يقظان التقي: آلان طاسو، شاعر وناقد ورسام (مواليد العام 1962)، من الوجوه المغامرة في استعمال طاقاتها الشابة الدينامية، وفي تجريب حرّ في الشعر المعاصر، وفي شغف اكتشاف تضادات الاشياء والاحساس العميق بتجلياتها، من خلال جرأة التركيب اللغوي والتعبيري المباشر والجواني، اي النص الشعري الذي يصير حالة انسانية وتصوير ذاتي لقوانين الطبيعة في مواردها المعنوية والمادية والجمالية.
له اكثر من عشرة داووين شعر. كان آخرها مجموعته الشعرية الجديدة: "نحت في قلب الحجر" عن "دار النهار".
طاسو اقام اخيراً معرضاً له في "المركز الثقافي الفرنسي" بدعوة من المركز في "دير القمر" وفي إطار "مهرجانات بيت الدين" وتضمن 60 لوحة من رسومات مختلفة ومقالات صحفية وتخلل المعرض امسية مع اشعاره وعرض فيلم وثائقي لايلي يزبك وقراءات ونقاشات في التجربة بين الذاتية والعمل الجمالي.
هنا حديث معه عن كتابة الشعر بالفرنسية والفرانكفونية والصوفية الجدلية والشعر المعاصر والرسم بالكلمات:
***
هل يختلف الأمر كثيراً أن يقال آلان طاسو شاعر باللغة الفرنسية، هل يعكس هذا اجتماعاً مدنياً آخر للقصيدة؟
ـ هذا يعود بنا إلى السؤال التقليدي، هل لبنان بلد فرانكفوني ام لا؟ في التعبير السياسي نحن بلد فرانكفوني. هذا يتصل باللغة التي نتكلم بها ويتجاوزها، واللغة امر مهم لانها اداة تعبير. هذا في التعريف الكلاسيكي، اما اليوم لم يعد من المهم بأي لغة نكتب سواء كانت لغة فرنسية او انكليزية او صينية او يابانية او عربية. كل لغات العالم حيّة لانها تعكس قيم الناس، والمدن حيث يعيش الناس. واليوم الشعر المعاصر يدخل في عمق الانسان اكثر واكثر ويظهر اللاشيء او العدم، والعدم كما اقصده هنا هو المعرفة. والأهم انه لا يعطي حلولاً. كاتب القصص قد يعطي حلولاً. لكن ليس من يكتب الشعر المعاصر، الذي فيه الكثير من الاجتماعي والسياسي والتطلع إلى المدى البعيد، اقصد حين يبحث الانسان في المدى البعيد ويعيد النظر بنفسه والوطن، بينما في التعريف السياسي الضيق، السياسة تبحث في معناها عن المدى القصير.
بهذا المعنى انا لست فرانكفونياً، انا ولدت في لبنان واعشق لغتي العربية واحترمها، لكن اشتغل باللغة الفرانكفونية او دعنا نقل للتوضيح، اكتب باللغة الفرنسية، ربما هذا ادق من استعمال كلمة الفرانكفونية شعراً ولغة. وكما يقول جان درتور: "اللغة الفرنسية هي استعمال 300 كلمة لاجل التجارة والتسلية.." هذا مجاز تعبيري طريف. لكن انا فرانكفوني نعم، لأني احترم القيم الفرنسية الاكثر ادباً وصفاءً، ولا تنس اللغة الفرنسية هي وريثة اللاتينية واليونانية.
في كتابتي احاول البحث في عمق اللغة الفرنسية، واذا اردت النحت في الكلمات. من هنا كانت تسمية ديواني الاخير "نحت في قلب الحجر". والقيم الفرنسية هي قيم قارية عميقة تشبهنا بأي حال، تتشابه مع كل قيم العالم وقيم الانسان، وخاصة القيم اللبنانية التراثية الحاملة للطبيعة اللبنانية من سهول ووديان وانهار وينابيع وما تحمله من ثقافة خلال تقلبات الدهور. ثم ان اللغة حرية. وهذا اسمى المرتجى من كتابة الشعر وبأي لغة كانت.
