قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كوليت مرشليان: "لم تعد الشاشة الصغيرة حكراً على المحترفين من كتّاب وممثلين ومخرجين ومعدّي برامج بل أصبحت هذه الشاشة في متناول الجميع وفي خدمة الجميع..." هذا بعض مما يمليه علينا "تلفزيون الواقع" من حقائق ووقائع... فالشاشة نزلت الى أرض الواقع والكاميرا دخلت البيوت والمؤسسات والمحلات التجارية، والمشاهد شعر باقتراب الكاميرا إليه، فقد يصبح بين لحظة ولحظة محط أنظار العالم وقد يسطع نجمه عالياً فيخال نفسه لبرهة في مكانة براندو أو آل باتشينو أو عمر الشريف... كما سمحت برامج "الواقع" بأن يغذي كل مشاهد في داخله مشاعر وغرائز الفضولية والتنصّت والتلصلص... فأي شيء يرضي حشريتك قد يفاجئك في أي بثّ مباشر ولم يعد من الضروري الجري وراء أخبار الثرثرة والنميمة ولم يعد صعباً الدخول الى خصائص الناس من كل الفئات والأعمار، فكل شيء يحدث هنا في "تلفزيون الواقع".
الظاهرة أخذت حجمها في تلفزيوناتنا المحلية وانتقلت بسهولة من المنوعات الى الدراما. وتبقى أسئلة عدة في هذا الإطار تنتظر تبلور الظاهرة لتتوضح أكثر وأكثر: لماذا التهافت على "تلفزيون الواقع" من قبل المشاهدين؟ هل أن في الأمر رد فعل طبيعياً على روحية العصر وإيقاعه وحياتنا اليومية؟ كيف نشرح انجذاب المشاهد لها من الناحية النفسية والاجتماعية والفنية؟ هل ستستمر طويلاً أم هي مجرد موضة تزول مع زوال مسببات مرافقة لها؟ كيف تعاملت بعض التلفزيونات مع هذه الظاهرة، وكيف ينظر إليها المحترفون. بعض الكتّاب والممثلين والمسؤولين ومعدي البرامج أجابوا عن أسئلتنا، ننقلها كما وردت إلينا:

انطوان غندور (كاتب):
بلا رواج

من وجهة نظري الخاصة، أنا أجد أن ظاهرة "تلفزيون الواقع" لم تلقَ رواجاً كبيراً عند الناس هذا مما لمسته في الحياة اليومية ومما سمعته ممن هم حولي، مع أنني شخصياً تأثرت ببعض البرامج منها.
لكن إذا تمعنّا طويلاً في الفكرة نجد أننا لا نحب أن نرى الحياة كما هي، فالفن هو إضافة الى الحياة والواقع و"الحياة على الشاشة بدها تهذيب..." وإلاّ ما قيمة الإبداع في مجال الكتابة الدرامية؟
من جهة ثانية، تصوير الواقع كما هو على الشاشة الصغيرة يعني أن يمرّ من دون رقابة، وعدم الرقابة هي التي جذبت الناس. ثمة فوضى في "تلفزيون الواقع" ربما هي فوضى منظمة بعض الشيء لكنها من الممنوعات التي تجذب غرائز الإنسان وأحياناً شيئاً من فكره وإحساسه.
من ناحية ثانية، أرى أن هذه الظاهرة لن تستمر طويلاً وإلاّ فهي ستضرّ بالدراما، وعدد كبير من الناس شعر أنها مجرد نميمة وفضولية وتدخّل في شؤون الآخرين لا ينفع بشيء سوى بالثرثرة وتضييع الوقت كأن نراقب مثلاً يوميات فريق محجوز داخل غرفة أو بيت أو استوديو ونجد أنفسنا مجبرين على تتبع أخبار غذائهم وأزيائهم وضجرهم...
هي في النهاية تجربة ولكن لا أعتقد أنها ستستمر كثيراً إذ يرغب الإنسان دائماً في اختبار كل شيء لكن يعود ويختار الفن المبدع لأنه يغذي خياله وطموحه ويسمح له بأن يحلم بعالم أفضل وأجمل.
