ربما لم يكن الرئيس بوش يبحث عن شخص أفضل من إياد علاوى ليقود العراق في الفترة الراهنة ذلك ان (علاوى) عضو سابق في حزب البعث هو رجل شيعى علمانى تثق فيه الاقلية السنية في المجتمع العراقي وحصل (علاوى) حتى الان على نسبة ضئيلة من التأييد والدعم من قبل شعبه. ويظهر احدث استطلاع للرأى اجراه المعهد الجمهورى الدولى ان علاوى كان قد حصل على نسبة دعم وتأييد لا تتعدى (51 في المائة) وفي الوقت نفسه، بدا (علاوى) مصمما على اتخاذ خطوات جادة وصلبة لقمع حركة المقاومة الموجودة في الاجزاء التي تسيطر عليها أغلبية سنية في العراق. ويتمتع (علاوى) ايضا بعلاقات قوية مع جيران بلاده العرب من أمثال المملكة العربية السعودية والاردن ومن المحتمل أن تكون هذه العلاقة سببا من أسباب اسقاط هذه الدول لديون العراق لديها والتى كانت قد زادت بصورة ملحوظة ابان فترة حكم الطاغية السابق. وكان الملك عبدالله الثاني ـ عاهل الاردن قد رشح علاوى ـ عمليا ـ لمنصب رئيس الوزراء العراقي في شهر مايو الماضي وأكد عاهل الاردن مؤخرا على احتمال قيام عمّان بارسال قوات اردنية الى العراق اذا ما طلب علاوى ذلك وقد يبدو هذا على أنه بشرى خير لكل من الولايات المتحدة الاميركية والعراق. ووفقا للدراسة التى قام بها مجلس العلاقات الخارجية مؤخرا فإن المعدل اليومى لحوادث تفجير السيارات قد بلغ انفجار سيارة مفخخة واحدة يوميا منذ الاول من شهر يونيو الماضى. وقد اصبحت الصور المفزعة للرهائن المختطفين من الرعايا الاميركيين والكوريين والاتراك وغيرهم وهم يناشدون حكومات بلادهم التدخل للحفاظ على حياتهم واطلاق سراحهم صورا شائعة جدا. واذا استمرت احداث العنف على هذه الشاكلة وبهذا المستوى، فان أفضل الديمقراطيين لن يكون بامكانهم توقع اجراء الانتخابات الوطنية في العراق في موعدها المحدد سلفا في الاول من يناير المقبل.
وتكمن المشكلة في ان العديد من نقاط القوة الموجودة في شخصية (علاوى) من الممكن ان تؤدى في نهاية الامر الى اعاقة الرؤية الواسعة للرئيس بوش للديمقراطية في العراق.
تلك الدولة التي قال عنها (بوش) انها اصبحت دولة حرة منذ سقوط صدام ولكن نبدأ فان ادراك البعض ان علاوى شخصية مفضلة لدى الزعماء الاجانب من الممكن ان يؤدى الى نتائج عكسية ذلك ان خصوم (علاوى) من السياسيين يشنون حملة اليوم لرسم صورة له على انه دمية في أيدى الدول الاجنبية ووكالة الاستخبارات المركزية الاميركية. ان المساعى والجهود التي يقوم بها علاوى لدمج مزيد من اعضاء حزب البعث السابقين في اجهزة الأمن من الممكن ان يولد شعورا بالغربة والعزلة لدى الزعماء الشيعة والاكراد الاقوياء والذين شاركوا في حكومة (علاوى) على غير رغبة منهم ولظروف اضطرتهم لقبول هذه المشاركة.
ومن الممكن ان ينظر الى علاوى نفسه على انه رهينة للاميركيين وكان (علاوى) قد وقع على مذكرة تدعو القوات الاميركية للبقاء في العراق حتى موعد انتخاب الحكومة العراقية الجديدة والدائمة في نهاية العام المقبل وذلك حسبما ذكرت (رند رحيم فرانك) السفيرة العراقية لدى واشنطن.
وتطرح هذه المذكرة بالاضافة الى القانون الصادر عن منظمة الامم المتحدة والذي يعترف بسيادة الحكومة العراقية الجديدة بقوة جدوى وجود اتفاقيات عسكرية بين بغداد وواشنطن للنقاش وتنظر (آمي هو ثورن) المتخصصة في دراسة مظاهر الديمقراطية العربية في مؤسسة كار ينغى الاميركية للسلام الدولي الى هذا الامر بالطريقة التالية مع انفراج الموقف ووضوحه، يواجه علاوى تحديات اكبر ذلك ان علاقته القديمة مع وكالة الاستخبارات الاميركية من الممكن ان تلحق الضرر بصورة علاوي في العراق واذا لم يستطع (علاوى) انجاز مهامه المنوطة به، فسوف يتم اثارة المزيد من الاسئلة حول مدى شرعية رئيس الوزراء العراقي في كل وقت وكل حين.
بيد ان ما يجب ان يؤرق المسؤولين في البيت الابيض بصورة اكبر عن رئيس الوزراء العراقي هو تصريحات بعض الاشخاص الذين يعرفونه بصورة أكبر والذين كانوا قد تعاملوا معه عن قرب في الاعوام الماضية بأن علاوى لا يصدق حقا ان العراق من الممكن ان تتحقق فيها الديمقراطية التي وعد بها الرئيس بوش، يذكر ان بوش كان قد وعد بان العراق ستصبح نموذجا يحتذى به في العالم العربي فيما يتعلق بالممارسة الديمقراطية.
وكان تحسين معلة مؤسس المنظمة التي كان يتزعمها علاوى في المنفى والمعروفة بحركة الوفاق الوطني صريحا جدا في مقابلة اجراها الشهر الماضي عندما قال علاوى يريد السيطرة على العراق.