هل تشتغل كثيراً على قصيدتك ولغتك ام هي تجريب حرّ؟
ـ قد يعتبر البعض ان الشعر تسلية، بينما هو في الواقع جوهر كل شيء. كلمة الشعر باليونانية " poesie" تعني خلق الاعمال، يعني ان تبتكر اشياءً جديدة، او حيوات جديدة. الشعر المعاصر يبحث في الاشياء كما ذكرت في المدى البعيد، وهو السياسة بمعناها الكامل والشمولي. لكن يسقط الشعر في الآني واليومي والاشياء اليومية. الشعر لا يغير الناس ولا يغير الحياة، لكنه يبتكر حياة جديدة، وربما انسان جديد. في عنوان كتابي "دم الثلوج "، قصدت ان هذه الكرة الارضية تتعذب مع التكنولوجيا والوسائط الحديثة. وانا اعتبر ان الانسان يعود إلى الوراء. "دم الثلوج" هو صرخة دراماتيكية عنيفة حتى يعود الانسان إلى نفسه وللتفكير العارف والعقلاني بالآخر المفترض ان يشبهه وليس هذا الآخر كشيء للاستعمال والاستهلاك الربحي الوصولي على حساب انسانيتنا.
انا اعتبر ان الانسان لم يعد اليوم انساناً. هذا مفجع ودرامي، وانا اعتبر ان تأويل نفس واحدة يعيد للابدية كوكبة نجومها.
ماذا اعطتك الاقامة في الخارج، هل استطاعت ان تفصلك عن التصنيفات المتداولة عن جيل الحرب وجيل ما بعد الحرب؟
ـ ان تقيم في الخارج، لا يعني انك تسكن إلى هذا الخارج بكليتك. وفي هذا المعنى انا عمري كله لم اسكن إلى هذا الخارج، وكنت دائماً هنا في الخارج كأنني في الداخل. قد تعلمك الاقامة في الخارج الخبرة واحترام الانسان. تعطيك المدينة هناك مجالات للتفكير، ببساطة لان المدينة هناك مبنية حسب تراثها وانت مجبر على احترامها كما هي في طبيعتها المتنوعة وتاريخها. هنا الامر مختلف تماماً خاصة في الحرب ودعنا لا نتكلم عن قتل الانسان. في روما اذا نزعت "نمنامة"، ذات الاوراق الصغيرة (الحبقة) من مكانها، قد تستقيل الحكومة، لأن هذه "النمنامة" من طبيعة ومن تاريخ الوطن. المدن هناك مجال للحياة. وعندنا ميدان مفتوح لتدمير كل شيء وتشويه التراث والانفصال عنه. عدا عن قتل الانسان. انا عشت الحرب هنا للتوضيح. عشتها طويلاً..
ما اريد ان اقوله انه علينا ان لا ننفصل في لغتنا التعبيرية كما في الشعر عن هذا التراث بالمطلق، والاخير هو مختلف اللغات والتفكير والاديان، وكل ذلك يؤدي إلى طريق واحدة، ولدينا نحن في الشرق غنى ليس لدى الآخرين.
تفتح قراءة نصك الشعري على مزاج ما ما بين الالتباس والغموض، في اللعب على حدود الاسود والابيض، ما هي حكاية هذا الاسود؟
ـ ليس هذا غموضاً بقدر ما هو مجال للتفكير. الاسود هنا هو مجال للتفكير والتساؤل والبحث. يمكن ان تفتح الصفحة البيضاء على عشرات الصفحات البيضاء، وكما الاسود هي ايضاً مجال للتعبير وربما أصعب من الاسود. اي ان عدم الكتابة هو اعنف من الكتابة بالاسود وهذا الاخير هو كل الالوان ولا يعكس اطلاقاً قتامة الصورة الشعرية. هو يحفز الضوء على التغلب على العتمة.
الشاعر المعاصر لا ينتظر ان يعجب القارئ اولاً، اي ان يٌعجب القارئ بشاعر. المهم أن تفتح الكتابة للقارئ طرقات ودروباً وتشعبات يدخل منها القارئ. هنا يبدأ اعجاب القارئ بالشاعر.
هذه كتابة صوفية؟
ـ نعم، كأن تقول: عمر واحد لا يكفي لكتابة الشعر، او لتحقق معنى الانتماء إلى الشعر. هذا الامر لا يحدث عرضاً. هناك لغز النداءات الجارحة وحدائق تتمرد وتنهض من جديد من رمادها.