حالياً، أنا في صدد الكتابة ثلاثة برامج ومسلسلات درامية: "الآنسة قرطاسيا" و"حين يزهر اللوز" وبرنامج عن "المطربين القدامى"، قصص حياتهم من رجاء عبدو الى يوسف تاج وإيليا بيضا ونور الهدى وغيرهم. أليست الكتابة هذه كلها من وحي الواقع؟

شكري أنيس فاخوري (كاتب):
الدراما بعيدة

بما اننا في عصر العولمة، وعصر النقل عن الغرب (تلفزيونياً ـ سينمائياً ـ مسرحياً ـ ثقافياً ـ ترفيهياً الخ...) فإن ظاهرة تلفزيون الواقع (الأصح تسمية تلفزيون التصوير الواقعي) تأتي نقلاً عن التجربة الغربية. بحيث "تفتح" خصوصيات الناس ـ الى حد ما ـ أمام اعين المشاهد في بيته، فيكسر الجدار الرابع بين المشاهد وبين الشاشة، فتدخله اليها او هي تخرج اليه. المهم في الموضوع ليس الظاهرة بمفهومها، بل مضمونها.. والمضمون يتراوح بين المفيد الذي يستأهل ان نعايشه لحظة، وبين غير المفيد وبين الذي لا "يزيد ولا ينقص"... فمعاينة عملية جراحية مثلاً لحظة بحلظة، او حادث ضخم أو ملاحقة مجرم الخ... قد تفيد.. اما ان تعاين أشخاصاً لا يفعلون سوى الكلام والتموضع امام الكاميرا فهو أمر لا يزيد ولا ينقص... أما معاينة "الحميميات" الاجتماعية فهي، حتماً، لا تفيد....
اما الدراما، فهي حتى الآن بعيدة عما يعرف بتلفزيون الواقع، هي أقرب الى تلفزيون التفاعل بين المشاهد والقصة التي تعرض عليه بحيث يتدخل في تحويل مساراتها الدرامية من خلال التصويت. قد يكون في الأمر بعض الطرافة، قد يفيد خيال المشاهد ورأيه خيال الكاتب ورأيه.. ولكنه يبقي حيزاً بين الدراما وبقية البرامج.
هل تعتقد ان التهافت على تلفزيون الواقع هو رد فعل طبيعي على روحية وايقاع هذا العصر؟
ـ اظن ان ايقاع هذا العصر هو السرعة، فهل متابعة اشخاص 24 على 24 ساعة يلائم ايقاع العصر اشك في ذلك.. فلنسمه اذاً ملائماً "لموضة" العصر في التجديد والتنويع والغرابة... وهي مرحلة ستمضي عاجلاً أم آجلاً، وسنعود الى البرامج الموضبة والتي تحمل توقيع معد يعرف سلفاً ماذا يريد ان يقول ويوجه. علماً ان كل برنامج هو مستمد من واقع معين، انما تتدخل فيه ريشة الكاتب او المعد ليبقى ضمن اطار رسالته...
هل تظن ان الواقع يغني الدراما التلفزيوينة؟ وكيف تشرح انجذاب المشاهد اليها من الناحية السيكولوجية والاجتماعية والفنية؟
ـ الانسان ميال الى فرض رأيه، ومتابعة نتيجة هذا الفرض... من جهة أخرى لا شيء سوى الواقع يغني الدراما، بحيث تستقي موضوعاتها من الواقع المعاش، مع فارق ان الكاتب هو "سيد" يديرها حسب هدفه النهائي وصولاً اليه.

