في كتابه الذي يحمل هذا العنوان‏,‏ الصادر في سلسلة كتاب الهلال يكشف الناقد الكبير الراحل الدكتور علي الراعي عن بعض تجليات الكتابة عنده في آفاقها الموسوعية الرحبة‏,‏ وهي كتابة جوهرها فكر متفتح‏,‏ ولغة طيعة‏,‏ وروح جياشة بالحياة والفرح والنشوة البالغة‏,‏ هو‏-‏ في هذا الكتاب الجديد الذي يصدر بعد رحيله بخمس سنوات‏-‏ أستاذ للتذوق الفني‏,‏ ومؤرخ كبير‏,‏ وصاحب خبرة عميقة في فنون الأغنية والموسيقي والكلمة والصورة واللوحة والرسم والعزف والتمثيل والمسرح الغنائي والكاريكاتير‏.‏
تستوقف علـي الراعي نداءات الباعة بأصواتهم الرخمية‏,‏ وألحانهم الفطرية الشجية‏,‏ وهم ينادون علي بضاعتهم في أيام البلح الامهات‏:‏ ولا تين ولا عنب زيك‏.‏ يابتاع العلبة ياعسل‏.‏ وهم في حقيقة الأمر ينادون ويتغنون بالجميز قبل أن يختفي‏,‏ وتقطع أشجاره‏,‏ ويحرم الناس فاكهة شعبية رخيصة وحلوة ومفيدة‏.‏ يقال ان الفراعنة كانوا يستخدمون الجميز غذاء ودواء معا‏.‏ ولكن التين كان فاكهة الاوفر مالا‏,‏ وقد لاحظ الشاعر القديم هذا التميز فجعله أساسا للتميز الطبقي بين الناس حيث قال للتين قوم وللجميز أقوام‏.‏ ويلتقط الدكتور علي الراعي‏-‏ في موسم العنب‏-‏ نداءات البائع وهو يغني له ويقول‏:‏ والله سلامات بعد الغيبة ياعنب‏.‏زي بيض اليمام وأبيض ياعنب‏.‏ ويعلق بقوله‏:‏ فالعنب كان مسافرا‏,‏ وقد عاد بعد أن أوحشتنا غيبته‏,‏ وحباته ليست بالحجم المعروف‏,‏ بل هي في حجم بيض اليمام‏,‏ وهي أيضا أبيض من هذا البيض‏,‏ واذا كان الموسم موسم المشمش‏,‏ راح البائع الفنان يغني له هكذا‏:‏ المشمس استوي وطاب وطلب الاكالة ياحموي ياناعم أو هكذا‏:‏ الله عليك ياللي الهوي هزك ورماك يامشمش وجعلك شربات ياحموي ياناعم‏.‏

مثل هذا البائع الفنان صادفه ذات يوم فنان الشعب سيد درويش‏,‏ فسار وراءه قاطعا شارعا شارعا وحارة حارة‏,‏ حتي اتصل بسر اللحن الجميل الذي كان البائع يغني به علي بضاعته‏,‏ ولم يهدأالشيخ سيد عن المتابعة حتي سجل في داخل نفسه الفنانة هذا اللحن‏,‏ وأعمل فيه فنه هو‏,‏ وقدمه من بعد في أغنياته الخالدة عن البياعين‏.‏
ويتصل وجدان علي الراعي بوجدان يحيي حقي‏,‏ وكأنما بينهما اتفاق غير مقصود‏,‏ حين تستوقف يحيي حقي في كتابه ناس فـي الظل نداءات الباعة الجوالين وأصواتهم الرخيمة وألحانهم الفطرية الشجية‏,‏ فيصور كيف كان راقدا في حضن الليل الرحيم الوديع الممتليء بالاسرار‏,‏ حين ارتفع الي أذنه خلال العتمة والنسيم والهدوء صوت عفي رخيم ينشد بنغم حلو‏:‏ لاتين ولا عنب زيك يا رطب‏.‏ قفز يحيي حقي من فراشه وصاح‏:‏ يارب‏,‏ هذا مستحيل‏,‏ لا معقول‏,‏ غير ممكن‏.‏ إن هذا الصوت بعينه‏,‏ بنطقه وجرسه ونبرته ولحنه ونغمته‏,‏ بتتابع تموجاته بين علو وانخفاض‏,‏ بين مط وادغام‏,‏ سمعته بالليل وأنا صغير في حجرة عالية السقف في بيت من حجر وعروق خشب‏,‏ خمسون سنة وأكثر تمضي‏,‏ وهذا النداء هو باق‏,‏ خالد‏.‏ ليس لحنه ونغمته فحسب‏,‏ بل يكاد الكاتب يقول‏:‏ وصوت البائع أيضا‏,‏ كأنما ندبت مصر منذ وعيها رجلا واحدا من أبناتها لبيع الرطب‏,‏ وأجازت له وحده تناسخ روحه عمرا بعد عمر