هذا انتماء شعري ميتافيزيقي بإمتياز؟
ـ انظر إلى العذاب حولنا. انا عشت الحرب هنا، والتجربة الدرامية ما زلت اعيشها. للاسف البلد اليوم يعيش ازمة اكبر من اي وقت آخر، لانه باعتقادي ازمة البلد بالاساس ثقافية وليست سياسية، مع كلامنا الطنّان عادة عن ان المثقفين هم سفراء لبنان، وهم الذين يعملون في المدينة الحديثة.
أسود الحرب كان فيه نور التغيير، والعذاب كان فيه رجاء الخلاص، والتجربة الصوفية تساعدني كثيراً في اعادة النظر للاشياء لكي تصبح اقل دراماتيكية، ومع كل الذي صار، يجب ان نكمل ونعرف كيف نتخطى العذاب. من قلب الظلمة الحالكة يجب ان نخيط نوراً ما. هذا هو المفهوم الرجائي اذا اردت، حيث لا يجب ان نكتفي بالنظر إلى الاشياء والحالات في حدودها الحسية فقط. وعلينا دائماً ان نفتعل مشهدا شعرياً السواد فيه عكس الاغراق في المأسوية ولو كلفنا ذلك نداءات جارحة كما "الثلوج القرمزية"، اي الثلوج الحمراء. بهذا المعنى هو سياسة بإمتياز.
بمن تأثرت من الشعراء ؟
ـ اكثر شيء اثر فيّ، وهو اهم شاعر بالمطلق، هو الانسان، هو اهم الشعراء قدرة على الخلق، هو المُستخلف على الارض نيابة عن كل الكائنات.
قصدت من الشعراء المعاصرين؟
ـ احب كثيراً جورج تراكل، وايف بونفوان، وروبيرتو جورّز من الارجنتين وكل دواوينه تتبع البعد العمودي للقصيدة والمعنى. في كثير شعراء رومان، وفيليب جاكوتيه. هناك اليوم شعراء يزرعون حدائق جديدة في الكرة الارضية الاكثر ميلاً إلى العتمة او الظلام.
تتحدث عن حداثق شعر ، فيما البعض يتحدث عن موت الشعر؟
ـ التجربة التي تتراوح بين الصوفية والتعبيرية كثير مهمة للرد على هذا السؤال. فالتعبيرية هي نوع من رفض الامرالواقع، وهي مدرسة المانية ومسرح كبير كان في العشرينات من القرن الماضي. لا اتحدث عن حلول واجابات المدرسة التعبيرية، لكن ما تعطيه من مجالات للتفكير. نحن على الارض لا نستطيع ان نبعد عن الروحاني والديني والجمالي. نحن محكومون ان نكون في قلب التعبيرية، اي في قلب الشعر، وبقلب الميتافيزيقيا، وبالتأكيد يعني في قلب الانسان. وفي صدق التجربة. ذلك ان الانسان منا يمتلك كل شيء ليكون انساناً في حين ان يفعل كل شيء يجعله غير انساني. هذه كتلة احساس وجودية لا فصام فيها تخضع دائماً لتطورات في الكتابة وتطور في حركة المتضادات، وانت عليك كشاعر ان تلعب بهذه المضادات القائمة اصلاً وتتلمس وتحدس بالحضور القوي للطبيعة الاولى وكائناتها في تشعبات ومتعرجات القصيدة.
ناحية اخرى تشيّع اليوم عن موت الشعر، وان الناس لم تعد تهتم بقراءة الشعر. انا لست ضد كل الاشياء، التي تسلي. حتى مع هذا التوصيف العابر لا يمكن بالواقع ان تتسلى من دون ان تقرأ الشعر. هذا شيء يومي موجود عند الطبيب والمهندس والاقتصادي والسياسي. ذلك ان الشعر المعاصر يدخل إلى كل شيء وهو كما قلت يعطي مجالات للتفكير ويركب اشياء جديدة وصار اشبه بالتمارين الفكرية التي لا غنى عنها في المدينة اليوم.
