قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ما تكاد لعبة أمم تبلغ الأوج في اشتداد سياقاتها (أي: في اختمار معطياتها، واكتمال أحابيلها، وانكشاف أكاذيبها...) حتي تنطلق لعبة أخري، ضمن سياقات ليست بالضرورة مختلفة عن سابقتها، ويحدث مراراً أنّ اللعبتين صنوان في الجغرافيا!
خذوا اشتداد لعبة الأمم في العراق، مقابل اندلاع لعبة شبيهة في السودان، ولاحظوا أنّ القواسم المشتركة كثيرة، وعلي نحو يدعو حقاً إلي الدهشة، ويذكّرنا من جديد أنّ عولمة العالم هي أيضاً هذه الحال الشائعة من التناسخ المعمّم والنسخ المعولم! ولاحظوا، إذْ لا بدّ للمرء أن يفعل دون إبطاء، أنّ الولايات المتحدة في المقدّمة والوسط والخلفية من جانب أوّل؛ وأنّ التلويح بالعقوبات الاقتصادية والحصار والغزو هو اللغة الفعلية، وراء كلّ اللغات الكاذبة الأخري، من جانب ثانٍ؛ وأنّ الأمم المتحدة تُختزل، من جديد، إلي مجلس أمن في قبضة واشنطن، موضوع علي الرفّ إلا حين تدعو إليه الحاجة.
مفردات ما يجري في إقليم دارفور السوداني هي التالية، حسب القراءة الأمريكية بصفة خاصة: حرب إبادة بين العرب و الأفارقة في السودان الواحد (ونحمد الله أنها ليست بين مسلمين ومسيحيين أو وثنيين!)، تديرها ميليشيات الجنجويد العربية بدعم من حكومة السودان الإسلامية ، وتنطوي علي التطهير العرقي و التهجير و التعريب ...
جميع العبارات السابقة الموضوعة بين أهلّة ليست ملتبسة وتفتقر إلي الدقّة فحسب، بل هي ببساطة تلفيقات إصطلاحية مستوردة من أرخص ما هو مطروح من بضائع مبتذلة في سوق اللغة السياسية الغربية إجمالاً، والأمريكية خصوصاً. وعلي سبيل المثال، لماذا لا تكون المضامين الأخري للبضائع ذاتها هكذا:
1 ـ ليس ثمة نزاع أو صراع أو حروب إثنية بين عرب و أفارقة في إقليم دارفور السوداني، بدليل اندماج أهل هذا الإقليم في صلب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية السودانية منذ مئات السنين. ألم يكن هذا الإقليم قلعة حصينة للحركة المهدية ولحزب الأمّة ، قبل أن يخترقه الإسلاميون وحزب المؤتمر الشعبي ، علي يد الشيخ حسن الترابي شخصياً؟ ألا ينتمي أهل دارفور إلي طائفة الأنصار ، التي لا يُعرف عنها العداء للعرب والعروبة... أياً كان المعني المراد من هذَين المصطلحين؟
2 ـ دون التقليل البتة ممّا يجري من فظائع، ليست الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي أو التعريب هي المصطلحات الملائمة لتوصيف مأساة دارفور. النزاع الحالي طبيعي بالمعني السوسيولوجي للتنازع بين القبائل الرعوية المترحّلة (معظم عرب دارفور)، والقبائل الزراعية المستوطنة (معظم أفارقة الإقليم)، وهو ليس أمراً طارئاً لأنه ببساطة يدور حول الماء والمرعي والكلأ، خصوصاً في منطقة صحراوية قفر وجرداء. ولا ريب البتة في أنّ إهمال الحكومة المركزية لإقليم دارفور، وهذه أو تلك من السياسيات التمييزية أو العنصرية التي تحابي عرب الإقليم، كانت في طليعة الأسباب التي زادت من حدّة التنازع.
3 ـ ليست من فئة الملائكة تلك النُخب السياسية والعسكرية التي أطلقت تمرّد أفارقة إقليم دارفور في شباط (فبراير) من هذا العام، وهم أبعد ما يكونون عن صفة الضحيّة. لقد كانت لدي الحزبين الرئيسيين، حركة تحرير السودان بقيادة مني أركوي منياوي و حركة العدالة والمساواة بقيادة خليل إبراهيم، أجندة سياسية واضحة حين بادرت ميليشياتهما إلي الاستيلاء علي حامية قولو في جبل مرّة، ثمّ الزحف علي مدن كتم والفاشر بعدئذ، وإلحاق سلسلة هزائم بالجيش السوداني النظامي الذي وقع أسير المفاجأة الصاعقة. هؤلاء مارسوا، بدورهم، أعمال سطو ونهب وتخريب واغتصاب في المناطق التي بسطوا سيطرتهم عليها، وهذا موثّق في تقارير منظمة الوحدة الإفريقية ومعظم منظمات حقوق الإنسان.