مروان نجار (كاتب):
متعة تلصّص
اعتقد ان ثمة خطأ في التسمية إذ لا يجوز ان نطلق عنواناً عريضاً مثل "تلفزيون الواقع" بل ما يحصل اليوم كظاهرة هي تدخل التلفزيون الذي يحاول ان يأخذ من الواقع شرائح معينة يعزلها كما تعزل الكائنات المخبرية في شروط معينة ويعرضها لمؤثرات ثم يضع عدسات تماماً كما يحصل في المختبر، اما العدسات هنا فهي عدسات التلفزيون ونضعها لنراقب ردود فعلها ليس لغرض علمي بل لغرض التلذذ بالتلصص. إذا هو تلفزيون شذرات من الواقع ليس أكثر. وقد بدأت هذه الظاهرة في الولايات المتحدة الأميركية مطلع التسعينات بعد اضرابات نقابة كتاب السيناريو في التلفزيونات الأميركية الذين كانوا يتقاضون اجوراً زهيدة نسبة الى الأرباح الهائلة التي كانت تنصب على الممثلين النجوم وحدهم. كما احتجوا بأنهم مهمشون ومهملين من قبل الدولة في حين ان المشاهير من نجوم التمثيل لهم كل التسهيلات. فكانت ردة فعل إدارات التلفزيونات الأميركية حين طالت مدة الاضراب ان قررت المضي في مغامرة وهي تحويل الناس الى مرتجلي دراما تلفزيونية من كتاب وممثلين الى آخره... وبدأ تدخل المشاهد باللعبة داخل الاستديو وانطلقت هذه الظاهرة، وكانت التلفزيونات الأميركية تستغل هذا الأمر وبسرعة كبيرة امطرت الأرباح عليهم بشكل غير معقول إذ تبين ان المشاهد مل من كل قديم وجذبته فكرة تدخله بالدراما. ثم انتقلت هذه الظاهرة الى أوروبا ومنها الى الوطن العربي والى كل مكان... وهي بالفعل ليست تغلغلاً عميقاً في الواقع بقدر ما تتعاطى مع خصوصيات افراد وغالباً ما يكون الحافز هو الكسب المادي والشهرة.
بنظري لن تعيش هذه الظاهرة طويلاً بيننا لأننا نختلف عن الغرب في بعض الأمور، مثلاً ان المواطن الغربي معزول عن جيرته بينما نحن نجد الجيرة كلها وكل يوم في متناول يدنا، في الفرن وعند البقال وعند الجيران الآخرين تجدهم مجتمعين وتسمع أخبار الجميع، فلسنا مضطرين الى التلصلص لنعرف الجديد في أحوال الجيران، بينما الغرب يجرؤ كثيراً على صعيد التلصلص ونحن ظاهرياً محتشمون ولا يمكن ان نتمادى في قضية التلصص خصوصاً حين يتعلق الأمور بالحياة الجنسية والعائلية لكل فرد. انا قدمت الى التلفزيون في هذا الإطار برنامج "صارت معي" ولكن إذا اردت تحديداً في الزمن استطيع ان اقول انني قدمت برنامجاً مماثلاً في خريف 1979 وكان عنوان "حكاية كل بيت" وهو الصيغة الأولى لبرنامج "صارت معي"، لكن لم تكن الظاهرة متفشية واعتبر البرنامج جريئاً في تدخله في شؤون خاصة اما اليوم بمجرد تقديم شيء مماثل تجدين إدارة التلفزيون توافق في غير شروط.
لكن "صارت معي" برنامج صادر من وجعنا وأهميته انه اجتمع فيه جاذب الرواية ووقع الحقيقة، فجمعت القصة الواقعية على لسان ابطالها الحقيقيين بموازاة الممثلين الذين يقدمون ادوارهم في دمج بين الواقع والتمثيل. هذه الكيمياء، راهنت عليها وهي تزويج نظرية كولريدج (التعليق الطوعي للشك) عند المتذوق ونظرية اندريه انطوان والطبيعيين (الالتصاق بشرائح الحياة)، فإذا بالقصة ترتطم بالحياة فيأتي الواقع أكثر فعلاً وتأثيراً. هذه مسؤولية كبرى وكذلك من أهم عناصر هذه المسؤولية في مبدأ البرنامج انه ممنوع اختيار حالة لمجرد كونها مثيرة للاهتمام بل يجب ان تكون ذات دلالة عامة وهذا ما سنحاول توضيحه في الحلقة الأخيرة: هذه القصة او تلك، لماذا كان يجب ان نعالجها ونتابعها اولاً؟
كذلك في "من أحل بيوت رأس بيروت" زرت الأماكن الشبابية حتى حصلت على تفاصيل حياة شباب اليوم لأتمكن من عرضها كما هي وليس كما أراها أنا في منظار شخصي وأنا أنتمي الى جيل سابق لهم. حتى أنني استطعت ان اصل الى دفتر مذكرات شاب من بيروت انتحر وكان قد حاول ان يشرح أسباب انتحاره. كان شيئاً مؤثراً وكذلك عشت تجارب قاسية للغاية ولم أكن أتخيل أن شبابنا يعيشون مشاكل قوية بهذا الشكل، إذ ظاهرياً هم يسرحون في الليالي ويلهون ويرقصون ونحن نحسدهم على مرحلتهم المتحررة، لكن الواقع غير هذا. من هنا، حتى في العديد من مسلسلاتي الدرامية وإن لم تكن من جعبة "الواقع" كما يعرضه التلفزيون اليوم في كل العالم، تبقى الحياة هي مصدر إلهامي الأول للكتابة. ويمكن ان نلخص الفرق بين الطريقتين في العمل بالتالي: اما نصهر ونولد او عندما نصهر نترك للمادة الأولية مجالاً لتعلن عن ذاتها، وهذا ما حصل في "صارت معي" وفي غالبية برامج "تلفزيون الواقع".
