منذ وقت طويل لم نرَ مثل هذا الزخم في محاولة ضخ دماء جديدة في العلاقات الجزائرية ـ المغربية، التي يظل تحسنّها شرطاً أساسياً من شروط النهوض باتحاد المغرب العربي، ومطلباً دولياً يجتمع عليه الموفدون عبر المتوسط وعبر الأطلسي.
ففي مناسبة "عيد الجلوس"، الذي يُصادف الذكرى الخامسة لارتقائه العرش العلوي، ألقى العاهل المغربي محمد السادس خطاباً من القصر الملكي في الرباط، توقّف فيه عند أهم القضايا الداخلية والخارجية، وضمّنه دعوة الى "انطلاقة جديدة" مع دول الجوار المباشر، "لا سيما مع الجزائر الشقيقة". ولم تمضِ ساعات على ذلك الخطاب حتى أعلنت وكالة أنباء المغرب العربي أن المغرب ألغى التأشريات المفروضة على الجزائريين الراغبين في زيارة المملكة، بموجب "تعليمات عليا أصدرها الملك محمد السادس". وبالتالي لم يعد دخول الجزائريين الأراضي المغربية خاضعاً للإجراءات المطبقة منذ 27 آب 1994 حين فُرضت التأشيرة على الجزائريين بعد اعتداء إرهابي استهدف فندقاً في مراكش، ونفّذه إرهابيون مغاربة. حينها اتّهمت الرباط أجهزة الاستخبارات الجزائرية بالتورط في الحادث. وردت الجزائر على فرض التأشيرة بإغلاق الحدود، وظلّت تُطالب الرباط بالاعتذار على "الطريقة غير اللائقة" التي عومل بها الجزائريون آنذاك.
اليوم، ولو بعد عشر سنوات، تعود السلطات المغربية عن ذلك الإجراء، ولو أن الجزائر تتريّث في المعاملة بالمثل بانتظار استكمال "آليات أمنية".
وكان الملك محمد السادس قد وجّه رسالة تهنئة الى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في مناسبة عيد استقلال الجزائر في الخامس من تموز الماضي، دعا فيها الى "دعم أسس علاقات نموذجية بين بلدين يتقاسمان الوعي بحتمية مصيرهما المشترك"، ووصف الرئيس الجزائري بأنه يتمتع "بخصال الحكمة وبُعد النظر والتفاف الشعب الجزائري حوله".
تجدر الإشارة الى أن كلاً من الملك والرئيس يستهلان العام السادس في السلطة. الرئيس بوتفليقة بفوزه الساحق في الانتخابات الرئاسية قبل نحو ثلاثة أشهر، والعاهل المغربي بتقبّله مراسم حفلة "البيعة والولاء" في القصر الملكي في الرباط في الذكرى الخامسة لعيد الجلوس.
لكن تبادل الرسائل، وخطابات الود، والإجراءات الرمزية، ليست وحدها مؤشرات التقارب بين الجارين. فقد سبق لوزير خارجية المغرب محمد بن عيسى أن زار الجزائر في حزيران الماضي، وفي 21 تموز الماضي صدر في الجزائر بيان جزائري ـ مغربي مشترك عقب زيارة وزير الداخلية المغربي مصطفى الساهل الى الجزائر. فقد اتفق مع نظيره الجزائري نور الدين يزيد زرهوني على دعوة فريق عمل مشترك خاص بالأمن للاجتماع خلال الربع الأخير من العام الجاري. وحدّد البيان مهمات فريق العمل في "محاربة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وكل أشكال التهريب". وقد حمل الوزير الساهل معه رسالة من الملك محمد السادس الى الرئيس بوتفليقة، وأحيطت زيارته بحفاوة كبيرة إذ حضر تدشين مختبر لتحليل الحامض النووي يُعتبر الأول من نوعه في افريقيا والعالم العربي، كما شارك في حفلة تخريج دفعة من المدرسة العليا للشرطة.
قبل ذلك بأسابيع قليلة، أنهت لجنة الشؤون القنصلية والاجتماعية المغربية ـ الجزائرية أعمالها في الرباط والتي دارت على مدى يومي 21 و22 حزيران الماضي، وجرى خلال الاجتماعات عرض أوضاع الجاليتين المغربية في الجزائر، والجزائرية في المغرب، والإطار القانوني المنظّم للعلاقات القنصلية والقضائية بين البلدين.
إذا أضفنا الى هذا كله إعلان وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم أن الوزير الأول المغربي ادريس جطو سيزور الجزائر قبل نهاية السنة الجاري بصحبة وزير الداخلية مصطفى الساهل، وأن بلخادم نفسه زار المغرب مطلع شهر آب الجاري للمشاركة الى جانب وزير الخارجية الإسباني ميغيل أنخيل موراتينوس، ونظيره المغربي محمد بن عيسى، في ندوة حول "أوروبا الموسّعة والتعاون الأورو ـ متوسطي" استضافها "ملتقى أصيلة" الذي يرأسه الوزير المغربي، تكون حلقة الاتصالات قد اكتملت لتوفير أفضل الظروف أمام انطلاقة جديدة في العلاقات المغربية ـ الجزائرية.
تتقاطع هذه الاتصالات واللقاءات مع إعلان جبهة البوليساريو قبل بضعة أسابيع عن إطلاق مئة أسير مغربي، برعاية مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، مع بقاء 400 أسير مغربي رهن الاعتقال، مما يذكرنا بأن قضية الصحراء الغربية تبقى حجر عثرة أمام العودة الكاملة للعلاقات الطبيعية بين المغرب والجزائر. ومن مؤشرات ذلك، البيان الصادر عن الخارجية الجزائرية في 20 تموز الماضي، يوم وصول وزير الداخلية المغربي مصطفى الساهل الى الجزائر، والذي تضمّن انتقاداً شديداً لـ"المغالطات" ولـ"الخلط المتعمد" في شأن موقف الجزائر من قضية الصحراء الغربية. ومما جاء في البيان "أن الجزائر التي تكنّ تقديراً كبيراً للشعب المغربي الشقيق تؤكّد أن السلم لا يتحقق إلا مع مسؤولي جبهة بوليساريو، وأن محاولات البحث عن مُحاوِر بديل، أي الجزائر، لن يؤدي إلا الى طريق مسدود، ولا يساهم إلا في تمديد، وبصفة جائرة، وضعية تضر بمصالح شعوب المنطقة".
عند هذا الحد، يمكننا أن نتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود في علاقات الجارين اللذين يتكاتفان بلا تحفّظ عندما يتعلّق الأمر بوقف زحف الجراد الذي يُهدّد المحاصيل الزراعية في المنطقة... فحبذا لو انسحب الأمر على مواجهة بقية الأخطار التي تحرم المغرب العربي من الخفقان بقلب واحد...
- آخر تحديث :















التعليقات