قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

علينا أن نعتصم بالنبوءة التي يتضمنها هذا العنوان، ولكل من جربوا نبوءاتي التي اثبتت فشلها في السابق، أقول إن هذه ليست لي وإنما لصديقي الروائي يوسف أبو رية الذي اتصلت به في قيظ أول أمس الخميس، فإذا به يبادرني: يا أخي هذه الأمة لا يمكن أن تموت.
كان يوسف يشاهد حلقة بلا حدود علي قناة الجزيرة التي قدم فيها أحمد منصور استجابات سبعة من المؤلفين الموسيقيين العرب للموضوع العراقي، بينهم المصري والسوداني والعراقي والسوري. المقطوعات السيمفونية التي اتخذت أسماء: صابرين، الألم، الصحوة، منتصف الليل في سجن أبي غريب، إلخ، جاءت تعبيرا عن الضمير العربي تجاه قضيته بوسيلة كانت مفاجأة للجميع، لأنها بدت آخر وسيلة ممكنة، فهي ليست حلقة نقاش، وليست تعبيرا بالعود الأقرب إلي الوجدان الشعبي العربي ـ وقد سبق لأحمد منصور أن استضاف نصير سمة في حلقة سابقة متميزة ـ التعبير هذه المرة جاء عبر التأليف السيمفوني الذي تعرفه النخبة فقط، ويبدو أنه في نظر الكثيرين ليس من بين الفنون التي يمكن التعويل عليها في قضايا قومية، نظرا لأنه فن غربي الجذور.
وهذا ما انتبه إليه المعلقون الذين اتصلوا تليفونيا بالبرنامج، وبينهم الرجل الموسوعي عبد الوهاب المسيري، الذي أكد سعادته بالتجربة، لأنه كان يري دائما عزلا للحضاري والثقافي من السياق، معتبرا الحلقة أحد تجليات الوحدة الثقافية العربية التي تحققت وترسخت بالضد مع التناحر الرسمي العربي.
المسيري عبر عن الطموح الذي لابد أن يكون قد داعب كل من شاهدوا هذه الحلقة وهو أن نحظي بنعمة الشفاء من هوس الفيديو كليب إذا ما أتيحت الفرصة لمثل هذا الفن الراقي للوصول إلي الجمهور.
المقطوعات السبع التي بادرت الجزيرة إلي إنتاجها، عمل ثقافي فذ، والبرنامج بما أضافه من صور متحركة ولوحات كانت تتناوب الظهور علي الشاشة مع صورة الفريق الموسيقي، هو عمل إعلامي من الطراز الأول اقترب بالموسيقي السيمفونية خطوة واسعة من الجمهور العربي، والشباب منهم بخاصة من خلال الصورة. كما اقترب بالصورة، صورة ما صنعته الهمجية الأمريكية بالعراق، من وجدان المشاهد الغربي الذي سيكون بمقدوره أن يتلقي هذه الصور مشفوعة بموسيقي يألفها.
حلقة بلا حدود عمل ثقافي إعلامي كبير يجعلني أميل إلي تصديق نبوءة صديقي يوسف حتي دون أن تظهر عليه علامات النبوة، خصوصا وأنني كنت علي موعد قبل أيام من الحلقة التليفزيونية التي نبهني إليها مع هذا الإحساس باستعصاء أمتنا علي الموت.
ذهبت لحضور حفل موسيقي في آخر مكان يمكن أن يخطر علي البال: تحت الكوبري!
فـ تحت الكوبري عبارة ارتبطت في أذهان المصريين بالبؤس وعدم الإتقان، يمازح الصديق صديقه بشأن قصة شعره غير المتقنة: حلقتها تحت الكوبري؟ فهناك، في ذلك المكان الرث عادة أسفل الجسور يقرفص الحلاق الفقير علي الأرض في مواجهة المحلوق غير القادر علي دفع أجر الحلاقة في الصالونات الفاخرة.
وبينما يمثل تحت الكوبري للجميع العشوائية والإهمال، فإن فوقه بالنسبة لي أمثولة علي افتقاد الأمل؛ في معظم ساعات الليل والنهار تتوقف السيارات الملتهبة بأنوار الكوابح الحمراء دون أمل في تقدم إلا بما تصنعه المصادفة.
لكن مشروعا ذكيا شاء أن يقلب رمزية الكوبري وتاريخه الرث، حيث أقيم مركز للإبداع تحت كوبري 15 مايو بالزمالك باسم ساقية الصاوي . ويقدم المركز الذي يحمل اسم الكاتب الراحل عبد المنعم الصاوي يوميا ندوة أو فيلما أو عرضا موسيقيا أو معرضا فنيا.
كنت علي موعد لحفل الفنان نصير شمة وأهل بيته، بيت العود، في الساقية تحت الكوبري، في ليلة كان الكوبري فوقها وسائر شوارع القاهرة الجحيم بعينه بسبب المواكب التي تسمم حياتنا. الوصول إلي القاعة كان أشبه بالميلاد الجديد. جو احتفالي في القاعة الكبيرة المزدحمة عن آخرها بالمصريين وبعدد كبير من الأجانب سكان هذا الحي الكوزموبوليتي.
أغلبية الجمهور من الشباب مما يجعلنا نتساءل: أي شيطان أعطي لنفسه حق التحدث باسم الشباب أو باسم ذلك الشيء الغامض الجمهور ليقنعنا بأنه يريد الإسفاف؟!
الستارة التي ارتفعت عن فرقة ضخمة بينها المعلم نصير وفي يدي كل من أعضائها آلة واحدة هي العود، تمثل مفاجأة بصرية أولي لمعتادي الحفلات الموسيقية.
أوركسترا من آلة واحدة، كانت كافية لإثارة المتعة بسبب التنويع في الأداء، بين الجماعي والعزف المنفرد وعزف مجموعة منتخبة من داخل الفرقة التي تضم عازفين من مختلف الأعمار، بينهم صبية لا يتجاوزون الحادية أو الثانية عشرة.
ومن مؤلفات نصير إلي مقطوعات لعبد الوهاب وعمار الشريعي وزكريا أحمد والسنباطي إلي مقطوعة من الجاز التركي امتدت السهرة حتي صفت شوارع القاهرة.
قلت لنفسي وأنا أستنشق نسمة شحيحة مزيحا كل الإحباطات: هذا البلد لن يموت.
كان هذا قبل مكالمة يوسف أبو رية، وكنت أقصد مصر، لذا تظل النبوءة عاليه بشأن الأمة العربية كلها ملكا خالصا له.