لكن عندي ملاحظة أخيرة وهي تمني ايضاً، لاحظنا ان بعض المحطات تنقل ما تأخذه من الغرب تماماً كما هو ومن دون اي تعديل، فهذا غير مقبول والأفضل ان نشتغل على الفكرة قليلاً ونضع الإضافات التي تجعل الفكرة مقبولة في مجتمعنا.
جوليا قصّار (ممثلة):
ملء الفراغ

أعتقد أن الدافع الأساسي لرواج هذه الظاهرة التي يمكن أن تنخفض بعد حين هو الرغبة في التلصلص لدى المشاهد. الإنسان بطبعه يحب أن يعرف خصوصيات الآخرين وأن يراقب ردات فعلهم ليقارن مع نفسه ويتخيّل نفسه في موقعهم. ولكن من جهة ثانية، حين نضع بعض الأشخاص تحت الكاميرا 24 على 24 ساعة متواصلة أعتقد أن هؤلاء سوف يغلب عليهم نوع من التصنّع والافتعال كي يحموا أنفسهم، فهل يمكن أن نتخيّل هذا الموقف الصعب؟ أن تراقبك الكاميرا وتصوّرك طوال الوقت، أنا شخصياً أعتبر هذا نوعاً من العذاب الجسدي والنفسي ولا أستطيع تحمله، ومع أنني ممثلة أحياناً لا أتحمل الكاميرا أكثر من ساعة تصوير متواصلة. لا يمكن أن نحتمل كاميرا تعمل مثل المجهر أيضاً أي أن هدفها المراقبة والتحليل. الناس تحب أن تراقب وتشرّح الشخص وهذا ما حصل مثلاً مع "ملكات الجمال" أو في "ستار أكاديمي" على الـ"أل.بي.سي".
أما على صعيد الدراما، فأعتقد أن تداخل هذه الظاهرة مع الكتابة التلفزيونية أو التأليف ليس أمراً طارئاً لأنه غالباً ما تُستمد الدراما من الحياة اليومية والواقع والقصص الحقيقية. هنا لست أضيف شيئاً حين أقول إن الواقع هو مصدر الإلهام الأول للدراما، لكن الاجتهادات الجديدة التي تربط الإثنين والتي يمكن أن نراها قريباً فهي تركيبة درامية جديدة لا يمكن أن أكون ضدها قبل أن أراها إذ لست من الناس الذين يصدرون أحكاماً مسبقة على الأمور، ولكن أعتقد أن إدارات التلفزيون تستغل هذا الموضوع لتصل الى غاية ملء الفراغ في شبكات برامجها بأسهل وأرخص ما يمكن إنتاجياً. وقد أصبح في الأمر مجرد تعبئة ساعات بث ليس أكثر. فالكاميرا المسلطة 24 على 24 ساعة متواصلة تحتاج الى مجهود والى ميزانية بالطبع، فأتساءل، من ناحية أخرى، لماذا لا تستغل هذه المبالغ لإنتاج درامي محلي؟ لماذا يُقال أن إدارات التلفزيونات لا تحتمل الإنتاجات المحلية ثم فجأة نشهد على هدر هائل في برامج مماثلة؟ علينا أن ننتج أعمالاً درامية بأسرع وقت وكما يجب إذ كل التلفزيونات قد سبقتنا في هذا المضمار. حالياً لم أسمع بأي مسلسل أو عمل درامي تلفزيوني ذي أهمية يتم تحضيره أو يتم تصويره على غرار ما يحصل في الدول العربية كافة حيث الجهد والبحث عن الأفضل. أعتقد أن هذه الظاهرة لن تطول مع أنني لست ضدها لكن لم يعرض عليّ أحد مشاركة في برنامج مماثل. ربما أرفض إذا لم أقتنع بالفكرة لأن قناعتي أن الفن هو قراءة أخرى للواقع وليس نسخاً وليس تعاطياً مباشراً مع الأمور.