قال يحيي حقي في سره لبائع البلح‏:‏ خبرني بربك يافتي‏!‏ من أي بلد أنت؟ من منوات أم من البساتين؟ من الذي ساقك الي؟ لقد ألغي نداؤك خمسين سنة من عمري وردني بصدفة واحدة الي طفولتي‏.‏ يافتي‏:‏ جعلتني أتحسر لحبستي في هذه الحجرة في قلب المدينة‏,‏ اشتقت بسببك الي النخيل‏.‏ والنخلة رمز بلدي في توحيدها وخيراتها‏:‏ من اللحاء مقاطف‏,‏ وليف للحبال‏.‏ من الجذع أسقف ومن الجريد أقفاص‏,‏ ومن الخوص طلوع القرافة‏,‏ ومن التمر غذاء محترم يقوي علي شرائه الفقير‏.‏
ويلاحظ علي الراعي أن يحيي حقي يفرق بين نداءات باعة الملوخية والفاصوليا واللوبيا والباذنجان والبصل والثوم والكرات والترمس والجرجير والبطاطا والقوطة والنبق والتوت والجميز والمشمش والعنب والتين‏.‏ فهو يري أن هذه حاصلات مصر الأصيلة‏,‏ وهي نداءات منقوشة علي الحجر‏,‏ أما المستحدثة منها كالجوافة والمانجو والفراولة فإنها لم تجد لها الملحن العبقري المجهول الذي يسلكها في الخالدين‏.‏ فالنداءات عليها أشبه بصفحة مكتوبة بأسلوب تقريري وسط كتاب يتلألأ بأسلوب فني يصافح الشعر‏.‏

ويعرض لرأي يحيي حقي الذي يطالب بأن تسجل نداءات الباعة‏,‏ وأن ينـظر اليها نظرة جادة حقا‏.‏ فهي‏-‏ في رأيه‏-‏ تقدم بالمجان وبغير عناء منا أو تأليف لجان أرقي معرض للاصوات‏.‏ وهو يتمني أن يلحظها القائمون علي الكونسرفاتوارومعهد الموسيقي والاذاعة‏,‏ وان يستمعوا إليها وأن يتشمموها‏,‏ لأن من بينها خامات تستحق الاستنقاذ والعناية بتربيتها‏.‏
ويذكرنا الدكتور علي الراعي بما سبق أن تناوله في كتابه‏:‏ هموم المسرح وهمومي تحت عنوان المسرح الغنائي مقدما وصفا تفصيليا للحالة التي أدت الي الركود الحالي في حقل الغناء‏,‏ ولا يفوته التنويه بالهدية الثمينة التي قدمها الأخوان رحباني ونجمتهما الساحرة فيروز للمسرح الغنائي العربي‏.‏ فقد تلقف هذا المثلث الذهبي الشعلة المنطفئة من مصر وأوقدوا فيها نارا مقدسة‏,‏ فإذا بالمسرحية الغنائية تبعث من جديد‏,‏ وإذا بالعمل المسرحي يتبعه عمل آخر في فترات متعاقبة بدءا من أوائل الستينيات حتي السبعينيات‏.‏ وتراوحت هذه الأعمال ـ في رأيه ـ بين البراءة الرومانسية‏,‏ والواقعية النقدية التي تشير بإصبع الاتهام إلي موضوع الداء وكوامنه‏.‏

