مرة أخرى و كررت الطلب: شاهي. و من جديد أتذوق نفس الطعم البارد. مرت أشهر قبل أن أعرف أنني كنت أشرب شيء إسمه شاهي بارد". ويختم حديثه لـ ( ايلاف ) : " البارحة؟ ... أعدت قراءة و كتابة إجاباتي على أسئلتك!".