ولا أعرف حين يشاركون الجمهور بالاتصال والتعاطي في "تلفزيون الواقع" إذا كان المعدّ أو المؤلف حقاً يحفل بآراء المشاهدين بل أظن أن مجرد الاتصال قد يؤدي الى أرباح مادية هائلة. وأيضاً لست ضد الأرباح المالية للتلفزيون في برامج مماثلة إذا أعيد استخدامها وتم استغلالها لإنتاجات أعمال مبدعة أخرى.

إيهاب حمّود (دائرة الإنتاج في تلفزيون "المستقبل"):
الناس تعاطفوا

ظاهرة "تلفزيون الواقع" وصلت إلينا متأخرة نحو أربع أو خمس سنوات وقد بدأت في الفضائيات ومنذ فترة بدأنا نشهد أصداءها في التلفزيونات المحلية. و"تلفزيون الواقع" يعتمد على تقنيات عالية لا يمكن الاستخفاف بها وتتطلب مجهوداً كذلك إنتاجاً كبيراً.
الناس تعاطفوا مع برامج "الواقع" لأنها ترضي غريزة الفضولية عند الناس، فلم يعد الإنسان مضطراً لأن يقع وراء الستارة ليتلصلص على الآخرين، الآن الشاشة الصغيرة أصبحت من خلال هذه البرامج مرآة الفضوليين. لا أعتقد أن هذه الظاهرة قد تخفت بسهولة لأن حشرية المشاهد موجودة على الدوام، إلاّ في حال شهدنا صعود ظاهرة أخرى قد تُبطل السابقة لها.
في تلفزيون المستقبل دخلنا في هذه الموجة من أبواب مختلفة وكل البرامج التي نفّذت في هذا الإطار كُتب لها النجاح ولاحظنا إقبال المشاهدين عليها: أولاً "الكاميرا الخفية" التي فيها شيء من التدخل بخصوصيات الآخرين ولو من باب المفاجأة والنكتة، لكن البرنامج يدخل في تفاصيل حياتية يومية هي صلب المطلوب لدى المشاهد. كذلك كان هناك برنامج "عرس اكسبرس" وأيضاً "3 على الطريق"، لكن في كل هذا، حاولنا أن نحافظ على تقاليدنا ولا نزيح عن المسموح ولا نتطرّق الى الممنوعات في مجتمعنا. ذلك أن برامج الواقع في أوروبا وصلت الى درجة من التفلّت لا يمكن أن نقبلها في مجتمعنا. من ناحية ثانية، هذا النوع من البرامج قد يأتي بعائدات كبيرة على صعيد الإنتاج في الدول الغربية ونحن على علم بذلك. ففي "سوبر ستار" في بريطانيا مثلاً، تتم التحضيرات عينها عندهم كما عندنا لكن الفرق أننا نحن نبقى عند حدود التكلفة في حين إعلان واحد ضخم في كل حلقة في بريطانيا قد يغطي تكاليف الحلقة. أقول هذا لأن ثمة اتهاماً للتلفزيونات المحلية بأن الصرف المالي يطال برامج المنوعات وأغلبها يصبّ في خانة "تلفزيون الواقع" وهذا غير صحيح لأن كل فئة في البرامج تغطي نفقاتها وتأخذ حقها، أما الى أي مدى قد تتطوّر برامج "تلفزيون الواقع" فهذا ما لا نستطيع أن نجيب عنه ويبقى للظاهرة أن تأخذ مداها فتتطور أو تضمحل.

