قام الجيش الاسرائيلي بتوزيع حبوب علي مدن وقري جنوبي اسرائيل، قال انها يجب ان تستخدم، في حال حصول كارثة نووية في مفاعل ديمونا. الاعلام غطي الخبر، والخبر مرّ كما تمر جميع الاخبار. صور متلاحقة علي الشاشة الصغيرة تليها صور عن حدث آخر، قد يكون اكثر اثارة، والي آخره.
فعنونو قضي اعواما طويلة في سجن انفرادي، لانه كشف السر الذي يعرفه الجميع. فالغموض النووي الاسرائيلي كان خارج التداول الاعلامي، لكنه كان معروفا عند اصحاب القرار في الدول الكبري، لكنه بقي سرا. حتي بعد فضيحة فعنونو في الصحافة البريطانية، وبعد محاكمة الرجل، واخضاعه لشروط غير انسانية في سجنه الطويل، عاد السر الي قمقمه، ولم يجرؤ احد او لم يرد احد، ان يري أو يلفت انتباه الناس في العالم، الي ان اسرائيل قد تحولت الي دولة نووية من زمان.
واليوم، قام جيش الدفاع ، بتوزيع حبوب لمنع السرطان، تحت عدسات الصحافة العالمية، واعلنت اسرائيل بلا مواربة بأنها تمتلك سلاحا نوويا، وان التجهيزات القديمة في ديمونا قد تشكل خطرا علي صحة سكان الدولة العبرية، والبلاد المجاورة، ومع ذلك سوف يبقي امتلاك اسرائيل للسلاح النووي، جزءا من الغموض الاستراتيجي، الذي يتواطأ معه العالم بأسره.
الغموض الذي اتبعته اسرائيل في سياستها النووية، هو اسم آخر للوضوح، انه امتحان لتواطؤ العالم المتحضر ، مع النوازع الاجرامية لدولة قامت علي طرد شعب كامل من ارضه، وتواصل اليوم سياسة الطرد المضمرة، من دون حسيب او رقيب، كأنها نجحت في ان تجعل نفسها استثناء.
الولايات المتحدة تبحث عن وسائل لاحتواء كوريا الشمالية، وتعد لحصار طويل سوف يفرض علي ايران، وتفرض علي اغلبية دول العالم ضرورة تطبيق معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية، وتحتل العراق بحجة وجود اسلحة دمار شامل، لكنها توافق وتدعم سياسة الغموض الاسرائيلي الواضحة، بحجة ان الدولة العبرية مهددة من قبل جيرانها العرب!
الدولة المهددة، بفتح الدال، هو اسم آخر للغموض الاستراتيجي. حتي عام 1948، لم تكن اسرائيل مهددة، بل كانت علي العكس، تملك جيشا اكثر عددا وعديدا، من جميع الجيوش العربية، التي دخلت الي فلسطين، من اجل ان تستكمل النكبة وتغطي باسم آخر لا علاقة له بالواقع هو الهزيمة.
اما اليوم، وبعد السلام المصري ـ الاسرائيلي، والاردني ـ الاسرائيلي، وبعد الانتشار العسكري الامريكي من الخليج الي العراق، وبعد انهيار الجيوش العربية، فان خدعة الدولة المهددة لم تعد تنطلي علي احد، ومع ذلك فهي رائجة وبشدة، وتجد عند بعض السذج في العالم العربي نفسه من يصدقها.
اذا كانت اسرائيل غير مهددة، فلماذا القنابل النووية اذن؟ هذا هو السؤال الذي لا يجرؤ الاسرائيليون علي مواجهته، لانهم منشغلون ببناء الجدار العنصري من جهة، ولانهم يلعبون غميضة محاربة الارهاب، كي يتسني لهم الاستيلاء علي اغلبية ارض الضفة الغربية، وتحويل الفلسطينيين الي عبيد.
ولكن تعالوا ننسي الظرف الراهن قليلا، ونفكر علي المدي التاريخي، ماذا تستفيد اسرائيل من قنابلها النووية؟ ولماذا تغطي امريكا هذا الغموض؟
قد يجيب اسرائيلي حصيف علي سؤالنا، بأن السلاح النووي هو لردع العرب. ولكن العرب لا يقاتلون، ولن يقاتلوا في المدي المنظور. اي ان خطر قيام جيش عربي بالهجوم علي اسرائيل ليس واردا. الصراع يدور اليوم علي ارض فلسطين، بين شعب شبه اعزل والة عسكرية ضخمة تقوم بسحقه وتدميره كل يوم.
هل يعقل استخدام القنابل النووية ضد رام الله مثلا؟ بالطبع لا، فالسلاح النووي يمكن ان يستخدم ضد دولة تحارب دولة، او في سياق حرب عالمية. حتي الحرب الباردة انتهت من دون ضربة نووية واحدة، واكتشف الاتحاد السوفييتي المهزوم، ان ترسانته النووية لا تساوي شيئا.
اذن ماذا؟ ولماذا؟
السر الاسرائيلي ليس استراتيجيا، أي ان اسرائيل لا تسعي فقط الي التحول شريكا ووكيلا للولايات المتحدة في العالم العربي بأسره، هذا المقترب الاستراتيجي افصح عنه الجنرال شارون خلال اجتياحه المشؤوم للبنان عام 1982، لكنه اثبت فشله وكارثيته، فاضطرت امريكا الي ارسال رجال المارينز الي لبنان، من اجل مسح الوسخ الاسرائيلي الذي عبر عن نفسه في شكل همجي في صبرا وشاتيلا. حتي الحرب علي العراق، كانت في جزء منها، محاولة امريكية حمقاء لتقديم خدمة مجانية لاسرائيل، عبر افهام العرب، بأن القوة الحقيقية الوحيدة المعتمدة، هي الدولة الصهيونية.
غير ان الوجه الخفي من السر الاستراتيجي الاسرائيلي هو الذي يثير الهلع. ان تكون اسرائيل جزءا من الامبراطورية الامريكية، فهذا يخيف الي حين، لان مصير جميع الامبراطوريات الي زوال. اما ان تقوم دولة تمتلك سلاحا نوويا بتحويل الخرافة الي حقيقة، فهذا يعني ان المنطقة العربية بأسرها هي علي كف عفريت يتصرف بقناعة نبي. كل المشروع الاسرائيلي قام علي معادلة تحويل الاسطورة الي حقيقة سياسية. لكن اللعب النووي بأسطورة الخوف، قد يعني ان العالم العربي امام اكبر خطر في تاريخه منذ بداية هذا التاريخ.
هم يوزعون اقراصا للسرطان، ونحن نشرب اقراص النوم، وننام في كهف عميق ملوث بالاشعاعات السرطانية.