أعلنت السلطات العراقية اليوم عن رحيل طارق عزيز رئيس الدبلوماسية العراقية نائب رئيس الوزراء في عهد الرئيس السابق صدام حسين في مستشفى الحسين التعليمي في المدينة التي نقل اليها إثر إصابته بذبحة صدرية حيث تدهورت صحته بشدة خلال الاعوام الثلاثة الاخيرة ويعاني من ارتفاع السكر والضغط.

لندن: قال مصدر عراقي رسمي إن طارق عزيز (79 عاما) رئيس وزراء النظام العراقي السابق وأكبر مسؤول مسيحي في عهد الرئيس السابق صدام حسين توفي ظهر اليوم الجمعة في المستشفى الحسين التعليمي في مدينة الناصرية عاصمة محافظة ذي قار (375 كلم جنوب بغداد) التي نقل اليها اثر اصابته بوعكة صحية.

وكانت المحكمة الجنائية العراقية العليا قد أصدرت في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2012 حكما بالإعدام شنقا حتى الموت بحق عزيز في قضية تصفية الأحزاب الدينية كما يذكر أن طارق عزيز واسمه الحقيقي ميخائيل يوحنا، ولد عام 1936 قرب مدينة الموصل لأسرة كلدانية كاثوليكية وكان يمثل الواجهة الدولية للنظام العراقي السابق.

وقد برز على الساحة الدولية بعد توليه وزارة الخارجية خلال حرب الخليج الثانية عام 1991التي اندلعت اثر احتلال العراق للكويت في آب (أغسطس) عام 1990 وكان المتحدث باسم الحكومة الأمر الذي جعله دائم الظهور في وسائل الإعلام الغربية بسبب إتقانه اللغة الانكليزية.. وقام عزيز بتسليم نفسه الى القوات الاميركية في 24 نيسان (ابريل) عام2003 اثر دخولها الى بغداد في التاسع من الشهر نفسه.

سيرة حياة حافلة

ولد عزيز لاسرة متواضعة في السادس من كانون الثاني (يناير) عام 1936 في قرية تل كيف المسيحية قرب الموصل شمال العراق.. وهو مسيحي كلداني وهي أكبر طائفة مسيحية في العراق ووجوده في حكومة صدام كان يستخدم عادة كدليل على التسامح الديني للنظام السابق.

وقد درس عزيز الادب الانكليزي في جامعة بغداد قبل ان يعمل في الصحافة وبتأييد من صدام أصبح رئيسا لتحرير صحيفة الثورة الرئيسية الناطقة بلسان حزب البعث حيث تعود علاقة عزيز وصدام لفترة طويلة سابقة فقد عملا في الخمسينات في حزب البعث الذي كان محظورا آنذاك والذي سعى الى الاطاحة بالملكية.

وقد عين عزيز وزيرا للاعلام في اواخر السبعينات من القرن الماضي وفي عام 1977 انضم الى مجلس قيادة الثورة وهو لجنة تضم كبار المسؤولين في حزب البعث الذي كان يحكم العراق وأصبح نائبا لرئيس الوزراء في عام 1979.

ثم أصبح عزيز شخصية بارزة في الحروب الثلاثة التي خاضها العراق وساعد في الحصول على تأييد الولايات المتحدة للعراق في حربه مع ايران التي استمرت في الفترة من عام 1980 الى عام 1988 وفي اقامة علاقات اقتصادية قوية مع الاتحاد السوفياتي.

وقد صعد نجم عزيز أكثر في وسائل الاعلام العالمية بعد غزو الكويت في عام 1990 والازمة التي أعقبت ذلك حيث قام بدور دبلوماسي بارز في الفترة التي سبقت حرب الخليج عندما كان وزيرا للخارجية وأظهر اتقانا للغة الانكليزية وقوة أعصاب ومهارات تفاوضية.