رينيه فرنكوديس (كاتبة):
خربت الدراما

أعتقد أن البرامج التي سلّطت الكاميرا على مجموعات من الشبان والشابات بهدف التصوير المتواصل لحياتهم اليومية على غرار البرامج الأجنبية التابعة لظاهرة "تلفزيون الواقع" لم تكن مزعجة في ناحية أن المشاهد ليس مجبراً على متابعتها، وأعتقد أن فئة قليلة في المجتمع راقبتهم باستمرار هي الفئة التي تضم الأهل والجيران والحيّ الذي يقطنه كل واحد منهم. أضف الى ذلك فئة الفضوليين. أنا شخصياً، ضد التنصّت والتلصلص ومع أنني عملت فترة طويلة في الصحافة وكانت عندي فضولية معيّنة لمتابعة تفاصيل عملي، لكن في طبيعتي لا أحب الفضائح والثرثرة.
من ناحية ثانية، لست ضد كل ما يمكن أن يسلّي الناس، ربما هذه البرامج أضفت شيئاً من المتعة والتسلية و"تمرير" الوقت الثقيل على القابعين في بيوتهم وليس لهم مهمات تسليهم. لكن حين دخلت هذه الظاهرة في الدراما، أعتقد أنها خرّبت الى حدّ ما.
أولاً، أن يأخذ الإنسان العادي مكانه على الشاشة، بهذا يحتل أمكنة الممثلين والممثلات الذين وصل عددهم الى الآلاف في لبنان وكلهم لا يعملون. هل يمكن أن تحصي معي عدد وجوه الممثلين الذين نراهم منذ سنوات على شاشاتنا الصغيرة، ربما في حدود ثلاثين أو أربعين ممثلاً وممثلة. وأين البقية؟ أين الكتّاب؟ لا يعمل الكاتب أو لا يُطلب منه للتلفزيون إلاّ كل أربع أو خمس سنوات. هذا ما خرّبه، على ما أعتقد، "تلفزيون الواقع". ساعات وساعات من البث المباشر، تفاصيل تأكل الوقت والمساحة والممثل قابع في بيته. ثم أعتقد أن هذه البرامج تأخذ الكثير من الإنتاجات الضخمة. ألا يمكن استغلال هذه الأموال لدعم الدراما المحلية؟
ثانياً، أعتقد أن دخول قصص الواقع على "واقعيتها" وتماماً كما هي في الدراما شيء خطير للغاية. إذ يتابع المشاهد قصصاً من الواقع حول القتل والجريمة والعنف والاعتداءات الجنسية وكل أساليب الحيلة و"الضروب" غير الطبيعية والعلاقات الشاذة الى ما هنالك من آفات في المجتمع. قد يرى كل هذا أيضاً في قالب درامي، لكن هنا يدخل الإبداع والفن ليضع حداً، إن بالمشاهد أو بالكلام، لكل ما هو فج ومباشر ومؤذ. أنا شخصياً حين أكتب، وحالياً يعرض مسلسل "المحتالة" من كتابتي وبطولة ورد الخال وأنطوان كرباج، أحاول في هذا العمل وفي غيره أن أحافظ على قيم إنسانية وقوانين معينة أفرضها على نفسي ولا أحيد عنها وألاّ أقدّم أعمالاً تخريبية للمشاهد. فهل نضمن أن من يشاهد برامج قصص الواقع قد يتمتع دائماً بثقافة معيّنة تضمن عدم تأثره بما يراه؟ على العكس نصف مجتمعنا أو أكثر لا يستطيع أن يفرّق بين الواقع والتمثيل. فالذي يشاهد عملية تعاطي المخدرات مباشرة وبكل تفاصيلها على الشاشة، أو عملية اغتصاب، أو عملية سرقة بنك، ثم وحسب مسار القصة الواقعية، استطاع أن يفرّ من وجه العدالة أو نختم بالقول، "لا زال حراً طليقاً لا نعرف له أثراً"... كل هذا يؤثر في المراهق والولد والناضج الذي لم يتلقَ ثقافة كافية تخوّله معرفة الخير والشر والتفريق بينهما.
