نقلا عن مجلة بروق القطرية


تيسير عبدالله من الدوحة: منذ صغرنا ونحن نسمع ذلك الحنين العراقي الموجع .. ومنذ كنا أطفالاً ونحن نئن مع ذلك الشجن الجميل ، لم نكن حينها نعي ذلك وكبرنا وكبر معنا الحنين والشجن .
نتذكر كثيراً الياس خضر وسعدون جابر وحسين نعمة وآخرين ، لكن هؤلاء زرعوا في ذاكرتنا الأغنية العراقية وربطونا معهم لسنوات طوال ، وقد كان القُرب الجغرافي يلعب الدور الأكبر في ذلك لذلك تأثرنا بالأغنية العراقية وعشنا معها ليالٍ طوال ونحن نغني مع فاضل عواد (لا خبر لا شفيه لا حامض حلو لا شربت .. قالوا صوانينا شموع انترست ] ورغم هذا الفرح في الكلمة إلا أن فاضل عواد عزف على أوتار الحزن لدينا وغناها بشجن رهيب .
ومع سعدون الجابر [ ياطيور الطايرة روحي لهلي .. ] وكنا نتلقف نتاج الياس خضر وصلاح عبدالغفور برغم كل ماتحمله هذه الحناجر من كلمات كالخناجر خصوصا عندما تغني للنظام الارهابي المقبور .
لم يستنثن من كل ذلك الا مطرب تشعر في صوته حنين العراق وشمخها ونخلها ومائها وبساطتها وروعتها وأقصد هنا تحديدا فؤاد سالم الذي أبعد عن وطنه بحجج انتماءاته السياسية وكأن المطرب حرام عليه ان ينتمي الا للبعث والا اصبح خائنا عميلا واى اخر تلك الالقاب والمسميات والسياط التي يطلقها ذلك النظام .. فؤاد سالم في غربته وسفره حمل معه العراق العظيم وكأن حباله الصوتيه احتضنت معها السياب والجواهري وجمال الدين والنواب وأحمد مطر والبياتي وكل الرائعين المبعدين عن وطنهم . فؤاد الذي لامسنا حتى نحن الذين نحب العراق ولاننتمي له سياسيا وكانت اغانيه [ مشكوره .. غريب عن العراق .. طال عمرك ] تصل الى كل مسامات وجداننا .
نعم غابت الأغنية العراقية الصادقة سنوات طويلة وشكل غيابها فراغاً في القلب وكانت الظروف السياسية تلعب لعبتها السيئة في ذلك والأسوأ من كل هذا أن تلك الحناجر المذهلة والكلمة العراقية اليانعة قد وظفت لخدمة حزب شرس يفهم الفن على انه حذاء يمشي عليه فقط !! لدرجة أن التصنيف حينها لم يكن صوت حلو ، أو صوت مو حلو .. بل كان صوت حزبي .. أو صوت غير حزبي . وغاب الفن العراقي الحقيقي حينها ، فقط كاظم الساهر تحمل العبء وحمل على عاتقه وعبر كلماته التي تقطر بالحنين هم العراق وحزن العراق ومفردة العراق ولعب لوحده في ملعب الإحساس وتخلى عن تلك المسئولية الكثيرون .
تذكر اش سويت بيّا من اجيتك أبكي دم ..
قابلتني بكل برود وأنا جدامك أتألــم ..
وحده كاظم الساهر نجح في إيصال هذا التراث العراقي العظيم إلى الآذان ، لم يكن كذلك فقط بل وتمكن أن يوصل المفردة العراقية المذهلة إلى أذن المغاربه والمصريين وتمكن أن يوزع أرث ناظم الغزالي على العرب ويوصل العراق المحاصر والحبيس الى الكل !!
وكانت اجتهادات رضا العبدالله ومهند محسن وصباح اللامي تحترم بقدر جهدهم ..
الآن تغيـّر الوضع وتبدل الحال والكل يطمع في الاستقرار والهدوء بعد سنوات من اللهاث الطويل .
نعم الفن العراقي يجب أن يزدهر لأن الفن هو الحياة فإذا استقرت الحياة يستقر الفن ويتطور وهذا ما ننتظره .
سؤال اخير : هل البرتقاله هي الفن القادم الذي ننتظره !! لا أظن ..
[email protected]