4 ـ ميليشيات الجنجويد ليسوا ملائكة أيضاً، ولا ضحايا. لقد ارتكبوا من الفظائع وجرائم الحرب وأعمال القتل والاغتصاب والتهجير ما لا يترك زيادة لمستزيد، وهذا أمر لا خلاف عليه في الجوهر. ما هو جدير بالسجال، في المقابل، هو تلك الدرجة المذهلة من تأثيم هذه القبائل، علي نحو مطلق معمّم شامل وعنصري أيضاً، لا تمييز فيه بين زيد وعمرو! ولعلّ المرء يبدأ من مفردة الجنجويد ذاتها، التي أطلقها الأفارقة علي العرب وتلقفتها وسائل الإعلام قاطبة (وبينها، بالطبع، تلك العربية والإسلامية) دون تمحيص أو تدقيق. والحال أنّ التعبير (وهو في اللغة الدارفورية الدارجة الجنجويت ، وليس الجنجويد ) يفيد معني اللصوص والأفاقين وقطّاع الطرق، ومن غير المعقول أن تطلقه عشائر دارفور العربية علي نفسها.
5 ـ السودان دولة ـ أمّة، وسكّانه (38.1 مليون نسمة) يتكلمون أكثر من مائة لغة ويتوزعون في عشرات المجموعات الإثنية، وينشطرون وفقاً لخطوط ولاء قبلية وجغرافية ليس أقلّها انقسام الشمال بثقافته العربية، والجنوب بثقافته الأفريقية أو الوثنية، والغرب بأصوله الإثنية الوافدة أو الأفريقية. وثمة مفتاح حاسم لفهم التاريخ السوداني، هو أن الفتح الاسلامي عرّب مصر بعد أقل من عقد علي وفاة الرسول العربي، ولكنه توقّف عند حدود السودان ويمّمت الجيوش شطر الغرب لنشر الإسلام في شمال أفريقيا وإسبانيا.
وسينتظر السودان (المسيحي إجمالاً) ألف عام أخري علي تخوم الاسلام قبل أن يصل العرب، لا علي هيئة مجاهدين في سبيل إعلاء كلمة الله بل كرجال دين وتجّار ذهب وعاج ورقيق قدموا من مصر وبغداد وجزيرة العرب وشمال أفريقيا، واستخدموا القرآن واللغة العربية والطرق الصوفية لتقويض النظام القبلي الناجز وتفكيك العقائد المسيحية والوثنية. وفي عام 1885 وضعت انتفاضة المهدي خاتمة دامية للوجود المصري علي أرض السودان، لا لشيء إلاّ لتمهّد الأرض للوجود الكولونيالي البريطاني.
6 ـ عرب الحدود هو التعبير الذي استخدمه الشيخ حسن الترابي لوصف عواقب الفاصل الزمني الطويل الذي جعل ولادة الهوية العربية في السودان قيصرية بالمعاني السيكولوجية والسياسية والجغرافية، وسهّل لجوء الإدارة الكولونيالية البريطانية إلي سياسة الباب المغلق المعاكسة تماماً للسياسة التي اعتمدها الروّاد العرب. وفي قاموس التاج الإمبراطوري كان إغلاق الباب علي عرب الشمال المسلمين يعني فتحه علي مصراعيه أمام قبائل الجنوب عبر تقسيمه إلي ثلاثة أقاليم، وتأسيس وضع خاص بكلّ إقليم، وإسناد الخدمات التربوية والإجتماعية إلي البعثات التبشيرية، وتكليف زعماء القبائل بالشؤون الإدارية المحلية، وإحياء اللغات الإثنية والثقافة القبلية علي حساب الإسلام واللغة العربية.