من جهة ثانية، لطالما كانت الدراما مرتكزة على الواقع وأنا في "المحتالة" مثلاً ومع أنني وضعت ملاحظة في بداية كل حلقة تؤكد أن الشخصيات وهمية ولا علاقة لها بالواقع، إنما ثمة عودة دائماً الى مشاهدات لا يمكن أن أفلت منها وأحب أن أنقلها الى أعمالي. مثلاً، قرأت في جريدة "المستقبل" بالذات تحقيقاً منذ قرابة السنتين عن رجل فقير مرمي على الطريق وقد لفّ جسده بملاءة ضخمة لتقيه من البرد ووضع أمامه طاسة يضع فيها المحسنون بعض القطع النقدية. حسبته في الثمانين لكنه كان في الخامسة والأربعين من العمر، وقصته أن شقيقه افتعل أكاذيب وقصصاً عنه وجعله يدخل مسشفى الأمراض العقلية ليرث كل ممتلكات العائلة. نجح في ذلك وتركه مشرداً فيما بعد في الطرقات. أنا وضعت هذه الشخصية في "المحتالة" وعالجت القصة استناداً الى ما نُشر في الصحيفة، ثم وضعت الصورة وحاولت أن أقلّد شكله وأنقل صورته على الشاشة لكنني عالجت القصة بأسلوب إنساني يجعل كل أخ يرغب في احتضان أخيه، وليس مع جعل الأخ ينظر بطمع الى أخيه إذا ما صوّرت القصة الحقيقية وأعطيت أخيراً النتيجة أن الثاني أصبح مليونيراً ينعم بالأموال ولم يعرف أحد بمكيدته.
هناك أمور خطيرة يمكن أن يحملها نقل الواقع مباشرة على الشاشة، أما الكتابة فهي إبداع ومسؤولية في آن. مسؤولية أن تطلّ على الملايين بعمل يوقظ الضمير الإنساني، لا أن يخرّبه، وإن صوّرت الشر فالمعالجة هي الأهم وهي التي تدلّ الى الطريق الصحيح. فحذار الوقوع في فخ ظاهره تسلية وباطنه أذية ولو عن غير قصد.
جورج خباز (كاتب وممثل):
موضة
أعتبر "تلفزيون الواقع" موضة مثل كل موضة تبدأ قوية ثم تخفت، تماماً كما حصل منذ سنوات في لبنان مع موجة "مسرح الشانسونييه"، بدأت بعشرات الأعمال المسرحية المتزاحمة في السنوات الأولى والآن ما عدنا نسمع بها، ربما ثمة فرقة أو فرقتان تستمر في العمل، لا أكثر.
أما تحول "تلفزيون الواقع" الى الدراماتيك فليس أمراً سيئاً لأنه في النهاية اعتقد ان اعمال مماثلة سوف تعود وتتصفى الى أن ترجع الى كونها درامية محضاً.
أساساً كل الكتاب في العالم يستمدون أفكارهم من الواقع، نجيب محفوظ مثلاً وصل الى جائزة نوبل للآداب ووصل الى العالمية من قبل "الحارة" المصرية والشارع المصري وقصصه ومشاكله الاجتماعية. فمن الناحية الأدبية والإبداعية، الأدب كما الدراما التلفزيونية او اي عمل فني آخر قادر على استخدام الواقع في كل الأساليب والطرق. ربما وصل المبدعون الى طرق جديدة يحبون المضي بها ليعرفوا الى أين قد تصل. أنا لست ضد أي تجربة ولنترك للزمن الحكم الأخير.
