في ظروف صعبة جدا واستثنائية يمر بها العالم العربي يتساءل المرء عن المثقف والمنظر والمفكر العربي؟ اين هو؟ ما هو دوره في المجتمع؟ ما هو موقفه مما يحدث من حوله؟ ما هي اتجاهاته وآراؤه حول الاهانات والابتزاز والاستغلال الذي تتعرض له الامة العربية؟ ما هو شعوره بعدما تحرك الشارع الاوروبي والشارع الاميركي ضد العراق والشعوب العربية من المحيط الى الخليج غارقة في سبات عميق؟ أين هو المثقف العربي من تواطؤ الانظمة العربية مع اميركا والقوى الغربية في تصفية.
واهانة والقضاء على الثوار والمناضلين ورجال المعارضة؟ ما نلاحظه في الوطن العربي هذه الايام هو عبارة عن شلل تام في المواجهة والتصدي والرفض لما آلت اليه امة بكاملها، اطفال ابرياء يقتلون ويعذبون ويموتون يوميا في فلسطين والعراق، وغيرهما من الدول العربية، قيادات سياسية وحزبية وقوى مضادة تهمش وتسجن وتتم تصفيتها بدون سابق انذار، كل هذا يحدث في ظل التفرج السلبي.
اشكالية المثقف
اشكالية المثقف ودوره وازمته ومكانته في المجتمع تبقى من الاشكاليات المهمة والرئيسية المطروحة على الساحة الفكرية والثقافية والسياسية في وطننا العربي.
التجارب التاريخية في وطننا العربي تشير الى مرض الاغتراب والتهميش والاقصاء الذي عانى ومازال يعاني منه المثقف العربي عبر الاجيال والعصور.
ففقدان الحرية والديمقراطية كلها عوامل ادت الى اغتراب المثقف العربي وتهميشه داخل وطنه حيث اصبح من الغرباء فيه لا يتعرف عليه ولا يتفاعل معه كما ينبغي لانه اذا فعل ذلك مصيره يكون مجهولاً او اننا نجده يلجأ الى الهجرة طلبا للحرية ولمتنفس يجد فيه مجالا للتفكير والابداع، لكن تبقى الغربة والعيش خارج المحيط الطبيعي للمثقف بمثابة الموت البطيء.
والمثقف مهما كانت الصعاب والمشاق والمشاكل والعراقيل يبقى دائما مسئولا ازاء مجتمعه لتحقيق الاهداف النبيلة التي يناضل من اجلها وهي العدالة والمساواة والحرية والقيم الانسانية النبيلة ومن اهمها توفير الظروف المناسبة للفكر والابداع.
اشكال آخر مهم جدا ضمن سياق ظاهرة اغتراب المثقف يتمثل في الرقابة الذاتية وممارسة الانسلاخ الارادي والمباشر من المجتمع والعيش في ضفافه وقشوره، وهذا موت بطيء اخر يعاني منه المثقف العربي وهو نوع من الانتحار حيث لا يستطيع المثقف ان يجرؤ على التعبير عما بداخله ولا يستطيع ان يضع افكاره في خدمة المجتمع وفي خدمة المهمشين والمحرومين. فالاشكال هنا يتمثل في التقرب من المسئولين وهذا يعني بعبارة اخرى الانسلاخ عن الجماهير، او التقرب من الواقع ومن الجماهير .
وهذا يعني غضب المسئولين على المثقف واسكاته او تهميشه بطرق مختلفة البعض منها معلن والبعض الاخر سري وضمني. وفي كل هذا نجد ان المجتمع في نهاية المطاف هو الخاسر الكبير لأن المجتمع الذي لا يملك نخبة من المثقفين العضويين ونخبة من المفكرين تنظر وتنتقد وتقف عند سلبياته وهمومه ومشاكله وتناقضاته وافرازاته المختلفة لا يستطيع ان يكون مجتمعا يتوفر على شروط النجاح والابداع والتحاور والنقاش البناء والجاد بين مختلف الفعاليات والشرائح الاجتماعية.
