حاوره أحمد عدنان: يتشعب الحوار مع صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود بين الإرهاب، والعلاقات السعودية الأمريكية، والإصلاح في المملكة، لتشعب اهتماماته في الإصل بين قضايا المرأة والتعليم والفقر والاهتمام بقضايا الوسطية والمجتمع المدني، وهي كلها قضايا متشابكة إلى حد صعوبة الفض فيما بينها، كما أن التحولات التي تشهدها المنطقة والظروف التي يشهدها العالم تستدعي التساؤل حول تطوراتها في المملكة على وجه الخصوص.

* صرح المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية جون كيري قبل أشهر متهما الرئيس جورج بوش الابن بالتهاون مع السعودية، ما تقييمكم للعلاقات السعودية الأمريكية بعد أن أصبحت السعودية لأول مرة ورقة يزايد عليها في الانتخابات؟
ـ معظم الطرح الذي تسمعه في الانتخابات الأمريكية، هو طرح موجه للناخب اليهودي الأمريكي، أتذكر مقولة للرئيس ترومان حين اعترف بإسرائيل (هل للعرب ناخبون في أمريكا؟ ). ومع هذا، فإن من يحصر تأثير هذا الطرح على الانتخابات وحدها فهو مخطئ، إذ يجب أن نأخذ كل كلام يخرج من الولايات المتحدة على محمل الجد، وأن ندقق فيه، و نبحث أسبابه وظروفه ونعمل على علاجه، لأن الإعلام الأمريكي أو الإدارة أو الكونجرس أو مراكز الأبحاث المحسوبة عليها، كلها عناصر لها موقعها من صناعة القرار الأمريكي.

* لأكن أكثر دقة، بعد ما يناهز الستين عاماً من العلاقات الوطيدة بيننا وبين الولايات المتحدة، دار في بعض الدوائر الأمريكية حديث عن تقسيم السعودية، وهذا يدفع للتساؤل عما إذا كانت العلاقات السعودية الأمريكية مبنية على أسس سليمة؟
ـ في ساحة العلاقات الدولية يجب أن نفرق بين الصداقة والمصالح، لأن عالم اليوم يتكلم بلغة المصلحة المشتركة ، أمريكا لها مصلحة لدينا، ونحن لدينا مصالح عندهم، مع الفارق، بأنها الدولة العظمى الوحيدة في العالم، أما نحن فما زلنا دولة في طور النمو، وعلى الرغم من هذا الفارق فإن أمريكا تحترم الذي يحترم نفسه ويعرف قدره، هناك مقولة للرئيس السابق كلينتون لأحد المهاجرين العرب البارزين - الذي روى لنا وهو صديق للرئيس كلينتون- يجب أن نتأملها جيدا:(في البيت الأبيض لا يأتي أحد منكم ليضغط علينا من أجل مصالحكم، الذين يأتوني هم الآخرون)، نفهم من هذا الكلام أن أمريكا مفتوحة للجميع، ولكن هل نحن تعاملنا مع دوائر التأثير فيها بشكل جيد؟ هل أقمنا حوارا فاعلا مع صناع القرار من أجل مصالحنا؟ هذه أسئلة لا بد من الإجابة عليها، مع التأكيد على أن أي حوار مع الولايات المتحدة يجب أن يكون مسنودا من الداخل، السند يعني (الإصلاح) على مختلف المستويات، ليس بالضرورة أن يكون الإصلاح قد اكتمل، ولكن يجب أن يعلموا أنك بدأت فيه، وجاد .

* من الملاحظ أن الولايات المتحدة توطد علاقاتها مع الدول الصغيرة في العالم العربي، كقطر والكويت والبحرين والأردن، كنوع من الضغط على الكبار لأن قابلية الإصلاح فيها ضعيفة، هل تتفقون مع هذه الرؤية؟
ـ إذا كان ما تقول صحيحا، فالدول التي ذكرت تتمتع بهامش ولكنه جيد من الديمقراطية، ولكنها أيضا تشكو مع وجود بعض الخلل في ممارستها لهذه الديمقراطية، ولكن إذا كنت تقصد بالإصلاح البرلمان والانتخابات، فهذه من الأسس التي طالبنا ونطالب بها، وهذا هو توجه المملكة العربية السعودية في المرحلة المقبلة، وفي آخر حوار تلفزيوني لي أعربت عن تفاؤلي بناء على معلومات، مفادها أن الطريق الذي تسير فيه المملكة اليوم سيحقق لها كثيرا من الإصلاحات.

* هل من مصلحة السعودية الانخراط في المشروع الأمريكي للإصلاح (الشرق الأوسط الكبير) أو (الموسع)؟
ـ نحن لا نعرف بعد التفاصيل الدقيقة لهذا المشروع وما يتبع ذلك من أمور لا يعلمها إلا الله، كل ما نعرفه أنه نصيحة أمريكية للدول العربية وليس السعودية فقط، وإذا كان البعض يعتبر أن هذا نوعاً من أنواع الضغط علينا فإني لا أجد بأسا من ضغط (الحبيب) يحرص على مصالحه ومصالحنا، عموما.. لا أدري لماذا يتحسس العالم العربي من كلمة (ضغط)، المرفوض هو (الفرض) وليس (الضغط) لأنه حق لكل من تربطك به علاقة وطيدة، فحتى السعودية تضغط على أمريكا من أجل مصالحها.

* حين يثار الحديث عن مشروع الإصلاح الأمريكي، يهب الساسة العرب للتأكيد على أن الإصلاح لا ينبع إلا من الداخل، ما تعليقكم على هذه المقولة؟
ـ هنا أستعير تعبير أخواننا في مصر: (هو في حد حايشكم)!.

*هل بدأ مشروع الإصلاح في السعودية؟
ـ بدأ ولكنه بطيء، وسبب من الأسباب وجود عدة مدارس داخل المجتمع السعودي، مدرسة ترفض التقدم نهائيا، ومدرسة تنادي بالإصلاح التدريجي، ومدرسة تنادي بالإصلاح السريع، وهناك خلاف واضح للعيان بين هذه المدارس، والقيادة تعمل من أجل الوفاق فيما بين هذه المدارس تريد أن توفق فيما بينها حتى تستطيع اتخاذ القرار السليم وتبدأ الإصلاح الجدي، علماً أن الظروف التي نعيشها اليوم مواتية للإصلاح.

* قرار الإصلاح في السعودية بيد الحكومة أم الأسرة المالكة؟

ـ قرار الإصلاح كان في يد الملك عبد العزيز رحمه الله، عبد العزيز الذي وحد وحدث، وللأسف فإن هناك من يغفل ويتجاهل صفة التحديث عن المؤسس، مع أنه كافح في سبيل الإصلاح واصطدم مع بعض القبائل والفئات وكان من نتائجه معركتا (السبلة) و(القرعة)، واتخذ قرارات إصلاحية جريئة كفتح المدارس والتعامل مع البنوك وإدخال التقنية في مجتمع تتصارع فيه الطوائف في وقت كان الرأي الغالب في المجتمع رافضاً الإصلاح. مع مرور الوقت تتسع عملية اتخاذ القرار بين الملك وبين المواطن، وأظن أن التقارب بين هذه الفئات قد تم واستتبت الأمور ونتج عن ذلك الاستقرار، وهذه من الأمور المشجعة والمطمئنة على حاضر بلادنا ومستقبلها وأن الظروف الدولية والداخلية تعمل من أجل التقارب.

* هل توافق مقولة أن الحكومة أكثر رغبة في الإصلاح من الشعب السعودي؟
ـ لا أوافق على ذلك بل إن الطرفين يريدان المضي في الإصلاح ولكن لا ننسى أن هناك (صراعاً) بين الإسلاميين والليبراليين ويسعى كل تيار لترجيح كفته.

والحاكم في صف من؟
ـ الحاكم عادة يوازن بين التيارات المتصارعة، ولكن لا تنس أن هناك (كارتا) في يد الإسلاميين، يتمثل في أن المملكة أسست على الشريعة الإسلامية، شريطة أن يكون الطرح الإسلامي متفتحا ويدعم الإصلاح، خاصة إذا لم يتعارض مع الشريعة الإسلامية، المشكلة مع التيار الإسلامي تتلخص في 3 لاءات مطلقة، (ممنوع) و(لا يجوز) و(حرام)، وهنا لا بد من التفرقة بين المحرم بنص، وبين المحرم باجتهاد، فإن استُنِدَ على التحريم بنص، فنحن معهم، أما إن استُنِدَ على اجتهاد، فهذا رأيهم لأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان. من جهة أخرى، يجب أن يراعي الإسلاميون توقيع المملكة على معاهدات دولية يجب أن تلتزم بها، وأحب أن أشير هنا أن المملكة العربية السعودية أسست لتكون دولة مدنية وليست دولة ثيوقراطية، مع أنها تحكم بالشريعة الإسلامية، وهذه ميزة يوافق عليها الجميع، المطلوب في هذا السياق تدعيم النظام وإصلاحه من الداخل ليطور نفسه وتصبح دولة حديثة.

* تصنيفكم الذي ذكرتم بين (إسلاميين) و(ليبراليين) وكأنه يخرج الليبراليين عن الإسلام؟
ـ أعوذ بالله، معظم الليبراليين والحمد لله يعملون ضمن حدود الشريعة الإسلامية، وأنا أفضّل أن يسمى الليبراليون (مدنيين) حيث إن الكثير منهم لديهم وازع ديني، وهذا بخلاف تسميتهم بالعلمانيين، فكلمة علماني أحياناً تفسر بالكفر والعياذ بالله. فمثلا في قضية قيادة المرأة للسيارة، يعارضها المتشددون لأنها كما يقولون (مطلب ليبرالي)، إضافة إلى تخوفهم من أن تؤدي سياقة المرأة للسيارة إلى مطالب إضافية لدى هؤلاء.

* حديثكم عن المرأة يقود إلى سؤالكم عن تواضع نتائج الحوار الوطني حول المرأة مقارنةً بخطة الحكومة لتطوير عمل المرأة؟
ـ آخر حوار عُقد حول المرأة لم تكن نتائجه بالشكل المراد لهذا النوع من الحوار الذي سبق وباركناه بل إننا فوجئنا بالتوصيات التي نتجت عنه، إذ أنها أقل بكثير من تلك القرارات التي أصدرها مجلس الوزراء لبعض القضايا الخاصة بالمرأة، نحن أمام هجمة عالمية متمثلة بمنظمات حقوق الإنسان وخاصة تلك المنظمات التابعة لهيئة الأمم المتحدة التي التزمنا بمواثيقها وخاصة ميثاق عدم التمييز ضد المرأة، نصيحتي أن مثل هذه الحوارات التي بوركت من قِبل حكومتنا أن تكون جدية وطرحها واضح وشفاف حتى تصل إلى حلول جذرية تخدم قضايا المرأة السعودية وتجعلها في مصاف المرأة المسلمة في الدول الإسلامية الأخرى.