قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

وقف وزير الحرب الإسرائيلي موفاز قبل أيام متباهيا بنجاح سياسة حكومته العنصرية طوال الأعوام الثلاثة الماضية، مدللا على ذلك النجاح بأحداث غزة الأخيرة ومحاولة اغتيال عضو المجلس التشريعي الفلسطيني نبيل عمرو، كونها جاءت من وجهة نظره نتيجة للسياسة الإسرائيلية القوية تجاه الشعب الفلسطيني وانتفاضته وقواه، والمبنية على عمليات الاغتيال والاعتقال.

وتدمير البنى التحتية وبناء جدار العزل العنصري ومحاصرة القيادة الفلسطينية ميدانيا وسياسيا،.مشيرا بذات الوقت إلى حالات الانفلات الأمني في مناطق السلطة الفلسطينية وممارسات بعض النشطاء المسلحين بما في ذلك إرسال بعضهم برسائل لجيش الاحتلال يطلبون فيها ضمان حياتهم مقابل إلقاء سلاحهم.

ونبرة التباهي هذه يجب الاعتراف بأنها تعكس بعض الصحة وعلى الطرف الفلسطيني اخذ العظة منها ومما حدث ويحدث ليحدد السياسة الفلسطينية الصائبة في مواجهة كل هذا، إلا أنها بذات الوقت محاولة فاشلة للتغطية على المأزق الذي وضع صمود الفلسطيني الباسل الاحتلال وسياسة شارون كلها فيه، وفرض عليه الحديث عن الانسحاب وعن القبول بمبدأ الدولة الفلسطينية وتوج كل هذا بالقرار الهام جدا لمحكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة ضد جدار العزل العنصري بخاصة والاحتلال الإسرائيلي بعامة ودعما للشعب الفلسطيني وحقه بالحرية الاستقلال.

والنظرة الفاحصة لما حدث في غزة ورام الله ونابلس وجنين وما يحدث بدرجة اقل في اكثر من منطقة يقودنا إلى الأسباب الرئيسية التالية:
1ـ لقد نجح الاحتلال وسياسة شارون الفاشية المتمثلة بتدمير كل شيء عسكريا وخطة الانفصال من طرف واحد سياسيا ودعم الإدارة الاميركية له بوضع الحركة الوطنية الفلسطينية وقياداتها في موقع الدفاع، وتقديم المطالب الاميركية الإسرائيلية بإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية، والمنطوية على استهداف ضرب صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني على اولوية ازالة الاحتلال وكذريعة لتغطية ممارساته الفاشية.

وتجاوبت أطراف دولية وإقليمية فاعلة هذه المطالب بهذا القدر او ذاك ساهم في هذا تراجع موقع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الأجندة الدولية في مرحلة تقدمت فيها قضايا أخرى في العراق وفي الحرب على الإرهاب، كل هذا وضع الشعب الفلسطيني ومؤسساته وقواه وقياداته تحت ضغوط هائلة وأفقد قيادته المبادرة السياسية ولو مؤقتا مع توفر كل الشروط لاستعادتها والمتمثلة بالاحتلال وطبيعته المناقضة للشرعية الدولية وصمود الشعب الفلسطيني وتضحياته الهائلة ومواقف المجتمع الدولي، كما تجلت في مواقف لجان التضامن الدولية وقرار محكمة العدل الدولية والجمعية العامة الاخيرين.

2ـ سياسة عدم التصدي للأزمة وتأثير حلولها وتدويرها زمنيا، والرهان على ان الزمن كفيل بالحل، والاستئثار الفئوي والفردي بالقرار السياسي مما دفع الأمور نحو الانفلات الأمني وأخذ بعض النشطاء المسلحين لزمام الأمور بأيديهم، وعدم الانخراط في حوار سياسي داخلي جاد وجدي.