وآليات الاتصال هنا داخل المجتمع مهمة جدا، فكلما كانت مرنة وسلسة ويسيرة كلما نجم عنها التفاهم والوئام والوصول الى الافكار النيرة. لكن كلما تعقدت آليات الاتصال والتواصل في المجتمع وكلما اصبحت عسيرة ومفتعلة ومتملقة ومنافقة كلما كلما زادت مشاكل المجتمع وتفاقمت وكلما زاد سوى الفهم وانعدم التفاهم والحوار واحترام الاخر.
هذا ما يقودنا للكلام عن الثقافة التي افرزتها القوى المختلفة في المجتمع، فهذه الثقافة هي بكل وضوح ثقافة التبرير والتملق والتحذير والتزييف، وكأن الهدف في نهاية المطاف هو تجهيل الرأي العام وتخديره بدلا من توعيته والرقي به الى مستوى الفعل والمشاركة في صناعة القرار وفي تحديد مصيره ومكانته بين الشعوب والامم.
دور المثقف العربي
ما هو دور المثقف العربي في المجتمع؟ وما هي علاقته بالسلطة؟ اسئلة تفرض نفسها وخاصة في الأزمات المتعاقبة التي تعيشها امتنا في البداية نتساءل عن مكانة المثقف في المجتمع وعن وضعيته وعن الدور الموكل إليه. ولماذا نتكلم دائماً عن ازمة المثقف؟
لماذا مثلا لا نتكلم عن المثقف العضوي في المجتمع، المثقف الحقيقي الذي ينتقد ويقف عند هموم وشجون المجتمع، المثقف الذي يحضر مجتمعه شعباً وقيادة لمواكبة التطور الانساني والحضاري والتفاعل الايجابي مع ما يحدث في العالم. في البداية يجب الاشارة إلى ضرورة النظر إلى المثقف كجزء فرعي من نظام كلي وهو المجتمع، ونتساءل هنا هل المثقف ينتج المجتمع ام انه جزء من المجتمع. فالمثقف عادة ما يكون مرتبطاً بواقعه وبمجتمعه يتفاعل معه، يؤثر ويناثر به. لكن الاشكالية التي تطرح هنا تتمثل في ماهية وطبيعة العلاقات التي يقيمها المثقف مع الجهات المختلفة الفاعلة في المجتمع.
ما هي اذا علاقة المثقف العربي ببيئته؟ وعلاقة المثقف بالجمهور وعلاقة المثقف بالقضايا اليومية للمجتمع وعلاقة المثقف بالقضايا الطارئة. ففيما يتعلق بعلاقة المثقف بأهل المسئولية بقيت الامور على حالها رغم المطالبة بتجسير الفجوة الموجودة بينهم، والمحاولات القليلة التي سجلت كانت مع الاسف الشديد من قبل المثقفين ازاء السلطة ومن جهة واحدة الامر الذي يدعي إلى التشاؤم والتحسر على واقع سلبي للغاية في عصر العولمة والثورة المعلوماتية.
فالمثقف في هذه الظروف ينظر للمسئولين ويبرر كافة اعمالهم سواء كانت صائبة ام خاطئة. هذه النوعية من المثقفين تسمى باشباه المثقفين اذا انتشرت في المجتمع فإنها تنشر ثقافة الاستسلام والرضوخ وثقافة التملق والنفاق والقضاء على بذور الديمقراطية من اساسها لأن الديمقراطية تقوم على المعارضة والاختلاف في الرأي ولا معارضة ولا رأي بدون فكر ولا استقلالية في التفكير بدون حرية وبدون مباديء.