كيف ترى إلى التجارب الشعرية اللبنانية والعربية اليوم؟
ـ لا استطيع ان اقارب السؤال تفصيلاً، ولديّ قراءاتي للبعض، وللاسف لم اقرأ للجميع. اعرف ان الشعر اللبناني موجود وغني ومعاصر وفي تطور دائم. وهناك في المدينة مثقفون محترمون كنت احب ان اراهم وزراء لبنان المستقبليين.
اذا الناس لا تتكلم عن الشعر كثيراً. هذا لا يعني ان الشعر لا يكمل طريقه ويصير اكثر غنىً واعمق. قد يبدو العالم الآن كله في العناية الفائقة، والواقع لا يعطينا نقاطاً كثيرة اليوم.
في لبنان هناك شعراء كبار ليسوا بحاجة إلى نقاط تعريف من احد، ومن الذين قرأتهم واحترمهم كثيراً انسي الحاج ومحمد علي شمس الدين، ومن الشعراء الكلاسيكيين احترم كثيراً شعر سعيد عقل ولديّ مخطوطات مهمة من شعره، إذ هو صديق وقرأت بشغف اخيراً شعر اسكندر حبش وجوزيف الصايغ. وهناك اسماء كبيرة موجودة تبحث وتكمل، واسماء كثيرة اسمع بها واحترمها ، لكن لم اقرأها.
الآن اخوض غمار التعمق اكثر بقراءات انتاجية شعرية كثيرة لم اطلع عليها سابقاً.
ماذا عن مسرحة القصيدة باللون. ماذا يفعل الرسم، انحراف عن المعنى، او تعميق له، او طريقة نظر ذاتية اخرى، او خلاص للقصيدة، او ادعاء آخر، او اشتراك لها بتقنيات الشعر؟
ـ الشعر والرسم يذهبان في نفس الاتجاه، وحين تقرأ الشعر ترى إلى صور ملونة. وانت تقرأ تحترم الالوان. حتى الالوان القاتمة هي الوان موجودة.
انا اشتغلت على الاسود وهو جميع الالوان، قد يعتبره البعض عدم اللون. اما انا فأعتبره الجامع لعلم الجمال وارسم الاسود على الاسود، والاسود على الابيض، وادرّس في محاضرات لي عن الاسود وعن النور. الرسم لديه اشياء يقوم عليها واسلوب خاص في التعبير وهو يبتكر اسلوبه الخاص حين يصير شعراً بدوره. الرسم هو شعر، والرسم المعاصر يعزز مجالات التفكير والتساؤل.
اليوم في العالم تجارب شعرية لا تحصى، وفي العالم شعراء كبار، ولدينا منهم بأي حال، واتمنى ان يدّرس هذا الشعر اكثر في الجامعات. لأن الكتابة الشعرية تغيرت منذ الخمسينات إلى اليوم وتعمقت وصارت اصعب واتسعت كثيراً.
للاسف دراسات الادب المقارن اليوم ما زالت كما هي الخمسينات واليوم هناك تجارب شعرية كبيرة في اميركا واوروبا والصين، من المهم التواصل معها. يجب ان نقرأ الاشياء المعاصرة ونتعمق في التفكير الادبي، والدراسات المقارنة مطلوبة اكثر اليوم وكما قال لي ايف بونفوان الشعر هو التفكير اكثر والاحساس اكثر، وهو يتخطى الاشياءاليومية. هو الزمن العابر لكن الذي يصل بنا إلى الجوهر.
هذا من نوع الادعاء بالقبض على تفاصيل الاشياء؟
ـ اليوم اكثر من اي وقت مضى يجب ان نعيد النظر بالمعطى الشعري والوقائع الفلسفية لحياتنا حتى في ترهاتها، لكن يجب ان نعترف انه بالحقيقة لا يمكننا القبض على اي شيء. لكن ثمة فيما نبحث عنه في الشعر وقائع جديدة وركائز جديدة للعالم والانسان وهو اي الشعر احد معايير الكتابة نفسها، التي تردنا إلى مطارحنا الحقيقية وإلى طبيعتنا، وتساعدنا على استرجاع الضوء. يجب ان يعطي الشعر شيئاً جديداً والا تسقط الكتابة نفسها، لاسيما حين تشبه بعضها. خاصة ان الكتابة تذهب من عمق المفكر إلى عمق القارئ، اي من انسان إلى انسان.
- آخر تحديث :














التعليقات