أما البرامج التي ترصد واقع أشخاص وتسلط الكاميرا عليهم كما حصل في "ستار أكاديمي" فأنا شخصياً رفضت الفكرة حين وضعت نفسي مكان هؤلاء الأشخاص الذين تسلط الكاميرات عليهم لأنني لا أطيق أن يحصر أحد حريتي أو أن يستغلها بأي طريقة من الطرق. أما إذا نظرنا الى أمور أخرى في البرنامج، فنلحظ أنه كانت له ايجابيات كثيرة، خاصة في الإطلالات الفنية الأسبوعية. فالبرنامج أوصل الأغنية اللبنانية الى كل اقطار العالم، ومنذ متى كنا نستطيع أن نوصل اغنيتنا الى أوروبا وأميركا والخليج والعالم كله؟ هنا يمكن ان تقول ان البرنامج خدم الأغنية اللبنانية، ولقد أحببت كثيراً الوصلات الجميلة والمدروسة التي أعادت تراثنا الغنائي الى الحاضر مثل: "طلوا طلوا الصيادي" لنصري شمس الدين أو "اسكتش" في "معنا بندورة" لفيروز والرحابنة من مسرحية "الشخص". لكل امر ايجابياته وسلبياته.
وبالعودة الى الدراما والمسلسلات، أعتقد أن الفن هو القادر وحده على تقديم الواقع على أكمل وجه، إذ يعمل الكاتب على استنباط المبطن والعميق في الواقع المسطح والظاهر. أنا مع نظرية "كليلة ودمنة" وعالمهما، أي أنا مع التبطين وضد المباشرة. المباشر لا يستمر، كل قصة واقعية حصلت اليوم ونخبرها على الشاشة تموت مع عرضها، أما أي مسلسل استمد من الواقع بأسلوب كاتب فنان عرف مكامن الضعف والقوة فيه، يستمر وقد يعرض بعد 20 سنة ويبقى على أهميته وهذا ما حصل مع مسلسلات استمدت من الواقع وبقيت على اهميتها مثل "بربر آغا" أو "أخوت شاناي" أو غيرهما...

نعيم حلاوي (ممثل وكاتب):
نحو الاستهلاك

لكل جديد "رهجة" وجديد "تلفزيون الواقع" جذب المشاهدين في لبنان والعالم ولكن أعتقد أنه كصرعة سوف تدخل بعد وقت قليل في الاستهلاك وستفقد وهجها ويتخطاها التلفزيون كما تخطى العديد من الصرعات والموجات. كذلك هي منطلقة في التلفزيونات في العالم ونرى ذلك على الفضائيات. يمكن أن نقول أنها لا زالت اليوم في أوجها لكن الى متى؟ من المتوقع أن تصبح عادية، وفي لبنان يستغلونها الآن في أكثر من مجال إن في الدراما أو في المنوعات، ربما هذا أمر إيجابي كي لا يمل المشاهد ويشعر بالتنويع، ولكن لكل عمل درامي أو انتقادي ساخر مكانة لا يمكن الاستغناء عنها.. فالرتوش الذي نقوم به والتعديلات التي نجريها على كل أمر واقعي ومن الحياة نريد أن نشير إليه، هي في أساس العمل المبدع.
الآن، أظن أن المشاهد اللبناني واقع في حيرة: من ناحية، هو يحب الفن والعمل الفني المبدع ومن ناحية ثانية، تغريه "برامج الواقع" التي تشفي غليله وترضي فضوله وحب الثرثرة لديه، كذلك حب التلصلص على الآخرين. أعتقد أنه ما من مشكلة بالنسبة الى المشاهد إذ يمكنه متابعة النوعين المختلفين من البرامج، لكن المشكلة يواجهها الكاتب والممثل والفنان بشكل عام. هنا أيضاً قد تحلّ المشكلة بأن يصرّ الكاتب أو الممثل على عدم التنازل والرضوخ والاستمرار في العمل الذي يرضيه. كل عملنا ومنذ البداية كان قائماً على التحدي والتحدي يستمر في كل تفاصيل العمل. وأنا شخصياً، قناعتي أن الكوميديا أو السخرية والانتقاد اللاذع هي سبيلي الى التعبير عن أفكاري بشكل حرّ وأنا كما كل فنان، غير مرغم على شيء. والزمن هو الذي يقدّم النقد الصحيح لكل الأعمال وكل المراحل وكل "ظاهرة" يمكن لها أن تستمر أو لا.