هناك دائماً ما يشبه الإضطرار إلى التذكير بأفغانستان. فإذا كان العراق يُضعف حملة الرئيس جورج بوش الرئاسية، فإن جون كيري يحاول أن يقوّي حملته بأفغانستان. ذاك أن البلد الذي أطاحت الحرب حكمه الطالباني أواخر 2001، يتقدم تقدم سلحفاة مصابة بالنعاس، ويتراجع تراجع أرنب مصاب بالأرق. فقد أطنبت الصحف والتلفزيونات في وصف حال البلد التعيس: نقص في الالتزامات المالية الأميركية، نقص في الالتزامات العسكرية الغربية، أمن محصور في العاصمة كابول، انبعاث لـ«طالبان» تواكبه صدامات ومعارك وأعمال عنف، هيمنة لأمراء الحرب المعادين للسلطة المركزية على أجزاء واسعة من البلاد، ازدهار غير مسبوق للمخدرات التي تغزو الأسواق الغربية. وجاء إعلان انسحاب منظمة «أطباء بلا حدود» الفرنسية من أفغانستان بعد 24 سنة قضوها هناك، ليقول إن من احتمل الغزو السوفياتي ونظامه، والمجاهدين وحروبهم، و«طالبان» وحكمها، ما عاد في وسعه الاحتمال. ولم توفّر المنظمة الإنسانية، التي فقدت عدداً من أطبائها، سياسة المعونات الأميركية المبالغة في التسييس والمحاباة، كما لم توفّر تحميلها المسؤولية التي يجدر بها أن تتحملها.
واليوم تتهيأ أفغانستان لانتخابات رئاسية لم تعرفها منذ عقود. لكننا، هنا أيضاً، نلاحظ ما يلي من اشارات القلق:
gt; أُجّلت الانتخابات التي كان يُفترض اجراؤها في حزيران (يونيو)، إلى أيلول (سبتمبر)، ثم إلى تشرين الأول (اكتوبر). والأسباب ضعف الأمن وتخلّف الإمكانات اللوجستية.
gt; هناك 23 مرشحاً للرئاسة، ما يشي بدرجة انسحاب التفتت المجتمعي على الصعيد السياسي، وبين هؤلاء اثنان على الأقل يُخشى فوز أي منهما، بقدر ما تُخشى خسارته: الجنرال الأوزبكي عبدالرشيد دوستم ووزير التعليم السابق يونس قانوني.
gt; قرر الرئيس حميد كارزاي أن يتخلى عن نائب الرئيس الأول محمد فهيم، وأن يصطحب على لائحته أحمد ضياء مسعود: فهذا الأخير شقيق القائد الطاجيكي الراحل أحمد شاه مسعود، وهو في الوقت نفسه ديبلوماسي (سفير في روسيا) ذو رصيد شخصي لا شائبة عليه. إلا أن المشكلة تكمن في التخلي عن فهيم: فهو صاحب الميليشيا الأكبر وأحد كبار المتهمين برعاية تجارة المخدرات.
gt; لا بد أن تعمل «طالبان» في معاقلها الجنوبية البشتونية على منع عمليات التصويت، فيما يفرض أمراء الحرب في سائر المناطق على سكانها أن يصوّتوا بحسب رغبات الأمراء.
أما من علامات مضيئة في هذه اللوحة الكالحة؟ بلى. فأرقام الأمم المتحدة تقول إن 8.5 مليون أفغاني، من أصل 9.5 مليون قادر على التصويت، سجلوا أسماءهم للاقتراع، فيما تبلغ نسبة النساء بين هؤلاء المصوّتين 40 في المئة. كذلك نقل أحد الاستفتاءات أن 77 في المئة من الأفغان يراهنون على أن تؤدي الانتخابات إلى «تغيير فعلي»، وثمة من يردّ هذه الإشارات الايجابية إلى استعادة المجتمع الأفغاني بعض اللحمة والتماسك مما بدّده الطالبان والحروب: فقد عاد إلى البلاد مليونا مهجّر كانوا في باكستان (لا يزال هناك 1.6 مليون)، و900 ألف كانوا في إيران (لا يزال هناك 800 ألف)، ونصف مليون ممن كانوا مهجّرين في داخل البلد.
وهذه، على بعثرتها وقابليتها لتعدد الاحتمالات، يمكن أن تشير إلى احتمال تأسيس مجتمع ورأي عام، ومن ثم مجتمع مدني. إلا أن تلك تبقى مهمة في غاية الصعوبة في ذاك البلد الموغل في التأخر والعصبية والحروب، فكيف إذا أضيفت سياسة أميركية صلتها بالنزاهة والحكمة تساوي صلته بالحداثة والتسامح؟















التعليقات