7 - إذا كانت حكومة البشير إسلامية ، كما تقول معظم وسائل الإعلام الأمريكية في استسهال عجيب، فلماذا والحال هذه تنحاز إلي عرب دارفور ضدّ أفارقة الإقليم المسلمين... الذين كانوا في طليعة مساندي الثورة المهدية أواخر القرن التاسع عشر، والذين قدّموا ثلاثة نوّاب إسلاميين في انتخابات 1986؟ وكيف يستقيم استمرار الحديث عن إسلامية الرئيس السوداني عمر البشير، في الشروط الراهنة من صدامه العنيف مع الشيخ حسن الترابي؟ وما معني إسلامية أيّ نظام حكم في السودان، أو حتي في أيّ بلد عربي؟
أليس من المفارقات ذات الدلالة العميقة أن الاستبداد العلماني ، كما يصف ملتون فورست أسلوب حكم جعفر النميري بعد إنقلاب 1969، حظي بدعم مبدئي من الشيوعيين وبمعارضة من الشيخ الترابي الذي بقي رهن الاعتقال طيلة سبع سنوات، ثم انقلبت الأقدار سريعاً فأعدم النميري عشرات القادة الشيوعيين قبل أن يهتدي إلي فضائل الشريعة وتطبيق الحدود في قوانين أيلول (سبتمبر) 1983، ولا يكتفي بالإفراج عن الترابي بل ويعيّنه وزيراً للعدل؟ أليست المفارقة الأخري أن اكتشاف النفط كان الكاشف الحاسم لاختبار سلسلة القوانين الإستبدادية (غير العلمانية هذه المرة) وطرح ورقة إنفصال الجنوب علي نحو عنيف حصد أكثر من مليون ضحية؟
8 ـ لماذا، هكذا بغتة، قرّرت الولايات المتحدة أن تنسف اتفاق تموز (يوليو) الماضي بين الحكومة السودانية والأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، والذي يمنح الخرطوم ثلاثة أشهر لتجريد الميليشيات من السلاح؟ لماذا ضغطت واشنطن لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يختصر المهلة إلي شهر فقط، والجميع يعلم أنّ هذا الطلب أكثر من تعجيزي بالنسبة إلي حكومة مُقعدة مُعاقة في الأساس؟
وهل في وسعنا، هذه الأحقاب بالذات ومع هذه الإدارة الأمريكية الإمبراطورية بالذات، أن نجنح إلي البراءة فلا نري شهوة التدخّل العسكري عابقة في خلفية ما يريد البيت الأبيض من السودان؟ وهل نملك رفاه دفع أجندة الإنتخابات الرئاسية الأمريكية بعيداً عن المشهد بأسره: رئيس غارق في مستنقع العراق وفاشل في تسعة أعشار ملفّات السياسة الخارجية، أمام صيد ثمين يقرّبه من الناخبين السود ويجعله من جديد قائد حملات الخير الصليبية ضدّ أشرار العالم؟
9 ـ هل من المبالغة، أو من باب إدمان نظرية المؤامرة كما سيردّد أحد عقلانيي العرب، أن نأخذ بعين الاعتبار ما يتردّد عن حاجة الولايات المتحدة إلي إقليم دارفور، لأسباب نفطية ـ استراتيجية؟ ثمة ذلك الحديث عن مشروع أنبوب نفط عملاق عابر للقارّات، ينقل الذهب الأسود من العراق والخليج إلي ميناء ينبع السعودي، ثمّ ميناء عروس السوداني، مارّاً بإقليم دارفور، وحقول دبا التشادية، وصولاً إلي غرب المحيط الأطلسي؟ أهي مبالغة أيضاً، ومن جانب آخر، أن نرتاب في أنّ الشركات النفطية الأمريكية (بما تملك من نفوذ هائل في البيت الأبيض) لا تنظر بعين الرضي إلي استئثار الشركات الصينية والماليزية والأوروبية بصناعة النفط السوداني (نصف مليون برميل يومياً)؟
هذه المضامين الأخري، المضادّة لتلك المضامين ـ الكليشيهات التي تتداولها معظم الأوساط السياسية والإعلامية في الغرب والولايات المتحدة، تحاول العثور علي قراءة أخري تتجاوز الضلال والتضليل والإتجار الرخيص بمأساة البشر في إقليم دارفور، وتذهب أبعد ممّا يسمح خطاب النفاق المعتاد، والذي يتعالي كلما انطلقت لعبة أمم جديدة. وإذا كان من نافل القول أن أنظمة مستبدّة فاسدة عاجزة (من النوع الذي بات علامة مسجّلة باسم حكّام الشعوب العربية أكثر بكثير من سواها)، لا تستطيع توفير حلّ ديمقراطي سلمي عادل لنزاعات إثنية أو ثقافية أو دينية داخلية كبري أو صغري، فإنّ من نافل القول كذلك أن يراهن المرء علي التدخّل الخارجي العسكري أيّاً كانت أقنعته.
وذات يوم كانت رقية عمر (الباحثة الصومالية والمديرة التنفيذية السابقة لـ رقيب أفريقيا ، قد استخدمت تعبير بورنوغرافيا الكوارث في وصف التدخّل العسكري الأمريكي في الصومال أثناء رئاسة جورج بوش الأب. لا نستبعد كثيراً أن تلجأ عمر إلي تعبير لاذع آخر في وصف الصناعة الدارفورية التي ينهمك فيها البيت الأبيض هذه الأيام، لأسباب ذرائعية لا تخفي بذاءة مقاصدها غير الإنسانية. ولم يكن غريباً أنّ منظمة حقوق الإنسان الأمريكية الأمّ، Human Rights Watch، سارعت إلي فصل رقية عمر من منصبها بعد أن أطلقت الأخيرة سلسلة تصريحات مناهضة لإرسال جيوش الرحمة الأمريكية إلي أيّ شبر في أفريقيا.
التاريخ يعيد نفسه مع جورج بوش الإبن، في السودان جار الصومال هذه المرّة، وفي هيئة مهزلة علي الأرجح!