وفي ذكري رحيل المبدع الكبير صلاح جاهين ـ الذي غاب عنا في‏21‏ أبريل‏1986‏ ـ يكتب الناقد الكبير الدكتور علي الراعي تحت عنوان‏:‏ فنه فرشاة وسلاح وباقة حب قائلا‏:‏ إن صلاح جاهين غاب عنا فغاب كثير من علامات البهجة والحب والوجد بالحياة‏.‏ كان صلاح جاهين يعرف طريقه وغايته‏,‏ وكان يدرك أهمية وسيلته‏,‏ ويري أنها سبيله وعدته وروحه وقلبه معا‏.‏ كان صلاح جاهين يدرك جلال الكلمة وعظم الدور الذي يمكن أن تقوم به في تغيير البشر‏.‏ كتب يقول‏:‏ اتكلموا‏,‏ اتكلموا‏,‏ محلا الكلام‏,‏ ما ألزمه‏,‏ وما أعظمه‏.‏ في البدء كانت كلمة الرب الإله‏,‏ خلقت حياة‏,‏ والخلق منها اتعلموا‏,‏ فاتكلموا‏.‏ وحين يتكلم الناس تصبح كلماتهم أفعالا نافعة‏:‏ الكلمة إيد‏,‏ الكلمة رجل‏,‏ الكلمة باب‏.‏ الكلمة نجمة كهربية في الضباب‏.‏ الكلمة كوبري صلب فوق بحر العباب‏.‏ الجن‏,‏ يا أحباب‏,‏ ما يقدر يهدمه‏,‏ فاتكلموا‏!.‏
من أجل هذا الدور الخلاق‏,‏ عشق صلاح جاهين الكلمة‏,‏ وجعلها تعبر عن أدق خلجات النفس‏,‏ وترسم للناس وللأشياء صورا باقية‏.‏ الكلمة الخلاقة هي التي جعلت الشاعر يصادق من صادق ويعادي من رآه يستحق العداء‏.‏ أحب جاهين شاعر الشعب الكبير بيرم التونسي حيا‏,‏ فلما مات كتب في رثائه واحدة من أروع قصائد الرثاء‏,‏ ليس في شعره هو فحسب‏,‏ بل وفي الشعر العربي علي الإطلاق‏,‏ فصيحه ودارجة علي السواء‏.‏ يتخيل صلاح جاهين عروس الشعر تسير في حي البغالة بملاية لف وكف متحني‏.‏ تري جنازة فتسأل‏:‏

مين اللي مات يا شاب يابو دموع؟
قالت عروس الشعر للموجوع
مين اللي مات يا شب‏,‏ قل لي يا خويا
قالت عروس الشعر ليكون أبويا‏!‏
أنا قلت أبونا كلنا يا صبية‏!‏

‏**‏
مات زي ما كتف الجبل ينهد
مات باقتدار وفخار‏,‏ ماقلش لحد
بيرم‏,‏ ومات ماشي في طريق المجد
وجنازته ماشية أهه في شارع السد
والنعش عايم في الدموع في عنينا

‏**‏
فايت في قلب القاهرة ومعدي
هو عارفها وهي مش عارفاه
علي كل حارة وكل عطفة يهدي
كأنه راجع لسه من منفاه
يبوس بعينه اللبدة والجلابية‏!‏

وكما تعزف كلمات جاهين نغمات الحب‏,‏ تعزف أيضا كيف توجه مشاعر الكره للجانب السيئ من أمريكا‏:‏
في الرواية الأمريكانية‏:‏ العصابة
تقتل اللي تخاف‏,‏ ليفتن للنيابة
الزعيم يأمر بسحبه جوه غابة
والرصاص يعمل عزومة للديابة

‏**‏
أصله كان يعرف حاجات فوق اللزوم
والقتيل عمره ما ينطق أو يقوم
والعصابة الأمريكية العالمية
مش بتسرق مية ولا خمسمية
لأ دي بتقشط شعوب م الانسانية
والسلاح ذرة وقنابل ميكروبية‏!‏

‏**‏
هذا هو علي الراعي في كتابه الجديد الصادر بعد رحيله بسنوات‏:‏ عن الكاريكاتير والأغاني والإذاعة‏.‏ تفوح سطوره ببعض من عطره الباقي‏.‏ ويذكرنا بصوته النقدي الجاد‏,‏ وعشقه للجمال والإبداع‏,‏ ومحبته الغامرة‏,‏ لكل من كتب عنهم‏,‏ في أسلوب ممتلئ بالنبض والدفء والحرارة‏,‏ وتناول يؤازره حس ذكي مرهف‏,‏ وثقافة موسوعية شاملة‏.‏ وشكرا لكريمته‏:‏ ليلي الراعي ـ الصحفية بالأهرام ـ التي أتاحت لقرائه متعة قراءة هذا الكتاب‏,‏ وكتب أخري له صدرت بعد رحيله‏.‏