3ـ ترتيب البيت الفلسطيني على أسس ديمقراطية حقيقية بمشاركة جميع اطراف المعادلة الداخلية انطلاقا من المصلحة الوطنية للشعب الفلسطيني ومسئولية تقديمها على سواها من مصالح فئوية وفردية، وإصلاح النظام السياسي الفلسطيني وتجديده وتنظيم الصفوف وتوجيهها وفق استراتيجية سياسية واحدة وتحت قيادة وطنية موحدة كان وما زال وسيبقى مسئولية الجميع، والطريق الاصوب لمجابهة الاحتلال وضغوط الخارج ولمعالجة مشكلات وأزمات الداخل.

ولن نتمكن من التصدي لكل التحديات الكبرى المنتصبة أمامنا في ظل سيادة استئثار البعض واستنكاف البعض الاخر لان المطلوب اليوم هي سياسة مبادرة واحدة وقيادة موحدة، وكما علمتنا تجارب التاريخ انه لم يصمد او ينتصر شعب تنهج قوى حركته الوطنية سياسات متوازية وتقوده قيادات متصارعة.

4ـ لقد تقاطعت سياسة شارون في التحضير للانسحاب من غزة وحملته العسكرية في إطار خطته للانفصال من طرف واحد مع الضغوط الدولية لاستبعاد الرئيس عرفات وتهميش دوره وتفاقم المشاكل الداخلية وتحولها إلى أزمات مستدامة بدون التصدي لها لإيقاظ الطموحات المشروعة وغير المشروعة المنطلقة من المصلحة الوطنية مع المنطلقة بمصالح وحساب ذاتية، ومن الرهانات المحسوبة وغير المحسوبة وغير المقدرة لواقع الحال السياسي لدى البعض لدفع الأمور نحو الانفجار في لحظة سياسية حساسة جدا، ساهم في هذا لجوؤها لأساليب غير مشروعة مثل اختطاف الأصدقاء الفرنسيين واللجوء لاستعمالهم للسلاح وحرق المقرات.

كل هذا تجاوز للخطوط الحمر في معالجة التناقضات الداخلية الأمر الذي أثار الشكوك لدى الكثيرين واعتبروه حرفا للمعركة عن اتجاهها الصحيح، وتشويشا على مطالب الإصلاح والتغيير والتجديد المحقة والمشروعة مما دفع ابرز نشطاء الحركة الشعبية الفلسطينية والمطالبين بالإصلاح والشفافية والمحاسبة لإطلاق وصف سلعبة الكراسي الموسيقية على ما يجريس .

في خضم هذا الوضع ارتبكت القوى السياسية والاجتماعية وكأن انفجار الأزمة أخذها على حين غفلة واستنكفت عن القيام بدورها وتركت الشارع الغزي بخاصة نهباً لاستعراضات القوى المسلحة المتبادلة واقتصر موقفها على إعلان المواقف السياسية بدلا من النزول للشارع وقيادة الحركة الجماهيرية نحو الاتجاه الصحيح.

من الصائب القول إن الأزمة انفجرت في مؤسسات السلطة العليا وفي إطار التنظيم الذي تهيمن عليه «فتح» والقول كذلك ان قنوات الفعل والتأثير مسدودة النهايات في النظام السياسي الفلسطيني، ولكن كل هذا لا يبرر عدم الفعل الممكن حتى لا نقول المطلوب والذي يمليه الواجب والمصلحة الوطنية العليا بما في ذلك التلكؤ في عقد المؤتمرات الشعبية في مختلف المحافظات.

والذي دعت لها لجنة المتابعة لاستحضار مساهمة العامل الشعبي في تصويب الأوضاع وإصلاح الأمور وهو عامل القوة الأهم والأكثر حضورا الذي باستطاعة القوى السياسية والاجتماعية الركون إليه لتفعيل دورها وحضورها ومخطيء جدا من يعتقد ان حريق منزل جاري سيبقي على منزلي سليما ومحميا من لظى النار ويبقيني حالما في حياة أفضل، فكيف اذا كان الحريق يطال كل غرف البناء من مختلف جوانبه.