وقد رفض رسالة من الرئيس الاميركي آنذاك جورج بوش الاب الى صدام في محادثات اللحظات الاخيرة في كانون الثاني (يناير) عام 1991 بسبب لهجتها "المهينة". وبعد أيام بدأ التحالف بقيادة الولايات المتحدة حملة عسكرية اخرجت القوات العراقية من الكويت. وعقب ذلك أصبحت سفريات عزيز أقل وكانت آخر مرة ظهر فيها رسميا في مناسبة عامة يوم 19 آذار (مارس) عام 2003 عشية الحرب للاطاحة بصدام للقضاء على شائعات بأنه ضرب بالرصاص أو انشق.

عزيز بعد احتلال العراق

كان عزيز رقم 43 في قائمة المطلوبين للولايات المتحدة من المسؤولين العراقيين عندما سلم نفسه للقوات الاميركية اواخر نيسان عام 2003 بعد اسبوعين من سقوط نظام صدام ثم ظهر كشاهد في محاكمات سابقة لاعضاء النظام السابق بمن فيهم صدام.

وفي آذار (مارس) عام 2009 حكم عليه بالسجن 15 عاما لدوره في اعدام عشرات التجار عام 1992.. ثم حكم عليه بعد ذلك بالسجن سبعة أعوام في اب (أغسطس) عام 2009 لدوره في عمليات تهجير اجباري للاكراد من شمال العراق.. وفي كانون الثاني (يناير) عام 2013 نقل الى المستشفى إثر إصابته بجلطة.

وأعلن الجيش الأميركي في نيسان عام 2003 عن استسلام طارق عزيز الذي كان الرقم 12 الذي يقع بيد القوات الأميركية ضمن مسؤولي نظام الرئيس السابق صدام حسين. وخلال محكمة الدجيل دافع طارق عزيز في أول ظهور له في المحكمة بقوة عن الرئيس صدام حسين ومتهمين آخرين معتبراً الأول "رفيق دربه" وأخيه غير الشقيق برزان التكريتي "صديق عمره".

وفي محكمة الأنفال حمل طارق عزيز الرئيس العراقي صدام حسين مسؤولية العمليات العسكرية عام 1988 ضد الاكراد ومسؤولية قرار سحق انتفاضة في جنوب العراق العام 1991.

مقابلة عزيز تثير عائلته

وفي نيسان عام 2013 أثارت مقابلة اجراها المتحدث باسم الحكومة العراقية السابق علي الدباغ مع طارق عزيز المحكوم حيث تعرض الدباغ لهجوم واتهامات باستغلاله لمسؤول اسير ماديا فيما طالبت مستشارية الامن الوطني بمحاكمته.

وفور عرض المقابلة قالت زوجة طارق عزيز من منزلها في العاصمة الاردنية عمان في اول ظهور إعلامي لها منذ القبض على زوجها وإيداعه السجن إن هذه المقابلة قديمة منذ أكثر من سنتين، حيث يبدو فيها أنه بصحة جيدة، ولكن الواقع مختلف تماماً، إذ إنه حالياً مريض جداً، ويعاني من كل أمراض الكبر من سكر وقلب وضغط.

وأشارت متأثرة وهي تتحدث الى القناة إلى أنها عندما تذهب لزيارته فإنها لا تراه في غرفة أو في مكان خاص، وإنما تراه في ساحة عامة على كراسٍ غير مريحة تحت شمس الصيف ومطر الشتاء. وقالت إن المسؤولين عن السجن لا يعطونه الأدوية، إذ إنه منذ تسجيل هذه المقابلة حتى اليوم أصيب بأربع جلطات، كان آخرها منذ شهر تقريباً.

وناشدت المسؤولين والحكومة العراقية ومنظمات حقوق الإنسان الإفراج عنه ليقضي آخر أيامه مع عائلته، خصوصاً أنه - بحسب كلامها- خدم العراق ولم يخدم شخصاً.

أما زياد نجل طارق عزيز فقد أشار إلى أن المقابلة قديمة وقال إنها سجلت في مبنى المحكمة وليس في السجن الذي كان يقبع فيه والده ووصف المقابلة بانها مصيدة وتندرج في سياق الاستغفال ‏والاستدراج والاستغلال لتحقيق هدف سياسي ولخلط الاوراق لكن الدباغ اوضح انه قدم نفسه لعزيز ‏على انه باحث يريد توثيق مرحلة مهمة من تارخ العراق الحديث.