ومن الممكن ان يكون (صدام جديد) لأنه لا يفهم معنى الديمقراطية.
وكان (معلة) عضوا في حزب البعث حتى نهاية عام 1970، ولكنه التحق بجبهة المعارضة ضد صدام بحجة ان زعيم حزب البعث كان قد تخلى عن افكار ومبادئ الحزب وكان معلة استاذا لعلاوى عندما كان يدرس في كلية الطب بجامعة بغداد.
وذكر معلة ان رئيس الوزراء الجديد كان طالبا عاديا غالبا ما كان يغش في الامتحانات وكان الاثنان قد بدا في فترة لاحقة العمل سويا ضد النظام العراقي السابق وذلك بعد قيام عملاء حزب البعث بمطاردة علاوى الى الحد الذي جعل (علاوى) يشرف على الموت مرات عديدة في عام 1978.
وعندما تستمع لمعلة وهو يتحدث عن تطور حزب البعث، تشعر وكأن الافكار التي طورها رجل الحقوق المدنية السورى ميشيل عفلق لا تعدو كونها نظريات مناهضة للاستعمار وفي منزله الكائن بمدينة سيرى الانكليزية، تحدث معلة في نبرة واثقة عن الديمقراطية المتأصلة في حزب البعث وكيف سقطت مبادئ حزب البعث عندما قام صدام في عام 1979 بقتل العديد من اكثر الاعضاء المخلصين في الحزب ولم يعترف معلة بالجوانب السيئة في الحركة (البعثية) مثل نظرتها بان الجنس العربي يتفوق على كل الاجناس الاخرى ـ ومنع الحزب قيام اي احزاب معارضة أخرى في المراحل الاولى لنشأة الحزب وقال معلة ان صدام حسين كان هو المشكلة.
وكان ضرغام كاظم احد أقرب مساعدى علاوى في المنفى حريصا جدا على تمييز الجانب العملى للحزب في بدايات العقد السادس من القرن الماضي وقال كاظم لقد كان هناك حقا حزبان للبعث اولهما حركة الوفاق والتي ضمت تقريبا رجال حزب البعث السابقين.
وثانيهما حزب البعث نفسه الذي كان يتزعمه الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين وكان علاوى قد اكد ـ بعد سقوط صدام ـ على احتمالية ان يضم حزبه الديمقراطين من البعثيين القدامى.
ولا بعد من ذلك، فمن المحتمل ان يدعو (علاوى) اعضاء حزب البعث الحاليين لعقد اجتماع يهدف الى وضع التصورات وفيما يتعلق بالمجلس التشريعي الوطنى المؤقت الذي سيضم ألفا من الناشطين العراقيين البارزين نهاية الشهر الحالى. وفي حين كان احمد الجلبى منافس علاوى الدائم يطالب بشدة بعدم ادراج المسئولين في النظام السابق في الحكومة العراقية المؤقتة، الا ان نورى بدران زوج ابنة علاوى ـ ووزير الداخلية العراقي اختار بعضا من الاعضاء السابقين في حزب البعث لشغل مناصب قيادية في الجيش العراقي الجديد.
وتبدو نظرة (علاوى) للحركة البعثية بدون صدام واضحة في الاسلوب الذي حاول به (علاوى) تغيير النظام العراقي عندما كان في المنفى وكان علاوى قد صرح لجريدة واشنطن بوست الاميركية في الثالث والعشرين من يونيو عام 1996 قائلا : اعتقد ان أى انتفاضة يجب ان ترتكز على القوات المسلحة ونحن لا ندعو لحرب اهلية في العراق، بل على العكس نحن ندعو الى ثورة عسكرية منظمة ومتسقة يدعمها الشعب العراقي وهو ما لن يؤدى الى ان تتحول هذه الثورة الى عمليات انتقام وفوضى ولا يخطط رئيس الوزراء العراقي الجديد الى اعادة تشكيل الجيش العراقي الذي قام (بول بريمر) الحاكم المدنى الاميركي السابق في العراق بحله في شهر مايو الماضى فحسب، فمن المرجح ان يعمل (علاوى) على اعادة توظيف القادة العسكريين القدامي في الجيش العراقي السابق. وينشغل (علاوى) ايضا بتشكيل قوة عراقية لديها القدرة على تعقب قادة التمرد والارهابيين وكان (علاوى) قد ألمح الى احتمال قيامه بفرض الاحكام العرفية في المناطق العراقية التي تعارض سلطات الحكومة الجديدة.
ويرى ـ كينيث كاتزمان ـ المحلل السياسي البارز والمتخصص في دراسة ومتابعة المعارضة العراقية بعد انتهاء حرب الخليج الاولى ان ثمة صفات كثيرة مشتركة بين السياسات الامنية لعلاوى وبين سياسات صدام حسين ابان فترة شبابه وقال كاتزمان : كان علاوى عضوا في حزب البعث وتبدو رؤيته الجديدة عن العراق مشابهة تماما لرؤية صدام حتى اننا من الممكن ان نعتبره رائدا لحركة صدام الجديدة وذلك على خلفية ايمانه بأهمية وجود حكومة مركزية قوية وجيش كبير وقوى يمكنه القيام بالمهمات الامنية الداخلية واضاف كاتزمان قائلا : يؤمن علاوى بأهمية وجود وكالات تجسس محلية قوية، ان رؤيته الكاملة تبدو مشابهة جدا لرؤية صدام في مراحله الاولى.

آيلي ليك محرر شئون الامن القومي في صحيفة (نيويورك صن)
نقلا عن مجلة نيو ريبابليك الاميركية