وعلى مستوى الهرم السياسي «الرئاسة ورئاسة مجلس الوزراء والمجلس التشريعي وهيئات فتح القيادية» احتدم الجدل حول المسئوليات والصلاحيات وصولا لإعلان استقالة احمد قريع رئيس الوزراء وتشكيل لجنة من المجلس التشريعي لمحاولة ايجاد الحلول وإصلاح ذات البين وفي نهاية المطاف تم التوصل الى تسوية أعلن الوصول إليها الرئيس عرفات بحضور رئيس وزرائه، وتتضمن الالتزام بالقانون الأساسي وصلاحيات مجلس الوزراء مع إمكانيات إجراء تعديلات عليه وفتح ملفات الفساد ومحاسبة المسئولين عنها....الخ.

وبنتيجة مجمل التحركات الرسمية والشعبية التي قام بها الرئيس عرفات والسلطة والقوى السياسية والاجتماعية تم احتواء الأزمة ولو مؤقتا شعورا من الأطراف المنخرطة فيها بردود الفعل السياسية السلبية على المسلكيات التي

رافقت الحدث وتوقيته الزمني وربما انتظارا لتطبيق ما تم الاتفاق عليه والوعد به.
ان كل من يعرف طبيعة الأزمة بإبعادها الخارجية والداخلية السياسية والتنظيمية لا يمكنه الركون لنجاعة ما تم التوصل اليه من حلول في معالجة الأزمة ووضعها على درب الحل المطلوب ولا يعدو ما توصل له كونه احتواء الأزمة في هذه المرحلة وحلا مسكناً لا يطال جوهرها على أهميته وعلى أهمية حاجتنا اليه ويبقى السؤال الأهم ماذا بعد وما العمل لمنع تكراره ووضع الحلول الراسخة لذلك؟

ان الحل هو بتحمل جميع القوى والفعاليات والشخصيات السياسية والاجتماعية مسئوليتها السياسية والوطنية، والانخراط المباشر في حوار وطني شامل لاستعادة المبادرة السياسية والاتفاق على استراتيجية عمل واحدة تستجيب للتحديات السياسية المطروحة وقيادة عمل موحدة تتحمل المسئولية المشتركة وتتصدى للمهام الكبرى بما فيها قضايا الإصلاح والتجديد ومحاربة الفساد والسيطرة السياسية على المجموعات المسلحة وتوفير الحماية السياسية والاجتماعية لها ووضع حد للفلتان الأمني انطلاقا من أسس معيارية وآليات سياسية في مقدمتها الحفاظ على الاتجاه السياسي الممثل في مهمتنا كمهمة تحرر وطني ��إنهاء الاحتلال وتعزيز صمود الشعب ومقاومته ومن كون الإصلاح والتغيير والتجديد عملية متداخلة تداخلا عميقا وجديا مع عملية الصمود والمقاومة وعملية ديمقراطية لا يمكن تحقيقها بوسائل العنف، ودفع الأوضاع نحو الحرب الأهلية بل هي قيمة سياسية واجتماعية ومنهج حياة تستدعي مشاركة جميع قوى وفعاليات فئات الشعب فيها، وعملية شاملة تطال النظام السياسي والعلاقات الداخلة بين السلطة والقوى والشعب، وتطلب فتح النهايات المغلقة في النظام السياسي الفلسطيني عبر دمقرطة الحياة السياسية والعلاقات الداخلية وقوننتها والاستناد الى انتخابات حرة ديمقراطية وقانون انتخابات عصري، والى ��يادة القانون ومبدأ تداول السلطة، ومن الضروري معرفة ان كل هذا لن يأتي بضربة سحرية وهناك تلال من المعيقات بدءا من الاحتلال وسياساته وممارساته على الأرض، وتراكمات المراحل الماضية وتشبث ذوي المصالح والمناصب الخاصة بمناصبهم ولذلك يتطلب الانخراط في هذه العملية الكثير من الجهد والإخلاص والثقة بصوابية وضرورة إيجادها إضافة للقناعة بأنها مصلحة وطنية عليا اولا وقبل كل شيء.
*عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية