لن نصل إلى ما حققته أوربا إلا بعد الدماء و الدمار
حاوره أحمد عدنان: نسلط الضوء في هذا الحوار على الجانب الفكري من السيد / هشام علي حافظ خاصة فيما يدور حاليا من أسئلة ملحة حول أزماتنا السياسية و الثقافية، الناشر المعروف أسس مع شقيقه محمد 16 مطبوعة أحدثت نقلة نوعية في الإعلام العربي، و بعدما تحلل من التزامات العمل الصحفي تفرغ لمزيد من القراءات و البحوث التي ربما ترى طريقها إلى النور قريبا . و كعادة (حافظ) مفكرا و من قبل ذلك صحفيا، تظل رؤاه محل إثارة لمن استفزتهم أو لمن وافقتهم .
الأصالة و المعاصرة
* يتسابق منظروا (العصرنة) و (الأصالة) للإجابة على سؤال التقدم، الذي أجابت عليه باقتدار الحضارة الغربية، ما هو تصورك للإجابة على سؤال التقدم و التأخر في العالمين العربي و الإسلامي؟
-على فرض أن المقصود بالأصالة هو الدين الإسلامي و أن العصرنة هي حركة الإصلاح و التنوير الأوربية، أو ما يطلق عليه الآن الحضارة الغربية .. فإن البداية لحركة الإصلاح و التنوير الأوربية في أوربا جاءت على يد ابن رشد الأسباني الأندلسي حين أشعل بأفكاره – التي قتل و اضطهد بسببها من الدولة العربية المتهالكة في الأندلس – الصراع بين المفكرين و الفلاسفة في غرب أوربا من جهة، و تحالف المافيات الدينية و المافيات السياسية الاستبدادية من جهة أخرى، و كان من أهم ثمار ذلك بعد تضحيات على مر الأيام انتصار الفكر و تحييد الدين، و حين أقول الدين فأنا لا أقصد الدين الذي جاء به الأنبياء و الرسل، و هو الإيمان بإله واحد و المساواة الإنسانية التي فلسفتها لا فرق بين الناس إلا بالعمل الصالح دون اعتبار إلى قبيلة أو عرق أو لون، فهذا الدين غير موجود (من زمان) و إن كانت بعض أجزاء هذا العالم حيث تتحكم الشعوب بمصائرها تعمل للوصول لهذا الهدف .. هذا الدين.
![]()
*إذا .. ما هو قصدكم بمصطلح (الدين)؟
-عندما أذكر الدين، فإني أقصد الدين الذي توارثه الناس و هم يعتقدون أنه صحيح تماما، لأن الدين الذي توارثناه و الذي نطلق عليه لفظ الأصالة، ليس دين محمد عليه الصلاة و السلام، فهذا الدين تنكر له أقرب المقربين لرسوله و هم القرشيون الذين رجعوا لجاهليتهم الأولى وثقافتهم القبلية – و ليس (الشورى) و لا (المساواة) - فاستولوا على الحكم لأن المصطفى عليه الصلاة و السلام من قبيلتهم و ليس لأن الجماعة اختارتهم، و هذا أول إسفين دق في الرسالة في الوليدة، الإسفين الثاني كان الانقلاب الأموي الذي أنتج أول مافيتين استبداديتين في العهد الإسلامي و على الصعيدين السياسي و الديني، و طوال أكثر من 1400 سنة توالدت عشرات المافيات الدينية المتحالفة أو المعارضة للمافيات السياسية الاستبدادية، و السيف الذي هو في ثقافتنا أصدق إنباء من الكتب، و التي على رأسها كتاب الله، هو الذي يفصل أي تحالف يفوز بالسلطة، أي المال العام أو ثروة المجتمع كله.
أمريكا دولة إسلامية!
* ما هو تحديدكم لنقاط الانحراف في علاقتنا بالله والتي أفضت لما وصلنا إليه؟
-إن غاية خلق الإنسان ترجمتها آية (وما خلقنا الجن و الإنس إلا ليعبدون)، و عندي من الصراحة ما يتيح القول، بأننا انحرفنا في العالمين العربي و الإسلامي عن غاية الخلق، و صرفنا العبادة لغير الله، إن كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، و ذلك نتيجة طبيعية لسيطرة المافيات الدينية و الاستبدادية على هذه البقعة من الأرض، و ما كان هذا ليتاح لهم لولا أن سمحت شعوب هذه البقعة لتلك المافيات باستعبادها و إذلالها، و هنا كمن صرف العبادة لغير الله، بدليل وجود بعض الطبقات النخبوية و السلطوية تعيث في أرضها و أرض غيرها فسادا، تحاسب الجميع و هي فوق الحساب، و هذه الصفة الأخيرة ليست سوى من خصائص الله عز و جل، و على إثر هذا أقولها مطمئنا بأن الذي يحل اليوم في المنطقة، تكرار تاريخي لما حدث لبني إسرائيل في التيه،غير أنه من نعمة الله عليهم، أن تاهوا 70 عاما حتى انقرض جيل العبيد، و انبلج جيل الأحرار متجردا من القيود التي كبلت أجداده في ماضيه، ليس هم وحدهم، أوربا الغربية وقعت في ذات المشكلة و صرفت آلاف السنين من الدماء و الدمار حتى تحررت تماما من رواسب عصورها الظلامية، نحن أيضا بحاجة إلى آلاف السنين من الدماء و الدمار حتى نصل لما وصلت إليه أوربا الغربية فننفض الغبار عن كواهلنا و أبصارنا، فتلك سنة الله و لن تجد لها تبديلا، و في مقارنة بسيطة و بهذا المنطق، أقولها جازما بأن كندا و أمريكا و فرنسا بلدان إسلامية، أما البلدان التي تدعي ذلك فهي بعيدة كل البعد عن ادعائها، و المحك كرامة الإنسان.
* متى سيحدث هذا على أرض الواقع؟
-لا أعرف متى تحديدا، و لكن بالتأكيد بعد أن ندفع الثمن (و لنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون) صدق الله العظيم .
الوصفة السحرية
![]()
* لماذا نجح المشروع النهضوي الأوربي و فشل المشروع العربي؟
-نحن في عالمنا كبقية المجتمعات في عوالمها يجري في دمائنا جين الدين (تذكروا تعريفي السابق للكلمة) الذي توارثناه أبا عن جد دون أن يمت بصلة لدين الأنبياء و الرسل، في أوربا تمكن القائمون على المشروع الأوربي المسيحي من مفكرين وفلاسفة و أصحاب نظريات و مصلحين دينيين في تعاقب أجيال لا يكل و لا يتوانى عن تقديم التضحيات حتى تمكنوا من تحييد جين الدين و إضعاف نشاطه في الغرب الأوربي فضعف الارتباط بين مافيا الدين المسيحي و مافيا السياسة و الاستبداد، و تقلصت تدريجيا سلطات الكنيسة على الحياة و الناس و تفككت المافيتين، و كان من نتائج تلك التضحيات ظهور المجتمع الأمريكي الشمالي الخالي من النفوذ الكنسي أو السياسي الاستبدادي و ظهور مجتمعات أوربية تحكمها شعوبها محيدا فيها الدين كسويسرا و هولندا و بريطانيا و فرنسا، ثم دخلت هذه المجتمعات في حربين عالميتين و بمساعدة فعالة من المجتمع الأمريكي الشمالي لتحمي نفسها من الاستبداد، و كان من أهم نتائج هاتين الحربين تفكيك ما تبقى من مافيات سياسية في أوربا الغربية، التي نعمت لأول مرة في تاريخها الحضاري الذي لا يتجاوز 5000 سنة بالسلام و الازدهار و التقدم لفترة زمنية تجاوزت إلى الآن نصف قرن، و هي التي كانت تحارب بعضها بمعدل 87 سنة في القرن و تستعد لحرب جديدة في بقيته، و كان الفوز العظيم من تحييد أوربا للدين و تفكيك مافيات السياسة و الاستبداد إنشاء الاتحاد الأوربي أو ما سيطلق عليه الولايات المتحدة الأوربية القائمة على المساواة الإنسانية، و هم يقتربون يوما بعد يوم من تطبيق رسالة الأنبياء و الرسل و شرع الله الذي هو العدل . حضارة الغرب هذه القائمة على المساواة هي النموذج الذي سيعم العالم و سيتحول إلى حضارة إنسانية، و لكي يتحول فشلنا إلى نجاح فيجب علينا أولا و ثانيا و ثالثا و إلى ما لا نهاية أن نحيد جين الدين في حياتنا، و بذلك نستطيع تحطيم قيود المافيات الدينية التي تعتاش منها و تكبلنا بها لادعائها أن قيودها من الدين، و بذلك نستطيع دق إسفين في التحالف القائم بين مافيات الدين و السياسة، عندها ستكون منطلقاتنا الفكرية في مخاطبة بعضنا و الآخرين إنسانية و ليست عائلية أو عنصرية أو أيدلوجية.



التعليقات