سوف يتساءل باحثون كثيرون بعد 50 سنة قادمة: هل حققت ثورة 23 يوليو 1952 رفع واصلاح وتقدم الدولة المصرية وشعبها؟ لقد مضى في يوليو الماضي 52 سنة على هذه الثورة، ولكن احياءها وشهودها ما زالوا احياء، ومن طبيعة الاحداث ان يتأثر الحكم عليها بمشاعر الناس، ولذلك لا تصح الاحكام الا بعد ان يغيب شهودها وتتوارى العواطف التي تؤثر في الحكم عليها، ومن حسن حظ الباحثين القادمين مع المستقبل انهم سيجدون كماً كبيرا من الوثائق والصفحات المسجلة والمكتوبة التي يستطيعون ان يستخرجوا منها الحقيقة رغم مقالات الاطراء والخوف والنفاق والجبن.

وسيجيب الباحثون القادمون بحرية وليبرالية اكبر عن سؤال هل هدفت فعلا ثورة يوليو منذ يومها الاول الى الاصلاح وتحقيق برنامج محدد او مخطط، ام ان الامر، كما يميل البعض، كان انقلاباً عسكرياً هدفه التخلص من بعض القيادات العسكرية الفاسدة التي يعتمد عليها الملك، لكن سهولة الانتصار الذي تحقق حولت الهدف الى خلع الملك فاروق نفسه، وقد تحقق ذلك في سرعة بالغة وفي خلال 6 ساعات لا أكثر، ففي الساعة الثانية عشرة ظهرا كانت امام الملك وثيقة التنازل عن العرش، وفي السادسة مساء بعد 6 ساعات كانت الباخرة المحروسة تحمله الى خارج البلاد، وكما ان فاروق عندما تولى السلطة في عام 1937 في سن الثامنة عشرة الا قليلا، واستقبلته الجماهير بالحب والامل ووجد من بين بطانته والمحيطين به من سهلوا له الاستهانة بحزب الوفد، الذي كان يمثل الاغلبية الشعبية و بزعيمه مصطفى النحاس، كذلك فإن ضباط حركة يوليو وجدوا بعد التخلص من الملك من يغريهم بالحكم بسهولة، ويسهل لهم ضرب الاحزاب السياسية الموجودة في الساحة في ذلك الوقت والقضاء عليها في ستة اشهر فقط.
تاريخ واحداث تتواصل وسوف يتوقف امامها الباحثون بالتأكيد لكي يكتشفوا نتائج ثورة يوليو اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، واذا كانت هذه الثورة قد حررت الانسان المصري فعلا فلماذا وصلت حال مصر إلى ما وصلت إليه اليوم، وكيف يمكن فصل الحاضر عن الماضي وكله طريق واحد متصل؟

وربما كان على الباحثين ان يجيبوا ويبحثوا، اي ثورة اطلقت على نفسها ثورة في العالم العربي وحققت تقدما للدولة التي حدثت فيها تلك " الثورة؟! ونتذكر الاسماء: سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، السودان، وطبعا مصر، وقد استثنيت الجزائر على اساس انها كانت مقاومة شعب ضد المحتل، ولكن شهود جميع هذه «الثورات» ما زالوا احياء بمشاعرهم، سواء من كان مع او ضد، وقد يساعد ما نصدره اليوم من احكام على توضيح الحقيقة لقضاة المستقبل.. لكن الحكم النهائي في القضية سيبقى مؤجلا الى ان ينسحب من هذا الحاضر كل شهوده، ويصبح الحكم في يد قضاة محايدين تماما.