وقال زياد إنها ليست مقابلة صحافية كما يروج لها لان ‏والدي سيتحدث عن كل شىء عندما يصبح حرا وطليقا ومحررا من قيود الاعتقال القسرية حسبما ابلغه ‏لمراسل صحيفة الغارديان البريطانية الذي قابله قبل ثلاث سنوات.‏

وكشف زياد في تصريحات نشرت في عمان حيث يقيم ملابسات لقاء الدباغ مع والده قائلا ان لقاء ‏طارق عزيز مع الدباغ جرى في شتاء عام 2010 في مبنى القيادة القومية لحزب البعث عندما كان ‏جميع المعتقلين لدى الجانب الاميركي موضحا ان والده كان مجبرا وليس مخيرا في استقبال الدباغ الذي ‏قدم نفسه على انه باحث ينوي اعداد بحث وكتاب موثق عن العراق لا سيما الحقبة التي سبقت ‏غزوه واحتلاله في عام 2003‏.

طارق عزيز يدافع عن صدام

وخلال المقابلة بدا طارق عزيز الذي تخلى عن سيجاره الشهير واستبدله بالسجائر التي لم يتوقف عن تدخينها طوال المقابلة مرتاحاً وهو يسرد شهادته للتاريخ وعن التاريخ ولم يترك حدثاً مرّ به العراق خلال فترة مشاركته في السلطة إلا ودخل في تفاصيله.

وتحدث عزيز عن حقيقة أسلحة الدمار الشامل وأن الرئيس السابق صدام حسين كان متعبًا نفسياً حين قرر احتلال الكويت واتهم عائلته بدفعه إلى كل الأخطاء التي ارتكبها حتى إنه وصف صهر الرئيس العراقي السابق الذي انشق عنه حسين كامل بأنه "سرطان كان يتطلع إلى الاستيلاء على محل صدام نفسه".

كما تناول سر اختفاء وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1980 في المنطقة وحقيقة تزويد ألمانيا وإسبانيا صدام حسين بالأسلحة الكيماوية. ويؤكد عزيز أن صدام كان "رجلا عظيما ومثقفا لكنه ابتلى بمن حوله الذين كانوا ضعفاء".

وقال إن "صدام كان زعيما وقائدا" مضيفا "وإنصافا للتاريخ لم يكن ميالا للعنف الذي حصل للعراق وهذا العنف فرض عليه". وأضاف إن "صدام بنى الدولة كان ذكيا ومثقفا وحصل على ثقافته من القراءة وأقام البنى التحتية للبلاد وبنى العراق وارتقى به إلى مراتب عليا بين الدول وحقق تقدما صناعيا كبيرا خصوصا في المجال العسكري".

ويؤكد عزيز أن "صدام لم يكن انفراديا في الحكم لكن القيادة كانت ضعيفة وهو كان مؤدبا مع اعضاء القيادة ولم يكن يتعامل مع الناس بالسوء".. لكنه استدرك قائلا "الرجل ابتلى بمن حوله فهؤلاء كانوا ضعفاء وسلبيين ومنهم حسين كامل الذي كان كالسرطان بالنسبة للقيادة وقد ورط صدام بالكثير من الأمور".

وأضاف عزيز ان "طه ياسين رمضان وعزة الدوري (نائبي صدام) كانا ضعيفين وغير مثقفين ولم يكن صدام يستمع لهما كثيرا وكان وطبان اخ صدام انسانا تافها وشخصا أميا وكان نائب مفوض في الجيش العراقي وصعّدوه الى منصب وزير للداخلية".

واشار الى ان "الهجوم على الكويت كان غلطة كبيرة أقدم عليها صدام بسبب النفط" مؤكدا "كنت اتمنى لو لم يكن ينحرف الوضع إلى ما آلت إليه الأمور". واوضح أنه "كان من الممكن أن يكون الوضع افضل لو أن صدام اتبع غير هذه الطريقة في الحكم لكن صدام كان يطمح للزعامة وهذا ما جعله يكون منفردا في السلطة".