علاقة المثقف بالجمهور
أما عن علاقة المثقف بالجمهور فالمعادلة هنا واضحة جداً فكلما اقترب المثقف من أهل القرار كلما ابتعد عن هموم ومشاكل ومطالب الجماهير، وكلما كرّس اهتمامه لإرضائهم وتبرير أعمالهم وأفعالهم وكلما أصبح همه ذاتياً كلما انسلخ نهائياً عن واقعه الحقيقي وعن دوره الاستراتيجي في المجتمع. ومن هنا نلاحظ أن القضايا الرئيسية والمهمة والقضايا الحيوية الأساسية تكاد تنعدم في اجندة المثقفين العرب وما يطرح ويناقش لا يرقى الى مستوى الطرح الجريء والموضوعي والناقد.
وأخطر ظاهرة نعيشها في أيامنا هذه وفي القنوات الفضائية العربية والتي أصبحت تدّعي الكمال والحرية والطرح الشجاع هي ظهور أشباه المثقفين لمناقشة مواضيع مهمة وحساسة بطريقتهم الخاصة، طريقة التبسيط والتسطيح وفي بعض الاحيان الخدش والشتم والتشهير. أما علاقة المثقف العربي بالاحداث الآنية وأحداث الساعة فنجد التباطؤ أحياناً والسكوت أحياناً أخرى أو انتظار الاشارة الخضراء من السلطة للتعبير عن وجهة النظر أو الرأي.
وما نلاحظه أحياناً أخرى أن هذا المثقف يختفي تماماً إذا تعلق الأمر ببلده أو مسئوليه ويبرز عضلاته إذا تعلق الأمر بدولة عربية ليست بدولته رغم أن هذه الدولة العربية ـ التي يوجه لها الانتقادات التي تصل في بعض الاحيان إلى الخدش، ويقدم لها الدروس والوصفات السحرية ـ تكون في معظم الأحيان أحسن بكثير من الدولة التي ينتمي إليها ويتملق ليل نهار لسلطتها.
تحديات الألفية الثالثة
أين نحن إذن من تحديات الألفية الثالثة ومن القضايا المصيرية التي تواجه وطننا العربي وحالة المثقفين في هذا الوطن الكبير على ما هي عليه من إقصاء وتهميش واستئجار، سواء تعلق الأمر بالمثقف المهاجر أو المغترب أو المستأجر أو المهمش أو الذي أقصته القوى الخفية ومسحته من خريطة المجتمع، حالة لا تستطيع أن تؤهل المثقف مهما كانت فصيلته من القيام بذلك الدور الريادي في المجتمع، ذلك الدور الذي حدده نعوم تشومسكي في اشهار الحق في وجه السلطة.
والذي حدده الفيلسوف الايطالي غرامشتي في دور المثقف العضوي الذي يحمل هموم المحرومين والمهمشين والذي ينظر وينشر الوعي والفكر العمالي من أجل انتصار الغالبية العظمى في المجتمع على القلة القليلة التي تتلاعب بثرواته وخيراته. مسئولية المثقف العربي تزداد يوماً بعد يوم في عصر لا يرحم .
وفي عصر زالت فيه الحدود بين الدول وزالت فيه الطرق البوليسية والمخابراتية في الرقابة والاستعباد والاستئجار، فعصر المعلومات فرض ويفرض نوعاً جريئاً من المثقفين يتمتع بالتفتح والحوار وبالنقد والنقد الذاتي بالموضوعية والأمانة العلمية وبالجرأة في الطرح والتحليل والنقاش بعيداً عن المصالح الذاتية والحسابات الضيقة.
فمن حق الشعب العربي أن ينعم بمثقف يكون في مستوى الطموحات والتحديات ويكون عند حسن ظن هذه الجماهير التي لا تنتظر سوى اتاحة الفرصة لمنافسة الشعوب المتطورة والمتقدمة واللحاق بعجلة التطور والتقدم والازدهار. فلا مستقبل لأمة بدون مفكرين ومثقفين ومنظرين ينتقدون الباطل ويدافعون عن الحق ويحملون هموم المحرومين والمهمشين بعيداً عن شهوات ونزوات السلطة.














التعليقات